نسخة للطباعة
اكتب رأيك
اخبر صديقك
اتصل بنا
قيم هذه المادّة:
5.00 من 5 (1 صوت)

انفراد العصر: ملخص آخر إصدارات المفكر محمد الأحمري.. 'نبت الأرض وابن السماء .. الحرية والفن عند علي عزت بيجوفتش' 4/2
13-3-2010
حاله ينبئ عن عقل هادئ متفرد، يحب بعمق كبير، ويقرأ ويتأمل، ويعمل بجد، وبعاطفة حية لاهبة، ونستغرب هذه الأبعاد المتعددة في شخصه، مع برودة عقله وقوة عاطفته، وحياته الروحانية الدينية الغنية ووعيه الكبير، وإدراكه الواسع للآداب والفنون وصلابته في الحرب، حتى لتكاد أن تقول هو رجل المتناقضات، ولكنك بعد أن تستوعب طاقاته المتعددة، ومساهماته الفكرية والخلقية والروحية والجهادية، وبعد أن تسير معه في دروب حياته المتنوعة التي يشق على الفرد أن يسلك بعض تلك المسالك، فضلا عن بلوغه الغايات البعيدة في عدد منها، فإنك بعد معرفته تستطيع أن تجد له صورة متكاملة متناسقة، وتعلم أنه منسجم جدا، ومتزن جدا، وصاحب رؤية وغاية وأمل وعمل، لم يتأخر أحدهما عن الآخر..

العصر: تنفرد (العصر) بنشر ملخص القسم الأول من كتاب "نبت الأرض وابن السماء: الحرية والفن عند علي عزت بيجوفتش"، لمؤلفه المفكر الموسوعي الدكتور محمد حامد الأحمري، الذي قدم أغلبه كمحاضرة، وقد اهتم هذا القسم بمفهوم الحرية وظروفها عنده، والقسم الثاني كان دراسة عن الفن عنده، وقد صدر عن مكتبة العبيكان في 127 صفحة. 1431هـ 2010م، والكتاب بحث في الحرية والفن، كما يرى الإنسان بيجوفتش ملخصا في عنصر ترابي مادي أو أرضي، فهو نبت الأرض، وتلك الروح السماوية المتعالية المتطلعة للسماء.

* لماذا الحرية عند علي عزت؟

لأنها كما يقول روسو "الحرية أشرف خصائص الإنسان". ولأنه: "لا يوجد إنسان لم يمتلك الحد الأدنى من الحرية". وبها تميز عن الحيوانات والجماد، وللإنسان أن يحتفل بمميزة عظمى له، يرتفع بها عما يشاهد من حوله، ويمجد دور واحد من رجال الحرية فكرا وعملا، قاد قومه نحو الحرية، وسجل نصوصا لها هي من أجمل ما جمع جامع ونقد ناقد في الفكر الأدبي السياسي الحديث. نمط الحرية عنده نمط فريد، ونمط شامل، وتأهيله لخوض غمارها كان أكبر تأهيلا:

فهو من الأقلية المسلمة بين أكثرية مسيحية. وهو من ممثلي القومية المسلمة ـ وإن كان أصله من بلجراد ـ بين قوميات متنازعة (مع وجود جدل في حقيقة المسألة العرقية، والغالب أن السكان من عرق واحد، ولكن الحصاد الواقعي العملي يجعلنا نعتبر الخلاف المعلن بين الأعراق صناعة دينية، بحثت عن تفسير تقبله تلك الثقافة العنصرية، مع وجود بعض الملابسات في تصنيف القوميات زمن حكم "تيتو" سبب بعض المشكلات لاحقا.

وهو مسلم تحت جبروت الحزب الشيوعي، تحرر من مسلماته الفكرية، ومن استسلامه لحتمية التاريخ، وأنكر وجود قوانين للتاريخ، ولما عادت تلك المسلمات بقواعد دينية مسيحية، أو قوالب عالمية في "صراع الحضارات" أنكرها أيضا، لأنه يؤمن أن التاريخ على الأقل ـ بمقدار ـ مجال من مجالات الحرية البشرية، ولهذا فإن مساره لا يمكن التنبؤ به". والسبب عنده "..لأن الناس في الأحداث التاريخية لا تحركهم المصالح فقط وإنما المثل، ولهذا لا يمكن التنبؤ به، لأن الروح تتدخل في الأحداث التاريخية، فالإنسان يندفع بالآلام وبالمصالح، ولكنه ليس عبدا لها".

وهو منفتح التفكير والثقافة بين المسلمين الملتزمين بالتقليد؛ فما إن تزحزحوا قليلا من تقليد الفرق والمذاهب والتقاليد والعادات البائدة قليلا إلا ليقعوا في تقليد ثقافات غيرهم الغالبة عليهم عسكريا. ومواجهته لذلك الركود عمل تحرير مشهود.

وهو يبحث عن خط جديد للثقافة الإسلامية، التي يؤمن بها روحيا، وعقليا فقد هدته ثقافته غير الإسلامية والإسلامية إلى أن الإسلام هو الطريق الوسطي السوي بين "الروحانية المسيحية "التي شوهتها ثقافة الإمبراطورية الرومانية المنهارة، والمادية الأوربية بأحزابها وفلاسفتها وفنونها المادية، وبين روحانية وتصوف وسلبية روحية وسياسية غزت الثقافة الإسلامية، وأضعفت تميزها..

ولذا كان حاسما في نقد ثقافة المسلمين، ونقد روحانية الغزالي "الوافدة" على المسلمين في تقديره، روحانية ساهمت في صناعة قرون من الظلام للعالم الإسلامي مشابهة للعصور المظلمة في أوربا؛ ففي ملاحظة يسوقها غابرييلي على بعض الروحانيات المسيحية في كتاباته، أن المتعصبين أحرقوا علناً في ساحة طليطلة كتاب: "إحياء علوم الدين" للغزالي، لأنه لم يكن يعبر عن الإسلام كما يجب، ثم يسوق ملاحظة لغابرييلي ويؤيدها: "فقد كانت أعمال الغزالي غذاء روحيا للمسلمين خلال القرون السبعة اللاحقة. وبرأيي فإن هذا الغذاء حرف العالم الإسلامي عن القضايا الواقعية-الاجتماعية، وحتى عن العلم، وصنع من القرون اللاحقة إسلام (القرون الوسطى)".

كما يشير إلى خطورة الثقافة البعيدة عن الكون القريبة من مزاج البراهمة، حيث يرون المعرفة رؤية إلى الداخل، بينما نصوص القرآن تخرج الإنسان للنظر في الكون، فآل تعليمنا [إلى] غياب عن العالم، وإلى قبوع في أعطاف الكتب، واستسلام لما حفظه المعلمون دون دراية ولا تجربة للحياة، مصادمين لهدي القرآن، في السير في الأرض ومعرفة العالم الحسي، أما الغرب فينقل عن أحد مربيهم هذا الفرق، بين ما حل بتعليمنا وما غيرنا عليه؛ الطالب في بلاد غيرنا يتجه للكون أكثر: "إنه النظر ومشاهدة الطبيعة والمجتمع والناس... الاهتمام بالعالم الخارجي"، ويرى أن التعليم الصادق يحرر الناس، فبين التعليم والعبودية تناسب عكسي، ولكن أي تعليم؟ إنه التعليم الذي لا يعتمد التلقين، بل الفهم، وممارسة المعرفة الكونية الحرة من قيود التقليد.

وهو صاحب رؤية وتوجه للخلاص من هيمنة نظام عالمي قديم، إلى عالم جديد، وليس العالم الغربي المعادي للمسلمين، ولا عالم الشرق الإسلامي الذي بدأ يتلذذ العبودية للغرب، ويطمح باستحياء للاستقلال، وقد لا يستطيع ـ بسهولة ـ وضع رؤية للخروج، وإن رآها فإنه لا يجرؤ على القول بها.

وهو مناضل جبار ضد الشر، ولنقرأ له هذا المقطع: "عندما تعايش كل شيء وتحتمله، وعندما تنهض ثانية بعد مئات الكبوات، عندما ترفض الآمال الكاذبة والمواساة، وتضغط على أسنانك، لكي ترى الحقيقة بشكل واضح، وبعيونك، عندما تفهم بأن المعنى الوحيد للحياة هو في النضال ضد الشر. وفي هذا النضال يمكن عمل القليل، ولكنه الشيء الوحيد الذي بمقدورنا. خارجها هو السقوط الأبدي. إنه النضال والنهوض لهدف صحيح هو ما يصنع لنا حياة خارج أجسادنا وأنانيتنا، ويعطينا قيمة وأثرا في هذا العالم.

حاله ينبئ عن عقل هادئ متفرد، يحب بعمق كبير، ويقرأ ويتأمل، ويعمل بجد، وبعاطفة حية لاهبة، ونستغرب هذه الأبعاد المتعددة في شخصه، مع برودة عقله وقوة عاطفته، وحياته الروحانية الدينية الغنية ووعيه الكبير، وإدراكه الواسع للآداب والفنون وصلابته في الحرب، حتى لتكاد أن تقول هو رجل المتناقضات، ولكنك بعد أن تستوعب طاقاته المتعددة، ومساهماته الفكرية والخلقية والروحية والجهادية، وبعد أن تسير معه في دروب حياته المتنوعة التي يشق على الفرد أن يسلك بعض تلك المسالك، فضلا عن بلوغه الغايات البعيدة في عدد منها، فإنك بعد معرفته تستطيع أن تجد له صورة متكاملة متناسقة، وتعلم أنه منسجم جدا، ومتزن جدا، وصاحب رؤية وغاية وأمل وعمل، لم يتأخر أحدهما عن الآخر.

تنتهي من دراسته وقد عرفت أنه قادر على أن يبصر الطريق وأن يهدي المجاهدين والمناصرين وأن يقول من هنا الطريق، وأنا أمامكم بالنور أحمله، وبالنفس أضحي بها، وبطمأنينة القلب وحسن التقدير، والشفافية، ورقي العلاقات واتساعها. وأنت تقرأ سيرته وترى فكره فتتذكر:

ومن كملت فيه النهى لا يسره *** نعيم ولا يرتاع للحدثان

لم يدرس دراسة منهجية في جامعة إسلامية، وكان محبا للمعرفة الإسلامية، فنجى من التعليم التلقيني، إذ التعليم التلقيني عدو للحرية، بحكم صياغته وروايته والعقل الذي قد يلتزم بالرواية ويجافي الفهم، ولا أقول الدراية، لأن الدراية بحسب ما آلت إليه لدى كثير من معاصرينا أصبحت رواية لدراية السابقين، مع استقالة عقول المعاصرين. وكان ابن هندو يقول: "إن من الناس من يغلب دينه عقله، ومنهم من يغلب عقله دينه، ومنهم من يتم له ذلك كله، ومنهم من يخلو من ذاك كله." ولعل عليّ كان ممن تم له ذلك كله.

تحرر من أفكار المسلمين في الماضي والحاضر، فهو مع الغزالي منتقدا عليه موقفه الروحاني، ومع محمد أسد ينتقده في تشدده ضد فساد الغرب، ويقول: "أنا شخصيا أعتقد أن طبقة رقيقة من المجتمع الغربي فاسدة ومتحللة، وأن الغالبية العظمى من الناس العاديين يدرسون ويعملون بجد، ويعيشون من أجل أسرهم. إن الغرب قوي، والمجتمع الفاسد لا يمكن أن يكون قويا". ثم يكتب ملاحظة عميقة على أفكار ذوي الطموح في مجتمع مثالي، يقول فيها: "ليس غايتنا الإنسان المثالي، فضلا عن المجتمع المثالي نرغب فقط بأناس ومجتمع عاديين، وليحمنا الله من بعض الكمال". فقد كان يدرك الحدود التي تسمح بها أوروبا من الإسلام، ويدرك أيضا أن خيالات بعض المسلمين في نشدان الكمال قد تزيد عن الإمكان، بل عن الإسلام نفسه.

وتحرره من التعصب الأعمى لشيء، حتى لبلاده؛ فهو مواطن صادق يقول: "إنني أحب يوغسلافيا ولكن ليس حكومتها". ولم يكن أنانيا نرجسيا يسلط الأضواء على ذاته، بالرغم من مؤهلاته الذاتية للشهرة؛ كان كثير من الصحفيين والمثقفين يهتمون بأن يتحدثوا عنه، ولكنه كان يصر على صرف الحديث إلى مشكلات البوسنة، ويقول: "لا أحب الحديث عن علي عزت ولكن أود الحديث عن البوسنة ومستقبلها".

ومن حريته تحوله عندما تكون الحرية في التحول، في الآراء أو المواقف، ويشرح ذلك: "في بعض الحالات يبدو لنا الجانح كرجل حر، والرجل الأخلاقي عبدا للقوانين. وفي هذا الاختيار يكون إعجابنا التلقائي هو إلى جانب الرجل الحر. يمكن أن تشفق على العبد، ولكن لا أحد يرغب في أن يتماثل معه".

ومن حريته تعدد اهتماماته، بالناس، وبالدين، وبالسياسة، وبالعائلة، وبالفن وبالتاريخ، وبالفلسفة، وبالفلك، وحتى بملامح الوجوه وأصول الأعراق؛ كما يحدثنا عندما يتفحص وجه شخص مثلا في سيرته الذاتية أكثر من أنموذج، وهذا الاتساع في الاهتمام تحرر من ضيق الأفق، ومن ضيق العمر وصغر الحياة؛ ويحسن أن ننقل هنا نصا معبرا عن أثر تعدد الاهتمامات في سعادة الإنسان ورضاه؛ يقول برتراند راسل: "لا يمكن أن يصل الإنسان إلى الرضا إذا ما اهتم بعنصر واحد من عناصر الطبيعة البشرية على حساب كل العناصر الأخرى، ولا في النظر إلى العالم كمادة خام لعظمة الذات".

وبهذا تخلص من الأنانية القاتلة؛ "فالانغماس في الذات لا يؤدي إلى أي نشاط تقدمي". ونجد كما أشار كثيرون إلى أن السعادة والتأثير مرتبطان بالخلوص من قيود الذات إلى الاهتمام بالآخرين ومشكلاتهم، وإلى اتساع رؤية الإنسان واهتماماته، وهناك علاقة وثيقة بين الهمّ العام والجد فيه وقدرة الإنسان على الإنجاز، وتتضاعف جهوده وآثاره، برغم وقته القصير، ولهذا فإن الإنسان المشغول هو الأكثر فائدة وأثرا، والفارغ أقل، بل معدوم التأثير، ويقولون ابحث لعملك عن مشغول ينجزه!! أما إذا فرغ الإنسان فقد قل عمله وربما قلّ أثره.

ويدرك تنوع معنى الحرية بحسب حال من يطالب بها: عندما علم الكاتب المسرحي هنريك أبسن بتحرير روما لم يكن مسرورا بشكل خاص، وقال إنها رغبة جميلة لن تتكرر باتجاه الحرية.. وعليّ أن أعترف، لأن النضال من أجل الحرية هو الشيء الوحيد الذي يعجبني من الحرية، استعمال الحرية لا يهمني".. ثم يعقب عليه علي عزت ويقول: "هكذا يفكر الإنسان الذي يعيش في الحرية، ولا أعرف إذا كان: (إبسن) سيفكر بالحرية لو أنه في مثل ظروفي [في السجن]".

وكان صادقا ملتزما بما يطرح من أفكار ومن شعارات، لا يقبل أن يقول شيئا ويسلك سواه، وهذه غاية في الاستقامة، والوفاء لمبادئه، ـ وإن شق الالتزام بها ـ، قد لا تليق بمفهوم رجل السياسة، فقد حرص على حرية الصحافة في الوقت الذي كانت تضر ببلاده، وقد طالبه القادة العسكريون أثناء الحرب بإنهاء حرية الإعلام ولكنه أبى، فلما تحدث أحد المسؤولين لتلفاز أجنبي وقال ليس في سراييفوا ما يكفي من الطعام لبضعة أيام، لامه القادة على السماح بحرية الإعلام بمقابلة الناس، وكشف ضعف المدينة للمحاصرين، ولكنه أصر على أن الحرية خير لنا. كما انه التزم قبل كل المواجهات ألا ينتقم من الشيوعيين في البوسنة، واختلف مع زملائه، وأصر على موقفه مع بعض من وافقه.

وأكد أن موقفه ليس فقط موقف مبدأ ولكنه أيضا موقف إنتاجيا، فالمنع والحظر والقوة لا تنتج شيئا عندما نريد إقناع الناس، ويوسّع مفهوم الآية "لا إكراه في الدين" إلى أنه ليس فقط فيما يتعلق باعتناق الدين، بل "لا إجبار فيما يعتقده الناس ولا إكراه، لقد كان الشيوعيون مستعدين لاستخدام التهديد لإيقاف بعض الأفكار وحتى استخدام الضرب والشرطة والسجون".

* عن مصطلحات: الثقافة والحضارة والحرية:

تحرر من كثير من المفاهيم السائدة حتى في التعريفات الثقافية، والتقيد بأقوال الناس، فتجده مبدعا في قوله أو اختياره؛ فمثلا الثقافة يراها المعرفة الفردية، وهي تهذيب فردي داخلي، أما الحضارة فهي موقف جماعي خارجي، وأنت ترى مصداق هذه الفكرة في شوارع المدن العربية، فترى أكبر مثقف يدخل مع الناس، الأمي والعارف، في معركة شرسة بالسيارة يوميا وطوال الوقت في الشارع، ويمارس أسوأ الأساليب في التعامل، وهنا ترى المستوى الحضاري العام للمجتمع، ولكن السائق في ذاته قد يكون ذا معارف واسعة جدا، أو مكانة اجتماعية كبيرة، ولكن الحضارة غائبة، بينما تجد عكس ذلك في بلدان متحضرة، لا تخاف من خروجك بالسيارة في الشارع، لا فرق بين أميهم ومثقفهم.

والحضارة هي صورة المجتمع وسمته العامة: يقول: "لا توجد إنسانية بدون شخصية جماعية، ولا حرية بدون شخصية جماعية، وكل إنسانية وكل حرية هي قبل كل شيء حرية وإنسانية الفرد الحر والشخصية الحرة" فـ"الشعب المتحضر بالفعل لا يقبل الاستبداد.. ويضع السلطة تحت قانون الرقابة.. فقط في الشعوب المتخلفة السلطة فوق القانون".

وفي مكان آخر يرى الحضارة هي الإنتاج المادي، واستمرارا للتقدم التقني لا الروحي، وهي استمرار للتطور في العناصر الآلية، أي العناصر غير الواعية في الإنسان.. الحضارة استمرار للحياة الحيوانية ذات البعد الواحد، التبادل بين الإنسان والطبيعة، ويختلف عن الحيوان في الدرجة والمستوى والتنظيم، الحضارة تعني: فن العمل والسيطرة وصناعة الأشياء صناعة دقيقة..

ولذا، فإن الحضارة ليست في ذاتها خيرا ولا شرا، وعلى الإنسان أن يبني الحضارة تماما كما عليه أن يتنفس أو يأكل، إنها تعبير عن الضرورة والنقص في حريتنا، أما الثقافة فعلى العكس من ذلك: هي الشعور الأبدي بالاختيار والتعبير عن حرية الإنسان.. وهي تأثير الدين على الإنسان، أو تأثير الإنسان على نفسه، الثقافة: ماله علاقة بالدين والمقدس، من فن ومسرح وحرية وفلسفة. الحضارة مبالغة في الإنتاج والاستهلاك، شعارها: "أطلق رغبات جديدة دائما وأبدأ" بينما الثقافة (وفقا لطبيعتها الدينية) تميل إلى التقليل من احتياجات الإنسان، أو الحد من درجة إشباعها، وبهذا توسع من دائرة الحرية الجوّانية للإنسان، وهنا تظهر حالات التنسك الزائدة عند الرهبان، وقلة أو عدم النظافة عندهم ـ أو الإهمال ـ عند الخنافس في العصر الحديث..

حامل الثقافة هو الإنسان[الفرد]، وحامل الحضارة هو المجتمع، ومعنى الثقافة القوة الذاتية التي تكتسب بالتنشئة، أما الحضارة فهي قوة على الطبيعة، وفي النهاية يصل إلى أن: كلا من الثقافة والحضارة ينتمي أحدهما للآخر. والحضارة لا تعني ارتفاع الأخلاق فقد كان البرابرة يعاملون عبيدهم خيرا من معاملة الرومان لعبيدهم. وتعتبر الدولة الرومانية القديمة أنموذجا مناسبا لرسم خط فارق بين الثقافة والحضارة.

والفاعلية هي شعار المثقف الحر، لأن السلبية وأهلها لا يمكن وصفهم بالأحرار، ذلك أن الذي لا يعبأ بشيء شخص متجرد من الخير، فالإنسان الذي يحمل الأشواق والطموحات والآمال يجلب الخير للعالم، وعزت كان عمليا وليس مثاليا، كما يتبادر من سمعته وشهرته الثقافية، لا بل كان مرنا ومتخذا لأسلم الطرق وانفعها: "سلام جائر خير من حرب مهلكة".

وهو لم ييأس بل احتفظ بأمل كبير، ويرجو أن يسطر المسلمون البوسنيون والمسلمون عموما في أوربا مساهمة رائدة جديدة في المجتمع ومستقبل التاريخ الإسلامي والإنساني؛ فيتعامل مع أفكار الحرية والمجتمع المفتوح التي دعا إليها "كارل بوبر" باهتمام، ويرى أن على المسلمين في أوروبا أن يستفيدوا من هذه الأفكار، وبخاصة من فكرتين رئيستين:

أولاهما: فكرة المجتمع المفتوح: "فالمجتمع المفتوح يتضمن حرية الفرد وشخصيته وتصوره وحرية تفكيره وحقه في نقد المؤسسات السياسية والتبادل الحر للأفكار، لم لا يشارك المسلمون في هذا؟ وفوق ذلك تحض أفكار "بوبر"على التسامح، وتقف ضد السلوكيات البربرية في أوروبا التي غالبا ما تستخدم ضد المسلمين الموجودين في تلك القارة".

المطالبة بالانفتاح ستكون وسيلة إسلامية ناجحة لنيل حقوقهم في المجتمعات الأوروبية المنغلقة أو التي تتجه للانغلاق، ووسيلة للتفاعل والاستفادة من الآخرين، فلا مبرر لاستمرار الخوف من الانفتاح عند المسلمين كما في السابق، فهم اليوم أقوى عددا وفكرا مما كان. وبسبب ما يعلمه الغربيون من شرور في الانغلاق فإنهم يسعون للتحكم في الانفتاح الضروري!! كما يرددون، ليتمكنوا من تحديد نوع الأشخاص والأفكار المقبولة، في عالمهم وعالم غيرهم. إن من الأنفع للجميع أن يتسامحوا في الانفتاح المتبادل، لتتقارب مغانم البشر من أعمالهم ومن علاقاتهم.

والفكرة الثانية: "فكرة: "النهضة الأوروبية الجديدة"، التي دعا إليها الفيلسوف الألماني (فايتساكر) تختلف هذه الفكرة عن النهضة الأوروبية الأولى في الالتفات نحو عوالم وثقافات خارج أوروبة، وبالتالي ـ وفقا لهذا الفيلسوف ـ فإنها ستلتفت أيضا نحو الإسلام، وثقافته وحضارته. وأعتقد أن علينا دخول هذه اللعبة، ألم يطالبنا القرآن الكريم بقوله: (فاستبقوا الخيرات) المائدة، 48. لكننا لا نستطيع استباق الخيرات إلا حين نقوي وعينا بهويتنا فقط، فالمسلمون الواعون يكونون مستعدين للأخذ والعطاء، دون التخلي عن قيمهم الحقيقية الأصلية.

ثم يشير إلى ارتفاع مستوى المعرفة عند مسلمي البوسنة مقارنة بالشعوب الإسلامية، ومحافظتهم على ذواتهم دون ذوبان في أوروبا التي كانت قاسية عليهم، فقد دُمّر للمسلمين ألف مسجد و343 مؤسسة ثقافية. ولكنهم استعادوا كثيرا من قوتهم وزيادة بعد المذابح والتدمير. ويكفي أن نعلم أنه كانت في مدينة بلغراد التي نزحت منها أسرته أكثر من 250 مسجدا لم يكد يبقى منها شيء.

ولمدينة سراييفوا مساهمات كثيرة في سجل الفكر الإسلامي تتميز عن جميع مدن البلقان، ولعلمائها المسلمين "البوشناق" حضور كبير في الثقافة الإسلامية بعد إسلامهم، وكان بها مكتبة من أهم المكتبات التي حفظت الثقافة الإسلامية في أوروبا.

* الطريق إلى الحرية:

الحرية ـ عنده ـ لن تأتي بقرار "من فوق (بالمراسيم) وهي غير ممكنة ـ بهذه الطريقة ـ وليست [حقة]، الحرية لا تعطى وإنما تؤخذ" وينقل عن هكسلي: "لابد من دعوة الناس أو تعليمهم الحرية كشيء راق وأصيل، إنها ليست طبيعية، وإنما حالة تستنبت، يمكن لأكبر عدد من الناس أن يغيروها إلى الاستقرار واللذة، وتاريخ القرن العشرين يشهد بذلك".

إن تهاون الناس في الأخذ بحريتهم يوردهم موارد الشر والموت والهزيمة، أو الإيقاف عن صعود سلم الرقي البشري، والبقاء في مهاوي الجهل والتبعية، لقد كان من أهم أسباب الشر الذي تعرضت له ألمانيا على يد هتلر أنها تهاونت في الأخذ بحريتها في العشرينات والثلاثينيات، حتى استعبدها النازيون الألمان، فقد يخاف الناس من مسؤولية وتبعات الحرية فيتهاونون بها حتى يتجردوا منها، فتفتح عليهم أبواب جحيم الاستبداد!!

في زماننا نجد أن العجز عن الخلاص من الديكتاتورية هو من الأسباب التي جعلت بعض الشعوب ضحية إرهاب الاحتلال ـ ولا نهون من دور الإرهاب الذي قهر قلوب الناس وروع عقولهم حتى أسلمهم ضحايا لأعدائهم ـ. بعض من هذا الموضوع أشار إليه كتاب لـإريك فروم: "الخوف من الحرية" الخوف منها لأنها مسؤولية يخشى ممارستها وتبعاتها، ولأنها اختيار وتبعات ملتزمة.

وفيما يخص المسألة الألمانية ـ وهي هاجس إريك فروم ـ وموقف الألمان من النازية، ومن سيطرة هتلر وحزبه، فهناك تفسيرات أخرى لا نحب التوسع فيها ولكن نشير إلى قضايا منها نضوج الديمقراطية، والتمرس بها، وإلى مسألة الأمل الذي مثّله الاستبداد للشعب في الخلاص من مهانة الحرب العالمية الأولى، والتعويض المعنوي والمادي الذي أمّلوه من الحزب، وربما أحبوه لذلك، وهذا ما يثير نقاشا موجعا ومفيدا لبعض الأطراف كاليهود، فبعضهم يرى أن الشعب الألماني شعب نازي، وأنه كان متفقا مع سلطته، لا مختلفا عنها في المواقف. ولكننا نعلم خلاف ذلك أيضا، وأن الألمان حاولوا الانقلاب على هتلر، وكادت إحدى محاولات الاغتيال أن تنجح، وكان قادة المحاولة من كبار رجال الحرب والحزب.

والناس أحيانا قد تصدهم حالة من اليأس لا تجعلهم يشاركون في السعي للحرية، فقد ذكر المراقبون أن كثيرا من البولنديين لم يشاركوا في "حركة التضامن" التي قادها فاليسا بسبب اليأس من الإصلاح ومن التغيير، أو أن الإعلام المستبد ينوّم الناس تنويما مغناطيسيا عاما. ويؤكد لهم أنهم في أقصى العبودية يكونون أحسن الناس حالا، وأنها خير لهم من التحرر. يقول شيلر: "إن الحرية وليست القوانين هي من تصنع الناس الحقيقيين.. كل نهضة تبدأ بالشعور بالاحترام تجاه الذات نفسها". وفي مجتمع غير حر، تسوده رأسمالية طاغية، يقع المحظور الذي حذر منه روسو في العقد الاجتماعي: "لا يسمح لأي مواطن أن يكون ثريا جدا لكي يشتري الآخر، ولا فقيرا جدا حتى يمكن بيعه".

والحرية تصنع الأفكار الخاصة للأفراد، وتفتق عقولهم وألسنتهم، وبغيابها يسود تماثل الأغبياء، والكثير من التربية الموحدة والغلو في توحد الأفكار يجافي الحرية، وعند منع الناس من التعبير عن أفكارهم فإنهم يهربون من تطوير الأفكار، وعندها ماذا يبقى لهم من سمات البشر؟

والحرية عنده تحرر "من إلحاح المسيحية أن تجعل الإنسان ملاكا، ومن الماديين الذين يريدون أن يجعلوا الإنسان حيوانا" كتب هذا عند قراءته للآية: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس" الآية.

الحرية ـ كما نلاحظها من فكره وعمله ـ هي الخلاص من شتى سلوك المستبدين المختلفين. وهجرة للأدب وللقراءة من اليأس وانتظار الزمن. الحرية أن تستطيع أن تخدم الناس وتعينهم. وهي حرية الآخرين؛ تقول روزا لكسمبرج: "الحرية هي حرية الآخر"، وهي رعاية للخصوصية؛ "إذا زالت الخصوصية فنحن في معتقل". وهي أن تجوب ثقافات العالم، وتبقى ممسكا بعقلك واختيارك، وهي إطلاق للبدن من السجن، وهي خلاص الروح من العبودية للمادة، وتنقية العقل من التعصب الديني والمذهبي والفلسفي، بل وأن تحترم حتى التظاهر بالجنون المفيد إذا كان يخلصك من الجور؛ كما حدث من بعض حيل زملائه في المحكمة، كان رجلا حكيما فتظاهر بأنه أصم وأبله في المحكمة ليتخلص من الحكم والسجن فأفرج عنه القاضي، ولما أصدر القاضي حكمه ودع زملاءه: "في أمان الله" وانفجر جميع الحضور بالضحك باستثناء القاضي والمدعي العام بالطبع، وخرج حرا!!

ولكأن هذا المسلم الذكي البوسني قد استوعب أنه: "توجد أشياء تؤدي بك إلى أن تفقد عقلك، وإلا فإنه لا يوجد لديك ما تفقده..(فـ) رد الفعل غير السوي إزاء موقف غير سوي هو استجابة سوية" وأحد علماء المسلمين تظاهر بالجنون عشر سنين ليتخلص من إرهاب الحاكم بأمر الله (الفاطمي).

وفوق ذلك عدالة قضيته ولو في السجن، فقد كانت منبعا للشعور بالحرية والتسامي على سجانيه. وعلاقته الأسرية الرائعة بزوجته وأطفاله كانت منبعا للحرية والسعادة من نكد الحياة، وجزء مهم من كتابه: "هروبي إلى الحرية" سجل فيه مختارات من مراسلاته الـ 15 رسالة، كشفت الكثير عن تماسك هذه العائلة، ورقي هدفها، ونبل الدور الذي تقوم به لنفسها ولبلادها وللعالم من حولها.

علاقته بالشبيبة الإسلامية كانت مجالا لممارسة حريته الفكرية، ثم إن صموده واستقرار فكره وهدفه على هذا المدى الزمني الطويل معهم لمما يلفت الانتباه، وكأنه يطبق الحكمة التي ساقها عن إبسن: "كن أي شيء تريد، ولكن كن ثابتا على ذاتك للنهاية." وقد يكون سبب ذلك هو تحولهم معه في تحولات أفكاره، وبسبب تفوقه الكبير على زملائه، فقدرته وشخصيته وصدقه سمات لا تقاوم، بعكس ما نجد في الحركات السياسية والحزبية التي يتزعمها أشخاص قدراتهم متوسطة، ينمو الناس من حولهم، فسرعان ما يفقدون الفكرة والناس.

الحرية هي رعاية الأمانة، هي الاختيار بين الصون لما [نؤتمن] عليه أو الإهدار له، الحرية هي اختيار أن نرعى حقوق أنفسنا وحقوق الناس أو أن نهملها، "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا" ولهذا فإن الأخلاق سمة لمن يملك الاختيار، والثواب والعقاب فشرطها إمكان الفعل والترك.

والأخلاق بمنظور عقلاني مضرة وغير مفيدة، ولا بد أن يكون منبعها من خارج الحاجات المادية للإنسان، ويرى أنه: "لا يمكن بناء الأخلاق إلا على الدين، ومع ذلك فليس الدين والأخلاق شيئا واحدا. فالأخلاق كمبدأ، لا يمكن وجودها بغير دين، أما الأخلاق كممارسة أو حالة معينة من السلوك فإنها لا تعتمد مباشرة على التدين.. ويؤدي الإلحاد إلى إنكار الأخلاق، ولكن أي بعث أخلاقي حقيقي يبدأ دائما بيقظة دينية. فالأخلاق إنما هي دين تحول إلى قواعد للسلوك، يعني تحول إلى مواقف إنسانية تجاه الآخرين وفقا لحقيقة الوجود الإلهي.

وعن علاقة العقيدة بالممارسة والأخلاق يقول: "وليس هناك علاقة (أوتوماتيكية) تلقائية بين عقيدتنا وسلوكنا، فسلوكنا ليس بالضرورة من اختيارنا الواعي، ولا هو قاصر عليه. إنه على الأرجح نتيجة التنشئة والمواقف التي تشكلت في مرحلة الطفولة أكثر منه نتيجة للمعتقدات الفلسفية والسياسية الواعية في مرحلة متأخرة من مراحل الحياة". وله نقد مهم على نظرية داروين، ورؤيته الحيوانية للإنسان، ويرى في رصد داروين رصدا للجانب البيولوجي، ولكن ليس رصدا لتطور الإنسان.

روحه الحية، ويقظة عقله، وتنوع معارفه، ساعدته على سبر أغوار الروح، لأن سعة الثقافة توسع مدى الحرية، كما أن التجربة العملية التي مر بها من المصادمة ما بين فكرة الحرية وقيود الفكر الشيوعي، ثم الفكر القومي المتطرف، أو العنصرية المغلقة، وبين فكر يتجاوز قصة عنصر، ويتجاوز بلدان ويتجاوز ثقافات كل هذا أكسبه عمقا واستبصارا، وثقة جماهيرية وتسامحا نادر المثال.

الحرية أن يحب وطنه حبا صادقا ونقيا، يعرف ما يحب فيه وما يكره، ويجاهر بما يؤمن به بالرغم من صعوبة ذلك؛ ففي مرافعته أمام القاضي الشيوعي قال: "إنني أحب يوغسلافيا ولكني لا أحب حكومتها، وإنني أكرس كل حبي للحرية.. أقر بأنني مسلم، وسوف أبقى مسلما، وأعتبر نفسي منافحا عن قضايا الإسلام في العالم..لأن الإسلام بالنسبة لي هو كلمة أخرى لمعاني كل ما هو خير ونبيل، إنه اسم للوعد والأمل بكل ما هو خير للشعوب المسلمة في العالم". ولأنه وصف نفسه وقومه دائما بالمسلمين اعتبروه طائفيا وعنصريا وأمميا طموحاته أبعد عن بلاده، أو أقل إخلاصا لها.

في السجن، بعد ثلاثة أعوام، طلبوا من ابنته أن يكتب الطلب المعتاد: "أن أفكاري كانت خاطئة وأنني لا أنوي التعامل مع أي سياسة بعد ذلك، وأنني سأنسحب وأحيى حياة اعتيادية هادئة.. رفضت التوقيع" فأبقوه بعدها عامين آخرين.

شجاع لا يتراجع ولا يرتاع، ماض لما يريد إلى النهاية، محارب صبور، يصدق عليه قول المعتمد بن عباد:

ما سرت قط إلى القتـ ــال وكان من أملي الرجوع

قال: "يشكو الناس أن الحياة قصيرة جدا أما بالنسبة لي فتبدو الحياة طويلة جدا". ولو تأملنا العمل والفكر الذي مر به لقلنا لقد أخذ هذا الإنسان وأعطى الكثير كان غني الشخصية، واسع البال والخيال، أخذ من زمنه بلا حدود في عالم الروح والمعرفة، ولم يكن شرها للدنيا يستفّ من ترابها، عاش حياة بسيطة جدا، زاهية جميلة، ومهما طالت فقد كانت قصيرة، وهل تقاس الأعمار بالأعمال والمتع! لقد حاز من أرقى متعها الكثير، فكيف وقد كان قادرا أن يجعل من المأساة متعة وترقيا على الضعف وقصور النظر.

* إرهاصات النفوس السوية:

الحياة عنده ليست سجلا للأحزان، بل هي رحلة ممتعة، وهكذا يفهمها من الإسلام، ومن حياة العرب قبل الإسلام: "فالعرب كانوا ميالين إلى التضحية وملذات الحياة، الأمر الذي يمكن أن نلاحظه بوضوح في أشعارهم قبل الإسلام وكانت من هذه الناحية تمهيدا للإسلام.

في الثقافة الإسلامية توجد جمالية ملحوظة للحياة اليومية مؤسسة على الحواس، وهي تقدم الصدق لهذه الجماليات، ودافعية خاصة تختلف عما هو في الغرب، لا يوجد شك بأن هذا النوع من المشاعر تجاه الجمال (مرتبطة بتعاليم الإسلام) وتحديدا بالأحاسيس التي لا ينكرها.. الجزيرة العربية خلال القرون: الخامس إلى السابع للميلاد، بشروطها الحياتية القاسية وصحرائها، كانت مهيأة (لعلم السماء والأرض) وبدراسة الشعر (الجاهلي) يمكن البرهنة على ذلك.

الأمر يتعلق بفضاء روحي، كان قريبا جدا من الإسلام، والذي سيجد في الإسلام أسبابه العقائدية وإشباعه.. شعر البدو قبل الإسلام يتحدث لنا بوضوح عن أخلاق شعب ناضج ويغنّي للقوة والرجولة، والتسامح وحماية الضعفاء، والتضامن والنضال، والشجاعة واحترام المرأة، والأخلاق العائلية، والمهارة والشعور بالكرامة.. البدو كانوا في الحقيقة مقاتلين، وفي البدوي العربي نموذج بشري كان بسبب خواصه الروحية والجسدية مهيئا أو فطنا للعلوم الجديدة..

وفي الحقيقة انتشر الإسلام روحيا وسياسيا وعسكريا بشكل غير مسبوق، وبما يشير إلى أنه تم التسليم بالإسلام واعتناقه من قبل شعب ناضج واستثنائي، وبأن التعاليم الجديدة في مثال الإنسان المرتجى وجدت صورتها ومناسبتها عند العرب.. فالإنسان في القرآن لم يكن صوفيا هنديا، أو ناسكا مسيحيا نحيلا، أو جنديا رومانيا قاسيا. إنه الفارس الشجاع، المتسامح مع الأخيار، وغير الرحيم مع الأشرار "أشداء على الكفار رحماء بينهم"، الآية، والنص من: "بينما يجد في تاريخ المسيحية كما نقل عن كتاب: "اسم الوردة" لإمبرتو إيكو: "لم يبتسم المسيح، ولا يوجد في أي شهادة عنه، ولا في أي تحليل فني من التحليلات المتعددة اللاحقة لصورته، لا يوجد ما يفيد أن المسيح كان يبتسم". ويقول: "الزهد بطبيعته مسيحي حتى عندما يطبقه المسلم حتى الزاهد أبو العتاهية يتعرف المسيحيون من خلال أشعاره على نوعهم وتدينهم ورؤيتهم للإنسان ومصيره على الأرض".

والشجاعة كانت شعار المجتمع العربي قبل الإسلام، وعنها كانت الخطب والأشعار، يقول علي عن فضيلة الشجاعة: "لم يغنّ الشعب للذكاء، وإنما غنّى للشجاعة، خصّص الناس أحلى قصائدهم للفضيلة التي يقدرونها أكثر من غيرها، لأنها الأكثر ندرة من غيرها، فضيلة الشجاعة واحتقار الموت. وهذا يشمل الشعر في كل العصور من اليابان عبورا بالهند وفارس وحتى انجلترا وأمريكا." فـ"جميع الناس ـ حتى الناس غير الواعين لذلك في دواخل أرواحهم ـ يعشقون الشجاعة، وعدم الأنانية، وعدم الاستغلال." ...(يتبع)..



رائع | محمد بن سليمان يقول...
سلمت يمينك
راااااااااااااااااااااااائع
غذاء للروح
أمل للنفوس
شوق للعلياء

اللهم لا تحرمنا أجرك ولا تهتك عنا سترك واجعلنا من السابقين إلى طلب رضوانك

امام متن يحتاج شروحا | حسن الحازمي يقول...
لا اراني سوى امام متن محكم يحتاج شروحا وحواشي تنثر ما فيه من درر

سلمت شيخنا الفاضل

جزاك الله الف خير | محمد عسيري يقول...
بصراحة اول مره احس بإهمال عجيب في حياتي

وقد شدني ( والفاعلية هي شعار المثقف الحر، لأن السلبية وأهلها لا يمكن وصفهم بالأحرار، ذلك أن الذي لا يعبأ بشيء شخص متجرد من الخير، فالإنسان الذي يحمل الأشواق والطموحات والآمال يجلب الخير للعالم، )

وسأحاول بأمر الله تغيير نمط حياتي السلبية للأفضل

فجزاك الله خيرا
يا د. محمد الاحمري
وجعله الله في موازين حسناتك


اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)

أكتب الرموز الظاهرة في الصورة (ضروري)




تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو