أحياناً أستمتع بالغرق وسط طوفان من التنظير الفكري والفلسفي.. حالة مُتناهية من التجريد، والشعور بالتفوق الذهني المُصاحب لتفكيك الإشكالات المُعقدة، والدخول في مسارب صراع الأفكار، واستكشاف الأيديولوجيا المتوارية خلف قناع الأبستمولوجيا.
فأعيش مثلاً مع المسيري في سعيه لتكوين نموذج معرفي، وقلقه من اكتساح النزعات المادية الغربية للعالم الكوني، واتساع تطبيقات التشيؤ والتسلع والحوسلة في المجتمعات العربية، وتمدد الجماعات الوظيفية، وتقلص مساحة المدارس الإنسانية في الغرب.
وأستمتع بمتابعة صراع أبو يعرب المرزوقي حول المتعاليات الغائية للوجود الإنساني، وسعيه لترسيخ مفهوم الاستخلاف مقابل الحلولية الغربية.
وأغوص مع برهان غليون في تنظيره لتخطي الأزمات المفهومية المترابطة بين الدين والسياسة وعلاقتهما بالدولة المعاصرة.
وأندهش من نضال حسن حنفي لإعادة إنتاج التراث وحقنه بالوقود الدافع للحداثة، والتعامل مع الغرب كحالة دراسة عبر منهج الاستغراب.
وأمتعض وأنا أتابع شغف حسين مروة بمركسة التراث وتركيب عجلات مادية صرفة تحت جميع عربات الفعل التاريخي .. وحين أرى تزييف عزيز العظمة وهو يبذل جهداً استثنائياً في تدوين تاريخ التحديث العربي بهدف المُماهاة بين (تاريخ التحديث) وتاريخ (العلمانية العربية)!
وأغوص مع مفاهيم عبدالله العروي، وما بعد حداثة مطاع صفدي، وشغف علي حرب باستنطاق المعقول من اللامعقول، وكنه الإسلام المتعدد عند عبدالمجيد الشرفي، وتفتيش محمد جابر الأنصاري عن أسباب الأنيميا السياسية في التراث الإسلامي، وسعي طه عبدالرحمن لعقلنة التصوف وتأسيسه لمفهوم المقاربة التداولية.
* * * *
ثم في لحظة كشف وتجلٍ، أُراجع هذا المسار التجريدي وأرى الواقع.
فأكتشف أن بضعة مُناضلين مغمورين في حقوق الإنسان أكثر قدرة على إحداث تقدم حقوقي ونهضوي من (درزنين) من المُبشرين بقدرة فلسفات هيغل وفيورباخ وكاربوبر على إحداث التغيير.
وأن السُلطة تخشى من مُدرِّس الرياضة الذي صار في غفلة من الزمن مُرشداً للإخوان، أكثر من خشيتها من عقلية فلسفية ضخمة كـ"عبدالوهاب المسيري".
وأن صورة راشيل خوري وهي ترزح تحت جنزير الدبابة الإسرائيلية، أكثر إلهاماً نضالياً من الإنتاج الفلسفي العميق لـ"عزمي بشارة".
وأن أردوغان الذي يقود ثورة تقدمية استثنائية في وطنه ليس معنياً بفلسفات لوكاتش وباشلار، بقدر ما هو مشدود ليقين وإيمان فتح الله كولن.
وأن عبدالله الحامد هو أكثر دفعاً لتقدم مجتمعنا ونيله لحقوقه من عبدالله الغذامي.
وأن وليد أبو الخير هو من يُمثل ضمير الشباب في وطني، وليس شباب الحلقات الفلسفية في الأندية الأدبية.
* * * *
لا أريد أن أبخس التنظير الفكري أهمّيته في إحداث تحولات بنيوية هادئة في الفكر الإنساني.. لكن بودي أن أهمس في أذن بعض هؤلاء المُفكرين، وأقول لهم: (روقونا الله يرضى عليكم، ولا تكبرون موضوعكم).
حبيبي نواف
هناك مجموعة من الشباب سووا لنا ازعاج صوتي وضجيج مرتفع عن الحرية والاستبداد ونقد السلفية ولا يوجد لديهم اي مشروع سياسي محدد ولم يتقدموا للدولة بطلب تطبيق الديمقراطية لم يعملوا اي شيء مجرد منشدين باسم الحرية ويلعنون اليوم اللي انتشر فيه فكر السلفيين الداعم للاستبداد حسب ظنهم
سؤالي يا عزيزي اين يقع هؤلاء ؟
فهم لا ينظرون فكريا ولا يصنعون شيئا على الارض ولا يقدمون ادنى تضحيات
هم مجرد مصارعين واصحاب صوت ورجة أما غير ذلك فلم نرى شيئا
هل تتوقع لهؤلاء مستقبلا ورديا في ظل تنامي الاسئلة الصعبة والدور المفقود ؟
"...تقاليد نفعية لا يهمها من الفكر إلا الثمرة المباشرة. لذلك فالبحث النظري عامة والبحث النظري في مسائل النظر خاصة يعده أصحاب الرأي النفعي السائد مجرد سباحة في الأوهام...
...فقبل عصر الانحطاط حُصر الفكر الديني والفلسفي في الشروح والتعليقات على متون اعتبرت نصوصها حقائق نهائية. وهو لم يتجاوز، منذ بداية النهضة عندنا، الدروس السطحية لتاريخ الفلسفة المدرسي الذي لا يكاد يتجاوز العرض الحدثي لحيوات الفلاسفة والعموميات المبتذلة حول مذاهبهم وبعض أعمالهم والثقافة الصحفية التي تخلط بين الفكر الفلسفي والتعبير الإيديولوجي عن المواقف الحزبية.
[[لذلك فقد بات التوجه إلى القارئ العربي بخطاب جدي- فلسفياً نظرياً كان أو دينياً عملياً- شبه مستحيل لكونه سرعان ما يعزف عنه بمجرد غياب الكلام العام]] الذي عوده عليه فقهاء الوضع وأنصاف مثقفي الحاضر أو غياب النفعية المباشرة التي فرضها عليه أنصاف متكلمي الماضي وفقهاء الشرع: فصارت عموميات المنطق ومبتذلات الإبستمولوجيا وممضوغات النقد الأدبي وسطحيات التحليل الطبقي فكراً فلسفياً يعتد به"
نقلا عن الدكتور أبو يعرب المرزوقي
لهذا تجد التقارير الغربية تتخوف من الحركات الاسلامية ولا تلقي بالا للنخب المتكدسة في الإثنينيات والأحديات الثقافية
كم أملي من الأستاذ عبد الله العودة أن يتفحص ثنايا هذه اليراعة وسيلحظ فيها جوابا لبعض سؤالاته الحيرى
للأسف كلام سطحي جدا ومختزل .
إن الذين يتحركون كـ وليد أبو الخير ، راشيل ، أصحاب حقوق الإنسان . لم يتحركوا في ظل الأفكار التي اجتاحت العالم من مركزية عرقية كانت متأسسة هناك وشاملة . لكنهم تحركوا بعد سنوات من التنظير العلمي بخصوص النسبية والبنيوية ونحوها وإن كان لها سلبياتها الضخمة . لكنها كسرت حاجز العرقية المركزية ولم تكسرها أفعال فردية ، بقدر ما سبقها وعي .
وبالنسبة للمسيري - رحمه الله - فلهو أشد أثرا من كل من ذكرتهم لكن ليس بالضرورة أن يأتي في المسرح تحت فلاشات التصوير . بل المهم هو ما قام به وتسويق أفكاره تطبيقيا مع أحزاب مثل الوسط وكفاية بل وحركة حماس أيضا - الأخوانية - .
هذا من غير أثره على توجه إعلامي ضخم كالجزيرة مثلا .
فالفكر هو وقود الحركة والانفصال بين الفكر والحركة قد أتى إلينا من العقلية السطحية التي تجعل الحل كله في بعد واحد .
بل التحامهما وانسجامهما هو المحرك.
وأما الأمثلة المذكورة فقد تكون ذات قيمة وقتية ، لأن الناس تتحرك مع ألف شهيد في غزة خلال أشهر ثم ينطفئ الأمر والذي يبقى مجرد صرخت مضت مع صداها كذكرى لدمعة حارة ثم ينسى الناس.
لأن العمل لحظي وردة فعل وأنت هنا تؤسس لردة الفعل .
لكن أين العمل البنائي الجامع بين الفكر والحركة ( والجمع مقدم على الترجيح ) .
بالمناسبة كان فرعون يخاف من فكرة ( ولود نبي من بني إسرائيل - فكرة - في دين لا يؤمن به ) فكانت هي القائد لعمل استبدادي ظالم . وكانت بدايات الأنبياء - عليهم السلام - غالبا تأسيسية فكرية مرتبطة بالسلوك .
فالانفصال عارض لا أصل ، إنما الأصل الالتحام بين الفكرة والسلوك .
وطبت
فعلا المشاريع العملية هي أجدى ، وهذا عصر المشاريع الصغيرة .. والمناظل الحركي يأتيه من النزاع والشقاق أضعاف أضعاف ما يأتي المناضل الفكري من نزاع وشقاق . إنه يقع بين سندان حكومة شمولية ، ومطرقة شعب جلاد ..
أما المفكر والمثقف فإنه يقول مقولته ثم يذهب للعشاء ثم للاستمتاع بالجو ...
لكن التنظير وحلقات الفكر ، تحدث من الوعي الحدث الذي يحتاجه المناضل ، الوعي الجماهيري الجمعي . أما المنعزلون في كتبهم ومشاكلهم بعيدا عن مجتمعهم ، هؤلاء هم الذين يشكلون عبئا علينا .
لذا فهم ـ عمليا ـ في حاجه لبعضهم . الحركي يتمدد في الأفق ، والفكري يتمدد في العمق . ويعطي أحدهما للآخر مسارات ، وهكذا
كل ميسر لما خلق الله, وتكامل أصحاب الفكر مع أصحاب العمل هو أمر فطري وحتمي للبناء, ورفع الظلم وتحقيق المنافع .
الأمر يحتاج لتكامل في الرؤية وتعاون في الميدان, وأخلاقيات تحفظه وتهذب النفوس وتذيب الحواجز الوهمية بين فئات المجتمع ونخبه .
نحتاج لطاولة مستديرة نتحاور عليها, ونحتاج لأرضية مشتركة نبني فوقها مابين رؤية المنظر وساعد المؤطر, وإلا فالقاع لن نغادره والتشرذم في ازدياد والحالقة تحلق الدين والدنيا.
شكراً لك نواف .
يغلب إطلاق المفكر في أوساط الإسلاميين، وبالذات في الخليج، على (كاتب مقالة) له تاريخ حركي سابق، ويتميز بالجرأة الفجة حين يتعمد عدم الاكتراث بالإحالة على مصدر الفكرة لأن صناعة الهالة المعرفية تستدعي أن لا يعلن عن مصادره. والغالب أن يردد كثيرا عناوين كتب لم يقرأ أكثرها، ونتفا سطحية أشبه بالعناوين من فلسفات عبرت إليه في مقدمة كتاب للقارئ العام عن الفلسفة، لا عبر دراسة منجز فلسفي، واستيعابه وفهمه. وأحسن هؤلاء حظا من مكنته مرحلة الصحوة في التسعينات من امتلاك مؤسسة دعوية وجمع أتباع في زمن كان التمويل لمشاريع كهذه أيسر من شرب الماء والمحاسبة معدومة.
من يتخيل أن فكرة كالديموقراطية ذات تراكم نظري ممتد يمكن أن يوصف كتابها بأنهم مفكرون لأن الواحد منهم كتب مقالا هنا أو هناك ينقل بعضا مما يتداوله عامة الناس من أن الانتخاب خير وسيلة لانتقاء الأصلح، وأن صلاح السياسة في أن يحكم الناس من يختارونه لا من يستبد بهم عنوة؟!
في المقابل يظل الناشطون حقوقيا وسياسيا ندرة، خصوصا في دول الخليج الست على تفاوت بينها، وبعضهم أفراد يشكر لهم موقف هنا وآخر هناك، لكن الجو العام جو ركود غريب.


