للأعراض قيمة عظيمة في حياة العرب، فهذه ليلى بنت لكيز زوّجت قسرا في الجاهلية من ملك فارس، ولما وصلت راودها الملك الفارسي، فأبت عليه حتى أن يرى وجهها مستميتة لحفظ كرامتها، فبقي لا يرى إلا قوامها، وأرسلت هذه الأبيات تصف حالها وتستنجد بأخيها أو ابن عمها برّاق:
ليت للبرّاق عيناً فترى
ما ألاقي من عناء وبكا *
عُذّبت أختكم يا ويلكم
بعذاب النُكر صبحاً ومسا
غللَّوني، قيَّدوني ضربوا
موضع العفة مني بالعصا
طارت الأبيات على الألسنة، وسمع الجاهليون الخبر، فهبوا وأنقذوها من آسرها وتعلم الحمقى حق الأسيرة.
ثم عرّى وقحاء من يهود بني قينقاع امرأة مسلمة في سوقهم، فأدبهم رسول الله وأصحابه أدبا لا ينسونه، وتعلم الخونة حق الأقلية الضعيفة في بلادهم.
ثم صرخت أخرى في عمورية، فلم ترسل رسائل استنكار وفتحها الأحرار وأنقذوا المسلمات فيها إلى اليوم، فكان:
العز والمجد في الهندية القضب
لا في الرسائل والتنميق للخطب
ثم تساقطت الهمم فتغلب الأشرار وأبادوا كما أرادوا، وفي زماننا سيسجل التاريخ لنا أننا عاصرنا مذابح المسلمين في البوسنة في مقر الأمم المتحدة، التي تحتلنا وتبيدنا وتسرقنا بقرارات الفصل السابع، ولا تحمينا حتى في مقراتها، وسنذكر قتل مروة الشربيني الحامل وقد طعنت في المحكمة، فنهض الشرطة لا لينقذوها بل ليهاجموا زوجها الذي حاول أن يحميها! ثم أرادت الحكومة الألمانية التستر على الحادثة، ولكن القصة جاوزت إمكان سترها، وسترون قاتلها قريبا يخطو حرا من سجنه كأن لم يفعل شيئا، لأننا لا ننطق.
ودونكم فرنسا اليوم، يجتاحها هوس كاثوليكي وعنصري أعمى، فالحكومة الفرنسية تطارد التلميذات من المدارس، وتهان المسلمات في الشارع، فمحامية متطرفة تخلع بالقوة حجاب المسلمة في الشارع فأي أنموذج للحرية والتقدمية.
غير أننا هنا نشهد أن فرنسا قد قطعت مشوارا طويلا في تقدمها نحو الإنسانية، وهذه بقايا من وحشيتها الدينية والعنصرية، وبقية الحقد هذه هي التي تنهش أحشاءها، طبعا تحت ستار العلمانية وحق المرأة، فوزيرة العدل بدت مضحكة فجة وهي تبرر حقدهم على المسلمات بحجج سخيفة "حقوق المرأة".
غير أني لما أستذكر وجه فرنسا الإرهابي الموحش في حروبها الدائمة وحقدها الطويل على المسلمين في المستعمرات، أرى في يومها الحاضر اعتدالا عما سبق، وبما أننا نحن المسلمين متهمون بالعنف والكراهية لمجرد تذكر تاريخهم المظلم معنا والذي فعلوه وسجلوه في بلادنا، فإني أحيلكم على الكتابات التي كتبها الطبيب المارتنيكي "فرانز فانون"، الذي لم يكن مسلما وما كتبه عن وحشية العلمانية الكاثوليكية الحاقدة الفرنسية على مسلمي الجزائر، فقد كفانا بما سجله شاهد عيان عندما كان يعالج الجزائريين وسجل بعض ذلك في كتابه الشهير "معذبو الأرض" وفي نصوص أخرى له.
ومن قبل "فانون"، صور مرعبة للإرهاب الفرنسي فقد طارد الجيش الفرنسي عددا من الجزائريين الهاربين إلى أحد الكهوف، ممن لا حول لهم ولا قوة، ولما لم يستطع الفرنسيون دخول الكهف عليهم، جمع الفرنسيون التقدميون الحطب وأوقدوا النار على الجزائريين، رجالا وأطفالا وشيوخا ونساء، فماتوا بالاختناق أو الاحتراق، وروعت أخبار الحادثة مشاعر بقية البشر، فأرسلوا محققين ـ على عادة خداع عدالة المحتلين يبيدون مليونا ثم يحققون في حادثة قتل واحدة منها ـ وكانت نتيجة التحقيق أن اعترفوا بثمانمائة وخمسين محرقا جزائريا ونفوا ما زاد عن ذلك!
وتقرأ من وحشية الفرنسيين تجاه الجزائريين وكراهيتهم للحي والميت، حتى إنهم كانوا يجمعون عظام المسلمين من مقابرهم لتوقد بها السفن الفرنسية، ولم تفكر فرنسا في تعويض الجزائر عن مائة وخمسين عاما من الإبادة والسرقة والإرهاب الديني والتجهيل؛ لما خرجت من الجزائر كان عدد من يجيد القراءة والكتابة أقل من عددهم لما غزت، وكانت فرنسا مدينة للجزائر بثمن القمح قبل غزوها، ولما خرجت كانت الجزائر جائعة جاهلة وفي كل بيت عزاء أو إعاقة بعد مليون شهيد!
هدموا كل مظاهر الحياة، ولما سافروا لحقهم الجزائريون يبحثون عن حياة لدى مصدري الموت لهم، ثم عادت فرنسا بعد ثلاثين عاما عبر ضباط جيشها السابقين، فاحتلت الجزائر وعاقبت وقتلت مائتي ألف جزائري لأنهم صوتوا للإنقاذ. واليوم تمتص نفطها وسيادتها وتلحقها بها رغبة ورهبة وبسبب ما زرعته من أمية وخوف وتبعية وفقدانا للثقة بالنفس.
ففرنسا المتعصبة جدا إلى حد إرهاب المسلمين حيثما وجدوا، منحت الصهاينة السلاح النووي، وتمتص دماء الخليجيين وأقامت، وقد عاد ساركوزي العام الماضي من رحلة ثلاثة أيام في الخليج بغنيمة أو جزية مقدارها ستون مليار دولار (40 مليار يورو) وقاعدة في أبو ظبي، مما جعلها وصية على دينهم وأخلاقهم وملابسهم، تفعل كل هذه المطاردات والإهانات، لأن مسلمات فرنسا ليس لهن من رجال من خلفهن يهددون بإرسال خطاب استنكار ولو رياء، فضلا عن تهديد بايقاف ضروب الاحتلال و الابتزاز السياسي والمالي، وحق لإحداهن أن تقول:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي *** بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد *** ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
لست مؤيدا للالتزام بالبرقع لما يسبب لبسه للمسلمات من معاناة في مواجهة إرهاب كاثوليكي حاقد عليهن يحمل أثقال التاريخ العدائي، ويستعيد صياغته في تأويل علماني عنصري فج.
وعندما تقلّب صفحات التاريخ المرعب إلى التسعينيات، سترى أن الإرهاب والأحقاد المسيحية والعنصرية الفرنسية قد خفت عما قبل، فهل نطلب من الضحايا أن يوجهوا برقيات الشكر للعلمانية الدينية الفرنسية المتعصبة إذ لم تحرق لابسات البرقع واكتفت بحرمانهن من الحقوق المدنية، واكتفت المحامية الفرنسية بتمزيق برقع مسلمة في الشارع، ولم تطعنها حتى الموت لتحمي حقوق النساء!
لكم نكره مثيري الفتن والمحرضين ومشعلي الأحقاد المتسترين وراء أغلفة المدنية والعلمانية وحقوق المرأة، إنهم يطاردون المسلمات الصغيرات، بل يحرمون الأطفال من الدراسة بحجة خرقة على رأس طفلة، ويخلعون بهمجية النقاب في الشارع، ولكن حجاب الراهبات عندهم مقدس وحجاب طفلة مدنس، تطرد بسببه من المدارس ومن المؤسسات الحكومية، ومتى شوهته الحكومة تعليميا ورسميا كرهه الناس، وهذا عدوان ديني وتمييز عنصري. مع أنهم وآخرين من قبيلهم، كانوا ينشرون عاهرات وممرضات بالإيدز يقتلن به أطفال ليبيا، ثم اهتز عالمهم لنصرة المجرمات حتى عدن من غزوهن منتصرات!
تفسيرهم أعوج لحقوق المرأة، فالتي صانت عرضها أو غطت شعرها، يرونها محاربة لحقوق المرأة، أما التي تباع في سوق العاهرات الفرنسيات أو المأسورات من المهاجرات في شبكات بيع الأجساد التي تملأ شوارع باريس الواحدة، ببضعة فرنكات، فلا يرون في هذا امتهانا ولا احتقارا للمرأة، فتأجير جسدها، كما تؤجر دورات المياه العامة، رفع وصيانة لحقوق المرأة!
لقد تحسن سلوك الفرنسيين، فاشكروهم أن اكتفوا بطرد المسلمات من المدارس ومن الشوارع، واكتفوا بالتهييج وبالتشويه والاحتقار لمليار ونصف مليار مسلم حول العالم.
إنهم يبنون ثقافة حقد وكراهية، ويستعينون بالدين والعلمانية لتهييج الحرب الإسلامية المسيحية الموقدة، وإن واجب العقلاء التخفيف من هذا العداء، وعفوا، لكن ليس في المليار من برّاق ولا عين ترى ما تلاقين من عذاب القهر صبحا ومساء.
* حذفت الهمزة مراعاة للقافية
رسالة الى الاعلامي عايض القرني عن مقالته البتراء في مدح فرنسا ... شكرا اباعمرو
أعجبتني هذه العبارة التي تكشف مدى خداعهم (على عادة خداع عدالة المحتلين يبيدون مليونا ثم يحققون في حادثة قتل واحدة منها) . وأضف إليها أستاذي العزيز (ما حدث قتل الآلاف واحتلال البلاد ومحاربة القيم ونهب الثروات وكل ذلك باسم محاربة صدام وبن لادن فقط ومنا من يساعدهم في مهمتهم القذرة مع الأسف) . كتاباتك تدل على عمق وعيك لا كما يريد أن يصفك البعض بأنك منبهر بالغربيين ، وفقك الله . ولكن يبقى الحل وهو في نظري في الهجرة إلى بلد يهتم بشئون المسلمين ولعل الله ييسر لهم ذلك البلد
وباسم محاصرة حماس يحاصرون شعب غزة ونحن ننظر (بل بعضنا يشارك) ولا شك أن فك الحصار (دون أن نستفتي أحدا) ومساعدة الجوعى والمرضى فرض كفاية ، نأثم جميعا إذا لم يقم به بعضنا فهل قامت تركيا ببعض الدور وأسقطت بعض الإثم ، نرجو ذلك ، ونستغفر الله عن تقصيرنا في الفعل (أما القول العام الفضفاض فكثير)
لقد حقت الهجرة على من يسكن فرنسا من المسلمين وسيبدلهم الله خيراً.. وستموت فرنسا .. لأنها باختصار .. تعتمد على المسلمين .. أغلب الطبقة العاملة هي من المسلمين الذين انتهكت حقوقهم .. فلنناشدهم بالهجرة .. وسيتدأب الفرنسيون وأذيالهم ..
طبعا الدول العربية مرغمة باستقبالهم .. ولن تستقبلهم فلذلك ستطلب من فرنسا ( بعد أن ترشيها ) ان توقف هذه المشكلة ..
بارك الله فيك وفي قلمك وجعله خالصا لوجهه الكريم
أرسلت نسخة إلى حكام العرب لعل الجيوش تتحرك غداً أو بعد غد، أذا لم نطالب بحقوقنا الأساسية ونتحرك فلن يطالب بها أحد، أذا لا زلنا محكومين و تابعين لحكام لايمثلون صفر بالمئة من توجهاتنا فلن نفلح.
شكراً أبا عمرو و لك الأجر ان تبين للناس ولا تكتم العلم كما فعل كثير من العلماء اليوم
بورك قلمك يا استاذنا
ما استأسدوا الى على من يستحق ان يستأسد عليه
نحن من يجر هذا
الف مليون مسلم لو صرخنا ارعد الفضاء وزمجر
بورك قلمك يا استاذنا
ما استأسدوا الى على من يستحق ان يستأسد عليه
نحن من يجر هذا
الف مليون مسلم لو صرخنا ارعد الفضاء وزمجر
هل تتوقعون يأتينا المحمود أو البليهي يقلون نظرتك جزئية ماضوية تنظر للتاريخ ولا تستشرف المستقبل !!
أبا عمرو هذه أطماعهم وهذه أخلاقهم لكن ما بال مثقفينا لا يرون إلا الحسن في وجه جلاديهم هل هي لذة العبودية أما أم حول فكري
أبا عمرو بارك الله في قلمك فلا تتأخر علينا بمثل هذه الروائع
جزاك الله خير يا دكتور محمد ,فكم من الشعب عندنا برّاق , ولكن في أهل الحل والعقد لا يوجد عندنا حتى لكيز.
كم نحن بحاجة إلى مقالات بهذا الوعي وهذا النفس الإسلامي الحر, دكتور محمداستمر على هذا النفس الإسلامي وهذا الحماس المضبوط بوعيك واطلاعك, وصدقني .. من خلفك من يقرأ لك ويتأثر بك, ويلهج لسانه بالدعوات لك
أعلم أنك لست بحاجة إلى كلمات التشجيع والثناء, ولكن هذا ما وجدته في نفسي حين أكملت المقالة!
وحينما أتيت على ذكر ساركوزي وزيارته للخليج اقشعر الجسد, وطار الفكر بعيداً ونأى بي الألم
لك الشكر كله على مقالة بهذا الحجم, والشكر لا يفيك
تحياتي ..
ما قامت به فرنسا اكبر انواع التعدي على حقوق المرأه . فلست ادري هل لدينا حبالٌ صوتيته؟ ام هل في اقلامنا حبر ؟ ام هل لدى الطرف الاخر اذان او اعين ؟ اذا كانت حقوق المرأة ان تلبس ماتشاء فاعتقد انها المسلمات في فرنسا قد فعلن.
اشكرك يادكتور محمد على هذه المقاله الرائعه. واتمنى ان تكون لنا اصوات مسموعه وان نأخذ حقوقنا وحرياتنا كغيرنا.
الأخ الكريم أبو عمرو
اسأل الله العظيم ، رب العرش العظيم ، في هذا اليوم العظيم أن يحرم وجهك على النار
آمين
ما شاء الله، سلمتَ وطبتَ أبا عمرو، وجعل هذا المداد نوراً لك في الحياة وبعد الممات.
مازال الصليبيون يثبتون أنهم لم يتخلوا عنه رغم الإدعائات وحتى بعد الثورة الصناعية والله المستعان
فلنطالب بموقف رسمي (من الدول الإسلامية) وشعبي (عبر المشايخ والمنظمات كمنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها) يساند الموقف التركي العادل في فك الحصار الظالم ، ولنتضامن مع المناصرين للحق ، ولنتذكر حلف الفضول في الجاهلية ، ولا يقتصر تذكرنا له على محاربة الإرهاب فقط ! انشروا هذه المرة من أجل أهلنا في غزة وإبراء للذمة
ينبغي القنوت لأن هذه مصيبة نسأل الله أن يرفعها وينجي إخواننا المسلمين ممن حوصر وممن يريد فك الحصار والقنوت علانية يشعرنا بالأخوة والمحبة والتي ضعفت لانشغالنا بالجدل والمماحكات


