آخر الأخبار

لماذا تأخرت صفقة حماس لتبادل الأسرى؟

2007-10-16 | لماذا تأخرت صفقة حماس لتبادل الأسرى؟

بادئ ذي بدء، لابد من رفع القبعات احتراما وإجلالا لمقاتلي "الوهم المتبدد"، الذين نجحوا فيما أخفقت فيه سنون طويلة من عمر الثورة الفلسطينية المعاصرة، وتمكنوا من أسر جندي إسرائيلي من داخل دبابته الأكثر تحصينا في العالم، ووجهوا لما كان يعرف بـ"كبرياء الجيش الذي لا يقهر"، ضربة في الصميم، وبات قادته وجنرالاته في حالة لا يحسدون عليها من التوبيخ والإهانة، ولجان التحقيق والإدانة! كيف ذلك؟

1- منذ اللحظة التي تمكن فيها المقاومون من تنفيذ عمليتهم في قلب الموقع العسكري، وقتل وجرح عدد من جنود الاحتلال، وتمكنهم من اقتياد أحدهم حيا يرزق على أقدامه إلى داخل قواعدهم بأعصاب هادئة، أثارت أعصاب جنرالات إسرائيل... كانت الصفقة رابحة وإسرائيل خاسرة!

2- احتفاظ المقاومين بالجندي حيا يرزق، طوال أكثر من 500 يوما، في بقعة جغرافية لا يتجاوز طولها أربعين كيلو مترا، فيما الاحتلال يمتلك أقوى أجهزة المراقبة وأدوات التنصت وطائرات الاستطلاع، ويعجز عن تحديد مكان جنديه الأسير.. اعتبرت الصفقة ناجحة وإسرائيل فاشلة!

3- أن تدير المقاومة مع الاحتلال حرب أعصاب حقيقية منذ اليوم الأول، من خلال الشح المقصود بالمعلومات وإثارة نفوس قادة الجيش الإسرائيلي، فيما تبدي حكومتهم تعطشا مذلا لأي معلومة مهما كانت صغيرة... كانت الصفقة موفقة وإسرائيل خائبة!

4- في الوقت الذي عودتنا فيه إسرائيل أن تطلق التهديدات والإنذارات، فيما نحن الفلسطينيون علينا الاستجابة لها والخنوع لتهديدها والتراجع في اللحظة الأخيرة، تألقت المقاومة وهي تؤدي الدور المتوقع منها، وتطلق إنذاراتها وتمهل الجيش الذي أذاق العرب والفلسطينيين كؤوس الذل والهوان ساعات قليلة..اعتبرت الصفقة فائزة وإسرائيل صاغرة!

5- نجاح المقاومة في توحيد الفلسطينيين، كل الفلسطينيين، ساسة ومقاومين، لمواجهة العدوان الإسرائيلي الدائر والمتوقع على غزة، ومشاهدة المقاومين كتفا بكتف على قلب رجل واحد يعدون العدة ويتأهبون لصد الاجتياح ...تؤكد أن الصفقة أدت ما عليها.

6- أن تتمكن المقاومة من الدخول إلى قلب ساحة العدو وإحداث هذه الاختلافات العلنية بين أركان المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، بحيث يتبادل الجنرالات والوزراء الاتهامات حول التقصير الذي مكن الفلسطينيين من تنفيذ عمليتهم تلك.. هذا ظفر للمقاومة يكفيها...

7- استنفار المقاومة لكل الجهود الدبلوماسية والتفاوضية، سواء الأطراف العربية أو الدولية، التي أجرت وتجري اتصالاتها وقممها الطارئة لإخراج المنطقة من اشتعال بدت في الأفق بوادره من خلال أمطار الصيف، التي سبق وأن بددت أوهامها العملية الفدائية... هذا بحد ذاته إنجاز للمقاومة وهي تؤكد للعالم أجمع أن سر الاستقرار والتوتر في جميع أرجائه مكمنه في هذه البلاد، وسببه الاحتلال وليس أي شيء آخر..

ومع ذلك، فإنني ما زلت أذكر يومها أنني طرحت سؤالا جوهريا في هذا المكان بالضبط، وجاء نصه على النحو التالي: هل يكمل قادة حماس السياسيين مشوار النجاح الذي ابتدأه عساكرها في أسر الجندي؟ وهل يكتب لصفقة التبادل الموعودة النجاح المرتقب ليتم تسجيل أول سابقة تاريخية "داخل" الأرض المحتلة؟

اليوم وبعد مرور قرابة الـ شهرا على أسر الجندي "جلعاد شاليط"، ومع اقتراب إبرام حزب الله لصفقة التبادل مع تل أبيب، آن لنا أن نطرح السؤال المطروح في عنوان هذه المقالة، فلاشك أن هناك الكثير من الأسباب والعوامل الذاتية والموضوعية التي خدمت حزب الله ولم تخدم حماس في إنجاز الصفقة الحالية، وإن شئنا التفصيل، فإليكم النقاط التالية:

1- العامل الجغرافي السياسي، المتعلق أساسا بالميدان الجغرافي الذي يجعل قادة إسرائيل يفكرون ألف ألف مرة قبل التسليم بإنجاز الصفقة، وكأن شيئا لم يكن، ذلك أن نجاح حماس ومقاتليها في أسر الجندي وإجراء التفاوض والمساومة عليه، داخل حدود تعتبرها إسرائيل "داخلية"، أمر لم يكن يفكر به أكثر الجنرالات تشاؤما، وبالتالي قد يستوعب أولمرت موجات اللوم والتقريع من عائلة شاليط على ان يحقق سابقة تاريخية تبقى عالقة في تاريخه السياسي غير المشرف بالمرة!

2- العامل السياسي الذي استجد خلال الشهور الأخيرة والمتعلق بسيطرة حماس على قطاع غزة، وتغيير قواعد اللعبة بالكلية، بمعنى أكثر وضوحا فقد انقلب السحر على الساحر، وبالتالي ليس من المعقول –في نظر إسرائيل- أن تحقق حماس نجاحات سياسية وعسكرية متلاحقة بقدرات ذاتية بحتة، وتأتي تل أبيب لاحقا لتقدم لها رصيدا إضافيا عبر الصفقة ليتم تقوية حماس هذه المرة ولكن بأيدي إسرائيلية!

3- حجم المناكفات السياسية "غير الشريفة" التي أراد أصحابها حرمان أهالي الأسرى وعموم الشعب من تحقيق انتصار كهذا، عبر الادعاء بأن ذلك سيشكل في جميع الأحوال نصرا مظفرا لحماس، وهذه مصيبة المصائب في نظرهم، ولذا لم يكن غريبا أن نقرأ عن اتصالات من بعض المسئولين الفلسطينيين بجهاز المخابرات الإسرائيلية يقدم لهم الوعود بالكشف عن مصير جلعاد وتقديمه على طبق من ذهب، وبالتالي فلا داعي أيها الإسرائيليون لأن تعقدوا الصفقة مع حماس..عدونا وعدوكم المشترك!

4- البازار الإعلامي الذي افتتحه ـ لا أدري كيف ـ جملة من الناطقين والمتحدثين والقياديين والوزراء، كل يدلي بما يعرف ولا يعرف حول آخر المستجدات عن هذه الصفقة، المفارقة أن أيا من قياديي حزب الله وإعلامييهم لم يتحدث بكلمة واحدة طوال أكثر من عام حول الصفقة الموعودة، وبقي الأمر مرتبطا بصورة مركزية بالأمين العام، السؤال هنا: لم لم تصدر حركة حماس تعليماتها لمتحدثيها وقادتها، والغريب أن بعض الوزراء الذين ليس لهم علاقة البتة بالسياسة، يوزعون الوعود المجانية على أهالي الأسرى باقتراب موعد الصفقة؟؟ ألم يكن من الأجدى والأجدر أن يتم تعيين قيادي متحدث باسم حماس في هذا الملف وكفى؟ علما بأن الأوساط الصحفية والإعلامية، تدرك أن قياديا بارزا في حماس يمسك بهذا الملف، فكيف تسلل الباقون إلى هذا الملف وأصبحوا جميعا أوصياء على جلعاد وآسريه؟ رفقا بنا يا ساسة!

5- الرغبة الإسرائيلية الواضحة بإبقاء قطاع غزة تحت سيف الحصار المسلط على رقاب الغزيين ـ يا إلهي ما أصبركم يا شعب غزة ـ، بحجة احتجاز الجندي الأسير داخله، الأمر الذي يعطي تل أبيب غطاء دوليا إلى حد ما بغض الطرف عن هذا الحصار الذي يشتد يوما بعد يوم، والأكثر من ذلك الإرادة الإسرائيلية المنسجمة مع القاعدة العسكرية التي تقول: جباية الثمن من الفلسطينيين، وتوجيه سخطهم وغضبهم باتجاه المقاومة التي تمسك بالجندي لديها.

6- أخيرا...في ظل التهديدات المتصاعدة يوما بعد يوم ضد حماس في غزة، ودق طبول الحرب يوميا باتجاهه، لا تتفق مطلقا مع إبداء أي "حسن نوايا" مع آسري الجندي، سيما وأن إسرائيل تشن في الفترة الأخيرة حملات إعلامية لتهيئة الرأي العام الإسرائيلي، لشن عملية عسكرية ضارية ضد القطاع، وبالتالي هذه التوجهات العدوانية لا يجب أن يرافقها رفع الطوق، وتخفيف حدة اللهجة العسكرية تجاه من تعتبرها إسرائيل عدوها الإستراتيجي الأساسي "حماس"!

لهذه الأسباب الذاتية والعوامل الموضوعية، نستطيع القول إن صفقة حماس لم يحالفها الحظ حتى كتابة هذه السطور، والأسابيع والشهور القادمة كفيلة بأن تحدث تغييرا، نسبيا كان أو مفصليا، يعمل على تغيير الطبيعة السياسية والميدانية، سواء كان لدى حماس أو إسرائيل، أو لديهما معا، يعجل بإبرام الصفقة ...فمتى يحدث ذلك؟


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

االمسافر

شكرا لك استاذنا الكريم على هذا التحليل والرؤيه العقلانيه
والحقيقه ان هؤلاء المجاهدون يسلكون طريقا مليئا بالالغام والافخاخ
ولكنهم دائما ما يبهروننا بحسن تصرفهم ومفاجاّتهم الساره لكل مسلم
صحيح هناك ظروف محليه واقليميه ودوليه ظالمه وخانقه اّخر شيء تفكر فيه هو الانصياع لحماس او حتى لانهم يمثلون مشروعا مستقلا ذاتيا ربانيا وهذا ما لا يرغب به احد في الزمن الصهيو امريكي
ولكني اعتقد انهم سينجحون وسيعترف وينصاع الجميع لحماس ما دامت تقول وتعمل ( باسم الله ) ولا نزكيهم على الله
واخيرا اين دعاؤكم لهم فانه مؤثر ولو بدا لنا انه من بساطته لايؤثر
اللهم ثبتهم وانصرهم عاجلا غير اّجل


سعيد إبراهيم

ما هذا الإعجاب المفرط يا أخ عدنان بحزب الله، وحدوا الله و رويداً في قراءة الأحداث، صحيح أن هذا الحزب الإيراني خطف اسرائيلي لكن ما هو الثمن على لبنان ككل و على المسلمين في هذا البلد و ليس على الحزب فقط نتيجة هذا الخطف، أرجو التحقيق في ذلك