ثمة خطاب كاسح حاد جاف يمهد لهيمنة رؤية واحدة ونمط واحد في التفكير.
يرهب خصومه أو بالأحرى مخالفيه، يفرض الصمت ويحاكم الرأي والهمس دون نظر وتروَ، خطاب مهيمن لا يقاوم ولا مفر منه. والفكرة المغايرة تطارد وتشوه وهي متهمة ابتداء، لأنها صادرة من "متمردين" مشاكسين.
والكثيرون خضعوا وهادنوا، وأصبح الواحد منهم يكتب ويفكر ضمن مربعات ضيقة حتى لا يثير زوابع ولا يتعرض للمحاكم والمطاردات والمداهمات الفكرية، ليتها كانت ليلا أو فجرا، كما تفعل الأجهزة الأمنية القمعية، وإنما في كل حين وآن، ويُمعنون في تثبيت الحدود الفكرية والتأصيل لفقه المفاصلة.
إذا تكلمت عن الديمقراطية، طاردوك، وإذا زادت جرأتك عن حد معين، وتحدثت عن إيران أو حزب الله أو فضل الله (مؤخرا)، حاصروك وسلوا سيوفهم ليجهزوا على كتاباتك، وإذا تحدثت عن الحريات والتواطؤ مع الطغيان والاستبداد، أغلقوا دونك الباب، والقائمة طويلة، ورسالة الهيمنة لا تخطئها العين: لا مقام للفكرة الحرة في أوطاننا، وبلادنا مرتوية وليست جرداء بور، قف مكانك أو ارحل عنا غير مأسوف عليك، ولن يبق أمامك إلا الكتابة متخفيا، إلى أن تيأس وترمي قلمك طلبا للسلامة والعافية، أو تظل مطاردا وربما تموت متخفيا، وربما يتزامن هذا مع لحظة الإعلان عن "الاغتيال المعنوي للمفكر"!! وهذا لن يكون.
يريدونك واحدا من الحشود، تقول بمقالتهم، أو تدس قناعتك ورأيك إلى أن تموت غما وهما وكمدا، مكبوتا محبوسا مفجوعا، ليس لك من الأمر شيء.
أكثر كتاباتهم إعادة صياغة الخطاب المهيمن نفسه، خطاب الرفض والحقيقة المطلقة والاستعلاء الإيماني والتفوق الشرعي والمصادرة والفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
ويظل المفكر الحر المطارد محتارا: ما الذي بالإمكان فعله خارج هذا النظام، أو بالأحرى للنجاة من هذا الوأد المعاصر؟ أو كيف يمكن التعامل مع هذه المنظومة الفكرية المغلقة؟ وصل كثير من المطاردين إلى قناعة: ليس ثمة خيارات تلوح في الأفق، والصبر على الأذية الفكرية والمطاردة المعنوية، شرف ونبل يُعتز به، لكن لن نهادن ولن ننحني لمطاردة ولا لمداهم ولا لمشكك ولا لمتهم، ولا لضيق الأفق ضيق الصدر، ولا لمستعل مغرور.
ليست هذه استماتة ورغبة جامحة في الحفاظ على "الخصوصية" الفكرية، وإنما هي محاولة الانتقال إلى مستويات أعمق في التفكير والتأثير والتوجيه، بعيدا عن أجواء التنويم والخداع والتواطؤ والتقية والتدليس والتضليل.
أن تواجه حملات التشكيك والمطاردة، أشرف وأنبل وأرحم من الخضوع لمنطق المربعات المغلقة، وأصعب من هذا أن تقاوم وترفض الإذعان والانضمام إلى الصف، وتكسر الجمود وتفكر وتؤثر خارج البرمجة الفكرية المفروضة.
وأسوأ ما في الأمر أن هذه المطاردة للأفكار الحرة توظف لتمديد عصور الانحطاط والطغيان.
ويهوى المطاردون أداء مهمة الشرطي، يعطون إشارات المرور للكتاب والمثقفين والمفكرين، في تضخم مشوه للمجتمع.
بعد زمن، أدرك الكثيرون منا أن للحرية عدوين شرسين: المحتكر للسلطة والمحتكر للحقيقة. وكلاهما يستعمل الأداة نفسها لبسط سلطانه ونفوذه وقمعه: الهيمنة، ومن يمانع ويقاوم يطارد.
عندما تنظر إلى القضايا والأحداث من زاوية مغايرة عما ألفه الناس واعتادوه وحفظوه من جيل البرمجة الفكرية، فأنت متهم، ويجتمع على مطاردتك محتكرو السلطة والحقيقة، كل بأسلوبه.
أرفض التعامل مع قضايا الحرية والتأثير (خارج البرمجة الفكرية) بشكل خافت باهت موغل في الإغراق والتقديرات والحسابات، هو أقرب إلى الهمس والنجوى، وإنما هي قضية الأحرار في كل زمان ومكان، ولن تتحول قضية الحرية إلى فضفضة أو مسألة فلسفية يكثر فيها السؤال والنظر والتأمل إلا إذا تعاملنا مع تفاعلاتها وحقائقها بمنطق تجريدي بارد وأعزل، ولا مجال للحديث عن مجتمع حي ومثقفين ورأي عام، والجميع مقصى ومكمم ومغلق عليه، كفانا تدليسا وإيهاما.
لا أدري لماذا هذا التوتر الكبير عندكم ياأخ خالد من كتابات الشيخ ابراهيم السكران ,أنا قرأت مقال الأحمري عن (فضل الله) و أعجبت بالراحل وندمت على رحيله , ولكن بعد أن قرأت مقالة السكران عنه انقلبت الصورة عنه 180 درجة وفي نفس الوقت انبهرت بسعة اطلاع الشيخ ابراهيم السكران وعمقه و قوة تأصيله في البحث الذي لا يملك أمامها المنصف الا التسليم والقبول , فان كنا يا أستاذ خالد نطمح الى الحوار والمناقشة لنبتعد عن المواقف والمقالات الارتجالية الاندفاعية ولنتحلى بالعمق والتأصيل في النقاشات وليس هناك سبب وراء انتشار اراء السكران وقوة تأثيرها على الكثيرين من المنصفين الذين ينشدون الحقيقة الشرعية الا لاتصافها بالعمق والبعد عن السطحية و سعة الاطلاع المبهرة والتأصيل الشرعي الدقيق .
هذا المقال أصابني في مقتل
شكرًا لك ايها الكاتب
عجيب يا أستاذ خالد
هل للدكتور الاحمري أن ينتقد السلفيين في التحليل العقدي ويصفهم عدم الفهم
وله أن يتحدث عنهم بسخرية في المعضلة الشيعية
وأن يسخر منهم في آضاءات العربية الصهيونية
وأن يحلل نفسية السكران بلغة ساخرة في مالات الخطاب المدني
ويصف السلفيين بالرضا بالعبودية وحب الاستعباد لانهم خالفوه في ربطه بين الديمقراطية والحرية فالذي يرفض الديمقراطية يرفض الحرية
ومع تتبع الحوارات بين الاحمري والسلفيين يجد أن البادئ الاحمري دائما في لغة استعلائية وساخرة
أخوي كنت أتمنى منك لغة مستقلة
تحلل اللغة الناعمة والهادئة وحسن الظن الدائم في طرح الأحمري مع الطوائف الباطنية وتقديم سوء الظن والغة الجارحة مع أصدقاء الأمس .
مقال جميل يا خالد, لكن هذا الموقف الخاطئ منهم تجاه الاقوال المخالفة لهم له ميزة, وهو انهم يتمتعون بقوة دفاع حاسمة لا تقبل المساومة, وهذه الخاصية تفيدنا كثيرا في حال كان العدو واحد ومستبد لانك ستجدهم في اول صفوف المدافعين عن الحق, التاريخ يخبرنا بذلك.
لكن في المقابل, نظرية الدفاع المستميت, تكتف الابداع الفكري, فهم حصروا نشاطهم على ردود الفعل, ينتظرون كل رأي ليردوا عليه, بينما ليس لهم مبادرات فكرية حديثة لان المبدأ عندهم قائم على اسقاط الجديد.
الاخ عبد الله, لا شك ان ابراهيم السكران باحث جيد من ناحية استحضار المعلومة, لكن الاشكال عنده في تصوره الكلي للامور, مثلا في مقاله الاخير, هو يتحدث عن فضل الله بعقلية ستكون مقبولة لو ان فضل الله سني سلفي. فضل الله شيعي وبالتالي يجب النظر له كشيعي تحرر وحرر جزءا من الشيعة من بعض الامر الخاطئة. ربما لن يقبل ابراهيم السكران النظر لفضل الله على انه من المعتدلين الشيعة حتى يكون سلفيا. هذه المشكلة الحقيقية.
الذي يقرأ مقالك يا أستاذ خالد يتصور أنك تقصد أناسا يملكون زمام الإعلام بشتى وسائله ويقصون من لا يكون معهم مائة بالمئة. والحقيقة أنك ربما تملك من الوسائل الإعلامية (العصر) أكثر مما يملكون فهم غرباء حقا في هذا الزمن.
بالله عليك ماذا يملك الذين تكتب ناقدا لهم بكل هذه الحدة والشدة؟! ماذا يملكون غي أقلامهم التي لاتجد متنفسا إلا عبر وسائل إعلامية مغمورة في الغالب؟ فلماذا تصورهم وكأنهم وحوش فكرية متغولة تفترس كل من عداها؟
وفقنا الله جميعا لما يحب ويرضى
هذا التوتر دلالة على الرغبة في مصادرة فكر الآخرين .. !!


