سياسات رام الله وأخطاء غزة تفاقمان الأزمة الوطنية الفلسطينية

2007-11-22 | د. بشير موسى نافع سياسات رام الله وأخطاء غزة تفاقمان الأزمة الوطنية الفلسطينية

في الوقت الذي يواصل فيه الرئيس أبو مازن ورئيس وزرائه في الضفة الغربية، سياستهما الضارة بالمصالح الفلسطينية الوطنية، تواجه حماس في قطاع غزة أزمة متفاقمة، تساهم عناصر نافذة من الحركة في صناعة معظم مشاهدها. في رام الله، تقوم حكومة عباس ـ فياض باعتقال المئات من أعضاء ونشطين حماس، ومن لا تستطيع اعتقاله لهذا السبب أو ذاك، تتركه للقوات الإسرائيلية لتقرير مصيره.

وقد عملت حكومة رام الله على إغلاق العشرات من الجمعيات الخيرية، ليس فقط بهدف إضعاف وجود حماس في الضفة الغربية، بل أيضاً، وهذا هو الأفدح، لتجعل السلطة الملجأ الوحيد لعشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية، التي تعاني أعباء ظروف حياة أقرب إلى الاستحالة.

وباستخدام التهديد، وإغراءات العودة إلى الحياة الطبيعية، والحوافز المالية غير المسبوقة، التي توفرها المساعدات الأمريكية، تتعهد سلطة رام الله مشروعاً لتجريد قطاعات واسعة من النشطين الفلسطينيين من سلاحهم.

سياسياً، وبالرغم من التدخلات العربية والفلسطينية المتعددة، ما تزال قيادة السلطة ترفض التفاوض لإنهاء الإشكال الانقسامي بين الضفة والقطاع. إن كانت إجراءات السلطة المتلاحقة في الضفة مبادرات حسن نية للتمهيد للقاء أنابوليس، فليس ثمة طرف مفاوض في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي أقدم علي ما يمكن إضعاف موقعه التفاوضي كما يقدم فلسطينيو رام الله.

بيد أن الوضع في قطاع غزة ليس أفضل حالاً. فبعد شهور علي اقتلاع سلطة منظمات الأمن وهيمنتها علي القطاع وأهله، تخرج إدارة حماس من أزمة لتقع في الأخرى، من السيطرة علي مؤسسات السلطة، إلي الاشتباك حول صلاة الجمعة خلال شهر رمضان، إلي الصدامات المسلحة مع عناصر حركة الجهاد، إلي تصريحات السيطرة على الضفة الغربية (التي لا تفتقد إلي الحكمة وحسب، بل وللواقعية أيضاً)، وصولاً إلي اعتقال المئات من الفتحاويين وإطلاق النار علي مظاهرة إحياء ذكري وفاة الرئيس عرفات.

ليس ثمة شك في أن أغلبية أهالي قطاع غزة، تنفست الصعداء عندما نجحت قوات حماس في إطاحة دولة الأمن الوقائي في حزيران (يونيو) الماضي، بالرغم مما صاحب الحدث من اشتباكات دموية وضحايا. وقد أظهر أهالي القطاع قدرة وشجاعة في مواجهة الحصار الذي أطبقته عليهم السياسة الأمريكية والإجراءات الإسرائيلية، والذي كان يراد منه دفع الناس إلي الانقلاب علي إدارة حماس.

ولكن الواضح الآن أن حماس خسرت الكثير من التأييد الشعبي في القطاع (كما في الضفة أيضاً)، ليس رغبة من الفلسطينيين في عودة حكم بارونات أجهزة الأمن إلى غزة، ولا دعماً لسياسة حكومة رام الله، ولكن لسلسلة الأخطاء التي ارتكبتها إدارة حماس، لعجزها عن التحول إلى قوة وطنية جامعة، ولفقدان وضوح الخطوة القادمة بعد خطوة السيطرة علي القطاع.

ربما يجد البعض في سلسلة الأخطاء التي شابت إدارة حماس لقطاع غزة دليلاً علي أن أحداث حزيران (يونيو) كان يمكن تجنبها، وأنها بالفعل ليست إلا انعكاساً لعقلية انقلابية. الحقيقة، أنه مهما كانت أخطاء ما بعد حزيران (يونيو) فإن أحداً لا يجب أن يتجاهل الظروف التي أدت إلى انفجار الأوضاع في القطاع.

والذي أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه هو السلطة الأمنية السابقة، مجموعة المتنفذين التي هالها نتائج الانتخابات التشريعية وتحول حماس إلي شريك في الحكم. وقد اتبعت تلك المجموعة سياسة استنزاف بطيئة، اعتقدت أنها ستصل في النهاية إلى تدمير مكتسبات الإسلاميين الفلسطينيين وإطاحتهم، وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل كانون الثاني (يناير) 2006م. والصدامات التي انفجرت في الصيف الماضي بين حماس ودولة الأمن الفلسطينية، كانت النتيجة الطبيعية لتلك السياسة، ومن دون هزيمة مخطط الاستنزاف، كانت أوضاع القطاع ستسير من سيئ إلى أسوأ.

ما عزز من موقف حماس آنذاك، أن الرئيس محمود عباس سارع إلي إجراء انقلاب دستوري كامل في رام الله، معطلاً العمل بالقانون الأساسي ومطيحاً بالقوانين المنظمة لعمل السلطة، حتى تلك التي كان طالب بها في عهد الراحل ياسر عرفات، أو تلك التي أقرها شخصياً.

وفي الوقت الذي رفض فيه التفاوض مع قيادة حماس، أظهر استعدادات مضاعفة للتقارب مع الإسرائيليين، حتى قبل الإعلان عن لقاء أنابوليس. ولكن السياسة لا تتحرك بقوة الثوابت وحسب، بل وبسلسلة من متغيرات الظرف الموضوعي، والخيارات الذاتية، والتدافع المستمر للقوى أيضاً. وقد كان واضحاً في حزيران (يونيو) الماضي أن حماس تقف أمام واحد من أكبر الامتحانات التي واجهتها، وأن نجاحها في إيقاع الهزيمة بالمجموعة الأمنية المتسلطة كان سيأخذها إلي مزيد من النجاح، أو إلي خسارة فادحة.

لم تتصرف إدارة حماس خلال الشهور التالية لحسم الوضع في القطاع كما ينبغي. كان الاعتقاد السائد في أوساط حماس، أن معيار النجاح في القطاع، وبالتالي الطريق لإجبار الرئيس عباس علي التفاوض حول مستقبل القطاع وظرفه الجديد، هو الصمود ضد الحصار. لقد كان واضحاً منذ البداية أن قيادة السلطة والقيادة الإسرائيلية، علي السواء، ستعملان علي تجويع أهالي قطاع غزة، وتحويل حياتهم اليومية إلى جحيم.

ما لم يتوقعه كثيرون، ربما كان بشاعة الحصار وحملة التجويع، سيما تلك التي تعهدتها حكومة فياض؛ ولكن فكرة الصمود بمعناه المادي المعيشي، هي التي احتلت رأس جدول أولويات قيادة حماس في القطاع.

وأصبح السعي لتوفير أموال الدعم والمساعدات ورواتب الموظفين ورجال الأمن، الذين قبلوا التعامل مع الإدارة الجديدة، الهم الأكبر. وليس ثمة شك أن حماس حققت نجاحات ملموسة في هذا المضمار، ساعدتها تقاليد الصمود والصبر والثبات التي تميز بها أهالي القطاع والفلسطينيون عموماً.

ولكن التركيز الكبير على تعزيز عوامل الصمود المادي والوقوف في وجه سياسات وإجراءات الحصار، غيب الأولوية السياسية، ليس فقط فيما يتعلق بكيفية إدارة الخلاف مع عباس وفياض، ولكن، وهذا هو الأهم، في كيفية التعامل مع الأعباء السياسية لإدارة شؤون مجتمع فلسطيني بالغ التسييس والتعدد.

كل المجتمعات العربية ـ الإسلامية تعاني من تشظي المرجعية، ولكن الوضع الفلسطيني هو الأكثر تأثراً من هذه الحالة، ليس فقط لما أوقعته النكبة واللجوء والاحتلال من تقويض للاجتماع، ولكن أيضاً لأن التعددية السياسية الفلسطينية هي في الغالب تعددية مسلحة. الشخصيات والقوي السياسية التي نجحت في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، من الحاج أمين الحسيني إلي عرفات، ومن الهيئة العربية العليا إلي حركة فتح، ارتبط دورها وموقعها وتأثيرها بقدرتها علي التحدث باسم عموم الجماعة الوطنية الفلسطينية، بأن يكون برنامجها هو برنامج التيار الأغلب من الشعب، وبأن تتسع دائرتها لأكبر عدد من القوي والتيارات الفلسطينية. وهذه كانت دائماً مشكلة القوي الإسلامية السياسية العربية عموماً، ومشكلة حماس علي وجه الخصوص. القوة الفلسطينية الرئيسية لا تتحول تلقائياً إلي القوة القائدة، لأن تتأهل قوة سياسية ما لقيادة المشروع الوطني الفلسطيني لابد أن تفكر، أن تسلك، أن تتحدث، وأن تعمل باعتبارها كذلك، باعتبارها القوة ذات الإطار الوطني الاستيعابي الأوسع، باعتبارها مظلة الشعب الكبرى.

والواضح، على الأقل منذ الفوز في الانتخابات التشريعية، أن تيارين يتنازعان توجه حماس وسلوكها وخطابها السياسي: تيار وطني إجماعي، يدرك متطلبات الدور والموقع، وآخر فئوي، محدود الأفق.

بعد أحداث حزيران (يونيو)، مثلاً، كان لا بد من تضميد جراح الجميع، وإعلان ضحايا الاشتباكات بكافة انتماءاتهم شهداء الحركة الوطنية الفلسطينية. ووسط الجدل الذي أثارته الأحداث داخل صفوف حركة فتح، كان لا بد من العمل علي احتضان جناح الحركة في القطاع، وتوفير الأجواء الضرورية لإعادة التقييم والبناء الداخلي لفتح.

وفي ذكرى الرئيس عرفات، الذي استشهد وهو يواجه معارضة مريرة من ذات القوي التي حاولت تدمير حكومة الوحدة الوطنية، كان لا بد أن تكون المناسبة في قطاع غزة والضفة مناسبة وطنية جامعة، وليست مناسبة فتحاوية وحسب، وحتى إن تبين أن ثمة محاولات لخلق حالة من الاضطراب، لم يكن جديراً بقوة رئيسية أن يستفزها كل تصرف صغير أو كبير. من دون ذلك، تتحول إدارة حماس في القطاع إلى إدارة قمعية، لا تنتهي من صدام مع هذا الفصيل أو تلك المجموعة، حتى تنتقل إلى صدام جديد.

قبل ذلك كله، كان لا بد من البداية أن تسلم مؤسسات السلطة والحكم مباشرة لقوي الأمن الوطني، لا أن تخضع لسيطرة عناصر حماس؛ وحتى إن رفضت قوي الأمن الوطني التعاون، فقد كان ممكناً تشكيل هيئة وطنية من الوجهاء وأهل الرأي المستقلين، لتصبح هي المشرف علي مؤسسات السلطة الرسمية حتى ينتهي الظرف الاستثنائي. كان لا بد، باختصار، من اتخاذ كل الإجراءات الممكنة لإيضاح حقيقة أن الأحداث فرضت علي الجميع، وأن لا نية للانقلاب علي السلطة الفلسطينية أو فرض هيمنة فئوية على القطاع. هذه هي السياسة الصحيحة، بغض النظر عن رد فعل رام الله، واستعداد الرئيس للتفاوض. بخلاف ذلك، كان من الطبيعي أن يخسر الطرف المنتصر في الأحداث زمام المبادرة، وأن يصبح أسير انتظار محاولات المصالحة العربية، أو وصول طريق تسوية أنابوليس إلى حائط مسدود.

سياسات حكومة رام الله، من جهة، وأخطاء إدارة حماس في غزة، من جهة أخرى، تدفعان الوضع الفلسطيني إلى مزيد من التأزم والضعف. ومهما حققت مفاوضات التمهيد لأنابوليس، فهي لن تأتي لمصلحة الطرف الفلسطيني؛ إذ لماذا يجب على الإسرائيليين التعامل بجدية كافية مع رئيس لا يرأس كل شعبه، ومع سلطة منقسمة على نفسها، وقوى سياسية فلسطينية متصارعة فيما بينها.

المفارقة الصارخة في السياسة التي يتبعها عباس ـ فياض أنها تستهدف إيقاع الهزيمة بقوة فلسطينية رئيسية، بينما تتفاوض بأدب وصبر وأناة مع دولة الاحتلال، وأنها تدعو إلي إسقاط حماس، بينما تتخذ في الضفة من الإجراءات ما يكفل تسهيل مهمة المحتلين، نجح لقاء أنابوليس أو فشل.

ومهما حققت إدارة حماس في غزة من صمود في مواجهة الحصار، فإن من الضروري رؤية التكلفة الفادحة لتجربة المشاركة في السلطة منذ ما بعد الانتخابات التشريعية، ومن ثم الانفراد بها في قطاع غزة خلال الشهور الخمسة الماضية، وهي تكلفة فادحة ليس لحماس وحسب، بل وللقضية الوطنية ككل.

ليس في الخيارات السياسية ما هو أبدي مقدس؛ السياسة الصحيحة هي السياسة التي تحقق المصلحة. وإن كانت المصلحة يوماً تتمثل في المشاركة في الانتخابات التشريعية وفي حكومة وحدة وطنية، إن كانت المصلحة دفعت إلى وضع نهاية لدولة بارونات الأمن في قطاع غزة، فإن المصلحة الآن هي على الأرجح في الخروج نهائياً من آلة السلطة والحكم.

ثمة أولويات وطنية اليوم، أهم بكثير من المحافظة على السلطة والحكم.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

أبونظمي

أنا ابن قطاع غزة 000إن أكبر إنجاز تحقق عندنا هو الإطاحة بعصابات وفرق موت عباس ودحلان وزمرتهم 000لا تتصورون كيف كان الفلتان الأمني وابتزاز المواطنين 00ومهما كانت أخطاء حماس فهي أهون من عربدة وبلطجة ورعب الأجهزة الأمنية السابقة 000واتحداهم في الضفة الغربية أن يسمحوا لحماس بعمل مسيرة أو احتفال كما عملت حركة فتح في غزة 0


ابو ادهم

يا أخي الكاتب لقد خلطت عباس على دباس فهل يستوي الذين يدمرون والذين يعمرون . اتق الله في مقللاتك الا حقة