نسخة للطباعة
اكتب رأيك
اخبر صديقك
اتصل بنا
قيم هذه المادّة:
5.00 من 5 (1 صوت)

اسمح لي أن أخالفك في 'كتب قد تهمك'
07-7-2010
د.عبدالوهاب آل مرعي
من الروايات ما لا تساوي الحبر الذي كتبت به, ولا الورق الذي كتبت عليه, وهذا النوع من الروايات لا يسهم في تحجيم العقل والذهن فحسب, ولكن ليس هذا حال كل الروايات, فمن الروايات ما هي أقدر على فعل المستحيلات داخل ذهن القارئ, وداخل وجدانه, وأقدر على بناء شخصيته وصفاته بطريقة تكاملية رائعة, بل إن من الروايات الناجحة ما هي نصوص قوية ذات أفكار ومعارف كثيرة, وهي تحفز ذهن القارئ وتشحذه بما لا تتمكن منه الفنون الأخرى حتى الفلسفية.

اطلعت على مقال ثري لكاتبة أخي الدكتور محمد الأحمري، وكان عنوانه: "كتب قد تهمك"، والمقال يحوي قراءة كبسولية مركزة للعديد من الكتب التي يوصي الدكتور محمد بقراءتها.

والفكرة في عرض مجموعة من الكتب المقترحة من قارئ متمرس هي في حد ذاتها مفيدة, خاصة عندما يقوم باختيارها قارئ نهم كالدكتور الأحمري, فهو يختار من بين عشرات الكتب التي يقرأها، آحادا من الكتب يرشحها لمتابعيه.

ولكن هناك عدد من الملاحظات التي يحسن إبداؤها حول المقال, وهي من ناحيتين:

الناحية الأولى: حول أبعاد وضوابط اختيار شخص ما كتبا لآخرين كي يقرأها.

الناحية الثانية: حول رأيه في الروايات من حيث هي نصوص رخوة لا ينصح بإدمانها.

1ـ من المهم في البدء، التفريق بين القراءة والتعلم, فهما أمران مختلفان, وهذا مدخل مهم يحتاج معرفته كل نهم للقراءة.

الحقيقة العلمية تؤكد: أنه "ليس بالضرورة أن كل قراءة توصل للتعلم المفيد, وفي المقابل ليس بالضرورة أن كل تعلم مفيد هو نتيجة القراءة".

إن علوما حديثة نشأت مؤخرا "علم نفس التعلم, العقل كيف يتعلم, الخ... "، تركز كثيرا على التعلم من منظور غير المنظور الدارج, فهي ترى أن من يتكئ على أريكته ويتصفح كتبا متعمقة في العلوم والفنون, فهو في الواقع لا يمارس تعلما صادقا حقيقيا, وإنما هو يقرأ, وتعلمه من القراءة تعلم نسبي منقوص.

وتعرض تلك العلوم طرقا أخرى للتعلم, وتوصي بها, وهي غير طريقة "القراءة للإطلاع"، أو "القراءة للدراسة", ولكنها تتجاوزها لتتحدث عن التعلم من خلال بناء الخبرات, وهذا عبر تفاعلها في نواح ثلاث: داخل الذهن من ناحية, وفي الوجدان من ناحية أخرى, ومن خلال التطبيق العملي لها من ناحية ثالثة, وتعتبر تلك العلوم كل تعلم لا تتكامل فيه الجوانب الثلاثة "الذهني, الوجداني, التطبيقي"، تعلما منقوصا.

ومن هنا، قفز مفهوم التعلم لدى تلك الأطروحات, من مفهوم جمع المعارف والإطلاع عليها, إلى مفهوم التدريب بمعناه الشامل, والذي أصبح يشمل معظم العلوم والفنون.

وتعتبر تلك الأطروحات طريق التعلم من خلال بناء الخبرات الطريق الأصوب للتعلم, وينظر للخبرة في هذا السياق على أنها القدر من التعلم الذي نتعلمه فلا ننساه أبدا, ويكون حاضرا معنا في كل وقت, ويمكننا أن نفيد منه, ونحلل الأمور من خلاله, ونبني عليه أحكامنا وتصوراتنا وآرائنا .

ومن خلال هذا المدخل، نعود للمقال ونتساءل عدة تساؤلات في إطار الكتب الموصى بها:

ـ ما قدراتنا الذهنية والعقلية وما استعداداتنا الكامنة لتعلم ما تحويه كتب يوصينا بها قارئ نهم؟

ـ ما العلوم الأنسب لنا لنتعلمها, وهل فيما يوصينا به مثقفون آخرون كتبا مناسبة لنا؟

ـ ماذا يجب أن نقرأ نحن, وفي أي سياق يجب أن نقرأه, وماذا نريد أن نكون في المستقبل؟.

ـ ما المجالات الأنسب لنا فيما نقرأ؟

ـ وكيف نتعلم تعلما حقيقيا مما نقرأه؟

ـ وكيف ومتى ومن نوصي بالتعلم أو بالقراءة؟

ـ ومتى وكيف نحصل على أكبر قدر من التعلم من كتاب أو مؤلف؟

ـ هل ما نفيده نحن من قراءه في كتاب معين أو مجال معين, قد يفيد منه الآخرون بقدر إفادتنا منها؟, أم أن إفادتهم منه قد تكون أكثر أم أقل؟, أم أن ما يعجبنا ونقترحه للآخرين قد يورث لهم الكثير من الكآبة والإحباط؟ وينفرهم من القراءة وربما ممن اختار لهم تلك الكتب؟.

وهنا يتبادر السؤال الكبير:

ـ هل فكرة التوصية العامة لجماهير القراء بقراءة كتب معينة هي فكرة صائبة ومفيدة, أم أنها قد لا تكون مناسبة إلا في سياقات محددة واضحة, ولأفراد محددين معروفين؟

في تصوري، إن من يصف كتبا معينة للقراءة بطريقة عامة كمن يصف دواء معينا لعامة المرضى، أو كمن يطرح توصيات نفسية معينة دون أن يفرق بين حالات الهوس وحالات الوسواس.

وفي تصوري، أن ثمة عددا من الإشكاليات قد تطرأ على ذهن قارئ النشرة التي أوصى بها الدكتور الأحمري, ومن الضروري لتجنب تلك الإشكاليات، أن يتم التمهيد للكتب المقترحة بمقدمة، يتم من خلالها تحديد الفئة العمرية والفكرية والثقافية التي تناسبهم تلك الكتب كي لا يقحم آخرون من غير المستهدفين أو ممن لا تناسب الكتب مستواهم, أتون قراءة ما يكبرهم فيصدمهم ويأخذون انطباعات سلبية عن الكتاب أو حتى عمن اختار الكتاب.

وبالتأكيد، فالدكتور كتب ما يراه مهما من الكتب حسب سياق معين، وهو السياق السياسي والفكري والثقافي وربما التاريخي, فيلزم النظر لقيمة تلك الكتب من خلال سياقها.

عذرا منك أبا عمرو، فهذا تخصصي.

أما الناحية الثانية، فهي تتطرق لرأي الدكتور الأحمري حول الروايات من حيث هي نصوص رخوة لا ينصح بإدمانها.

هنا لعلي أتوقف قليلا للتفتيش داخل السياق الذي طرحه الدكتور, كي نضع أيدينا على الأبعاد الحقيقية لفكرته, ولعله من المهم أن يتم تبيين المقصود من عدد من المصطلحات التي تم طرحها, مع التأكيد على أن طرح الأحمري كان حذرا، إذ أكد أنه لا ينصح "القارئ الجاد" وليست نصيحته للقارئ "غير الجاد"، ولكنه في نهاية الفقرة انقلب على رأيه وعرض الرواية بطريقة إيحائية, على أنها من النصوص الخطرة, حين قال "وأقل خطرا منها السيرة"!!.

ولعلي أعتبر الفقرة بمجملها فقرة ملغمة بكثير من الألغام, وفي النهاية يخرج القاري قسرا بتصور سلبي حول الرواية وينظر لها على أنها نوع من الكتب الأقل قيمة, وربما تعدا الكلام نحو من يكتب الروايات بأنه الشخص الذي يكتب النصوص الأقل قيمة والأكثر رخاوة.

ولا يمكننا أن نسبر الفكرة إلا بتفكيك المراد من كل مصطلح من المصطلحات المذكورة في الفقرة التالية حسب الدكتور الأحمري، حيث قال:

ـ "لا أنصح القارئ الجاد بإدمان الرواية إلا أن تكون مهنته كتابة الرواية، لأن الرواية نصوص رخوة قليلة الأفكار والمعلومات كثيرة الألفاظ، والنصوص الروائية الرخوة المنتشرة تضعف القدرة الذهنية، وأخف ضررا منها كتب السير والتاريخ ففيها معرفة وفيها متعة الرواية وأقرب للواقع".

وأطرح هنا عددا من التساؤلات حول مصطلحات يجدر تحديد دلالاتها كالتالي:

من هو القارئ الجاد؟

ما المقصود بإدمان الرواية؟

ما المقصود بأن يمتهن أحدهم كتابة الرواية؟

هل كتابة الرواية مهنة؟

ما هي النصوص الرخوة؟

ما المقصود بالأفكار والمعلومات؟

ما المقصود بكثرة الألفاظ؟

ما المقصود بإضعاف القدرة الذهنية؟

كيف للنصوص الرخوة أن تضعف القدرة الذهنية؟

ومع احترامي الكبير للدكتور الأحمري، إلا أني هنا أخالفه تماما في إصداره هذا الحكم المعمم على الروايات, إن الرواية علم وفن وإبداع, وهي شيء شامل يعبر بالضرورة عن تجارب المبدعين أنفسهم وعن خبراتهم وعما يتناولونه من موضوعات اجتماعية أو سياسية أو فلسفية, ومن الخطأ إصدار حكم عام عنها.

فالروايات ليست شيئا واحدا, يصلح أن نطلق عليها حكما واحدا, كما أن كتب علم الفقه ليس شيئا واحدا يصلح أن نطلق عليه حكما واحدا, وكما هو الحال في كتب علم التفسير وعلم التاريخ وعلم السياسة, فكل منها ليس شيئا واحدا, فمن الممكن أن تجد كتابا يكتبون في الفقه ويتناولون قضايا فرعية ويناقشونها من خلالها تصورات كليات مغلوطة, ويطرحونها على أنها جزئيات, ومن الممكن أن تكون نصوصهم رخوة قليلة الفائدة بعيدة عن الاستدلال العلمي, وهذا لا يتحقق في جميع كتب الفقه, ومن الخطأ تعميم الحكم على الجميع, وكذا كتب السياسة والتاريخ والسير, قد تجد فيها كتبا كتبت بطريقة غبية فجة, وهي تحلل الأمور من منظورات غير علمية ولا عملية, وهذا لا يتحقق في جميع كتب السياسة ومن الخطأ تعميم الحكم على الجميع.

والرواية هي كذلك, فمن الروايات ما لا تساوي الحبر الذي كتبت به, ولا الورق الذي كتبت عليه, وهذا النوع من الروايات لا يسهم في تحجيم العقل والذهن فحسب, بل إن خطرها على العقول وخاصة الناشئة كبير جدا, وقدراتها على تدمير التفكير والمنطق وحتى الأخلاق, أشبه بقدرة الأفيون على تدمير الإنسان, ولكن ليس هذا حال كل الروايات, فمن الروايات ما هي أقدر على فعل المستحيلات داخل ذهن القارئ, وداخل وجدانه, وأقدر على بناء شخصيته وصفاته بطريقة تكاملية رائعة, بل إن من الروايات الناجحة ما هي نصوص قوية ذات أفكار ومعارف كثيرة, وهي تحفز ذهن القارئ وتشحذه بما لا تتمكن منه الفنون الأخرى حتى الفلسفية.

وأبعد من ذلك, فإن الروايات المبنية وفق فلسفات كبرى ولها أهداف إستراتيجية عليا, ومكتوبة من قبل مفكرين كبار, هي أكثر قدرة حتى على تغيير المجتمعات وصناعة الثورات وابتداع انقلابات على مستوى الشعوب وعلى مستوى الأمم, أقدر من العلوم الأخرى.

وقد تطور مفهوم الرواية, وتطور النظر إليها, فلم تعد هي صاحبة الصورة النمطية: "نصوص رخوة، قليلة الأفكار والمعلومات، كثيرة الألفاظ، تضعف القدرة الذهنية"، بل تعدتها لتكون ماكينة فاعلة على مستوى السياسات والاقتصاد, ومن خلالها ترسم الاستراتيجيات والتنبؤات, بل إن الرواية العلمية فن مذهل كان له الفضل في تدشين الكثير من المعارف والاختراعات, ولو قفزنا أكثر من ذلك وقلنا:

ـ "أي مدينة في العالم هي المدينة الأكثر تأثيرا على ثقافة وتفكيره"، لما تلكأ أحد في أن يشير بيده نحو هوليود, مدينة الأفلام, وما هي الأفلام سوى روايات يتم إنتاجها من جديد.

إن ما ننتظره من الكتاب الروائيين الكثير وعلينا فقط أن ندعمهم, وأن نوجههم وأن نؤمن بما لديهم, وأن نقنع القراء بأن الرواية فن مرتفع ذا قيمة وليس فنا ضعيفا ساذجا.



جميل جداً | عبدالمجيد يقول...
رائع , قرأت مقالة استاذي الأحمري ولفتت انتباهي هذه النقطة وتعقيب استاذ عبدالوهاب كان قيماً وفي محله وخصوصاً في التفريق بين القراءة والتعلم

جميل تحياتي لكما .


اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)

أكتب الرموز الظاهرة في الصورة (ضروري)




تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو