آخر الأخبار

المؤسسات الخيرية السعودية ودعم الإرهاب

2007-10-8 | المؤسسات الخيرية السعودية ودعم الإرهاب

تتلخص تقنية الكذبة الكبرى، كما عرضها هتلر في كتابه (Mein Kampf)، بأن الكذبة عندما تكون كذبة صلعاء، وتُردد ترديداً كافياً، فإن الجماهير تصدقها ولو جزئياً.

وربما لم تمارس هذه التقنية في عصر من العصور، مثل ما تمارس في هذا العصر. لقد ظل الإعلام الغربي وتصريحات السياسيين تردد اتهام المؤسسات الخيرية السعودية بدعم الإرهاب منذ العقد الأخير من القرن المنصرم، حتى صدق بعض المدافعين عن المؤسسات الخيرية بأنه ربما كان لهذا الاتهام أساس، فتراهم حين يدافعون ضد هذا الاتهام، يقولون: إذا كانت قد تسربت بعض المبالغ من موظف في إحدى المؤسسات إلى الإرهابيين فلا ينبغي أن تؤخذ بجريرته كل المؤسسات الخيرية بمعنى أنهم يسلمون بفرضية أن من المحتمل أن واقعات حدثت فعلاً تسربت فيها مبالغ من المؤسسات الخيرية للإرهابيين.

ولا يتنبهون إلى حقيقة أنه لم يثبت ـ ولا في حالة واحدة ـ إسناد مثل هذه التهمة لشخص معين، أو مؤسسة معينة.

إذا كان القانونيون يقولون إن إثبات النفي محال، فإنهم يقررون أن إثبات وقائع سلبية معينة عن طريق إثبات وقائع إيجابية ممكن.

وفي نطاق مثل هذا الإثبات جاء تقرير لجنة التحقيق الأمريكية في حادث الحادي عشر من سبتمبر وتضمن نصوصاً صريحة لا تبقي لدى من يقرؤها بعناية شكاً في أن الاتهام موضوع الحديث، زائف ولا أساس له من الصحة.

لقد صدر التقرير عن فريقين من الأعضاء، فريق موال للحكومة، وفريق محايد، ولذلك صدر بصيغة توفيقية تحاول الجمع بين الاتجاهين المتناقضين لفريقي لجنة التحقيق، ونتيجة لذلك كان لا بد من بروز النصوص الصريحة المشار إليها، والتي كانت تنفي الاتهام بتورط المؤسسات الخيرية أو بعض موظفيها في تمويل الإرهاب. وفيما يلي عرض لهذه النصوص:

اختار التقرير مؤسسة الحرمين الخيرية حالة دراسة، وبدأ بالتعريف بها "أن مؤسسة الحرمين الخيرية واحدة من أهم وأبرز المؤسسات الخيرية السعودية" ص114. "أن مؤسسة الحرمين منظمة غير ربحية يقع مقرها في المملكة العربية السعودية تأسست في عقد التسعينات من القرن المنصرم ووصفها عدد من المسئولين السابقين في الحكومة الأمريكية بأنها بالنسبة للمملكة العربية السعودية، مثل مؤسسة (يونايتدوي) بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية... وفي ذروة نشاط مؤسسة الحرمين كانت توجد في خمسين بلداً على الأقل....تتكفل بثلاثة آلاف داعية يتنقلون إلى مواقع مختلفة لتعليم الناس الخير ونهيهم عن الشر، وتقدم الغذاء والمساعدات للمسلمين في جميع أنحاء العالم، وتقوم بتوزيع الكتب والنشرات وتنفق الأموال لمشاريع تأمين المياه الصالحة للشرب وتعمل على إنشاء وتجهيز العيادات الطبية، وتدير أكثر من عشرين مركزاً لرعاية الأيتام"، ص 114-115.

صرح التقرير بأن الحكومة الأمريكية كانت من وقت مبكر تشتبه في أن مؤسسة الحرمين تقوم بأنشطة لا ترضى عنها أمريكا، ولذلك أخضعتها للمراقبة الدقيقة منذ منتصف التسعينات من القرن المنصرم، يقول التقرير: "قد ظلت هذه المؤسسة تحت مراقبة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية كجهة محتلمة لتمويل الإرهاب منذ منتصف عقد التسعينات"، ص 114.

"وفي عام 1996م، بدأت الدوائر الاستخبارية في الولايات المتحدة في جمع المعلومات الاستخبارية التي تشير إلى أن فروعاً معينة لمؤسسة الحرمين الخيرية متورطة في تمويل الإرهاب، ثم بدأت هذه الدوائر الاستخبارية بالربط بين مؤسسة الحرمين الخيرية وتفجير عام 1998م في شرق أفريقيا... ومساعدة تنظيم القاعدة بوجه عام.... وسعت الولايات المتحدة للحصول على معلومات وتقارير من السعوديين عن موظفي مؤسسة الحرمين في جميع أنحاء العالم وصلاتهم بابن لادن ولكنها لم تتلق تجاوباً يذكر"، ص 115.

"ويشك البعض في الولايات المتحدة في أن السعوديين على الأقل غضوا النظر عن المشكلة التي سببتها الجمعيات الخيرية خلال هذه الفترة بالرغم من أن آخرين يختلفون مع هذا الرأي بشدة"، ص 116.

يتحدث التقرير بصراحة عن ضغوط الحكومة الأمريكية على الحكومة السعودية لاتخاذ إجراءات عملية تحجم نشاط المؤسسات الخيرية السعودية في الخارج، وأن السعوديين في المقابل كانوا يطلبون من الأمريكيين تقديم معلومات يمكن على أساسها اتخاذ الإجراءات المطلوبة، ولكن الأمريكيين يفشلون في تقديم مثل هذه المعلومات كما لا يخفي التقرير أن الأمريكيين لم يتمكنوا من الضغط على الحكومات المضيفة لفروع مؤسسة الحرمين باتخاذ إجراءات ضدها لعدم وجود أدلة كافية تبرر قانونية اتخاذ مثل هذه الإجراءات، إذ أن هذه الفروع مسجلة لدى الحكومات المضيفة بصفة رسمية، ولها وجود قانوني ويحميها النظام القانوني في الدول الموجودة فيها.

يقول التقرير: "نحن لم نقدم معلومات كافية للسعوديين لكي يتحركوا ضد الجمعيات الخيرية، مثل مؤسسة الحرمين"، ص 116.

"الولايات المتحدة لم تتمكن من الضغط على السعوديين لأن المعلومات الاستخبارية التي كانت تملكها حول مؤسسة الحرمين، وآلية تمويل تنظيم القاعدة بشكل عام، كانت قليلة جداً، ولم يرغب المسئولون في مواجهة السعوديين بمجرد شبهات... قال أحد المسئولين في مجلس الأمن القومي بأنه كانت هناك بعض المعلومات الاستخبارية عن الجمعيات الخيرية ولكنها لم ترق إلى مستوى التحرك من خلالها ضد جمعية خيرية بعينها وقال: قد يكون أحد الأشخاص متورطاً ولكن هذا لا يبرر إغلاق جمعية خيرية على هذا الأساس، ومن وقت لآخر أبت حكومة الولايات المتحدة على تقديم بعض المعلومات المنتقاة التي لا صلة لها بالموضوع، ولكن هذه الطريقة أدت إلى التقليل من أثر الاستخبارات"، ص 116-117.

"بكل بساطة كما هو الحال قبل الحادي عشر من سبتمبر فإن المعلومات الاستخبارية ضد مؤسسة الحرمين لم تكن كافية لممارسة الضغوط على الحكومة السعودية لاتخاذ خطوات صارمة ضد تلك المؤسسة، وكما أثبتت إحدى الأوراق الإستراتيجية في بداية عام 2م، بأنه على الولايات المتحدة أن تقوم بجمع أدلة أكثر قوة ومصداقية ضد مؤسسة الحرمين، لكي يتم تقديمها إلى الحكومة السعودية لضمان التعاون من جانب السعوديين، بالرغم من أن الدوائر الاستخبارية عبرت مراراً عن مخاوفها من أن مؤسسة الحرمين غير بريئة، إلا أن آخرين اعترضوا بأن المعلومات الاستخبارية التي تم تقديمها إلى صناع القرار، إما أنها كانت تتحدث عن تمويل التطرف أو الأصولية وليس الإرهاب أو أنها كانت تفتقر إلى الدقة" ص 118.

"في عام 2002م، قال السعوديون مراراً إنهم مستعدون لاتخاذ إجراء ضد مؤسسة الحرمين إذا زودتهم حكومة الولايات المتحدة بمعلومات خصوصاً حول بعض الفروع والأشخاص... وعلى سبيل المثال في أكتوبر عام 2002م، عبر وكيل وزارة الخارجية الأمريكي... لولي العهد السعودي على قلقه من أنشطة بعض فروع مؤسسة الحرمين وأجاب ولي العهد بأنه على استعداد للتصرف على أساس أي معلومات محددة يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة... بالرغم من أن قاعدة المعاملة بالمثل كانت قائمة بين الحكومتين، إلا أن حكومة الولايات المتحدة لم تطلع السعوديين على المعلومات الاستخبارية التي كانوا يظنون أنها موجودة لدينا" ص 120.

قال التقرير: "في17 يناير 2002م، قام مساعد وزير الخارجية الأمريكي... بتقديم طلب إلى ولي العهد السعودي... بتجميد الحسابات المصرفية لثمانية من الهيئات والأفراد السعوديين بما فيهم المكاتب الفرعية لمؤسسة الحرمين في البوسنة والصومال.. السعوديون كانوا بطيئين في استجابتهم لطلب الحكومة الأمريكية حول مكتبي مؤسسة الحرمين، لقد تم رفع الموضوع إلى مستويات عليا في الحكومة الأمريكية، على سبيل المثال قام وزير الخزانة الأمريكي... بإثارة الموضوع أثناء زيارته للسعودية في مارس 2002م، وفي النهاية وافقت الحكومة السعودية على المشاركة في تصنيف مكتبي مؤسسة الحرمين في البوسنة والصومال على أنهما جهتان داعمتان للإرهاب، بالرغم من أنها لم توافق على تصنيف الستة الباقين أي الهيئات والأفراد... وفي 11 مارس 2002مم، قامت الحكومتان بتصنيف مكتبي الحرمين في البوسنة والصومال، جهتين داعمتين للإرهاب وتجميد أرصدتهما"، ص 118-119.

"وحتى بعد أن قامت الحكومة السعودية بتجميد أرصدة مكتب مؤسسة الحرمين في البوسنة في مارس 2م نفى أحد المسئولين السعوديين الكبار أمام الصحافة تورط مكتب مؤسسة الحرمين في البوسنة في أي أعمال غير صحيحة" ص 122.

واضح من النص أن الحكومة الأمريكية حينما طلبت تصنيف الهيئات والأفراد السعوديين الثمانية جهات داعمة للإرهاب، لم تقدم دليلاً على اتهاماتها، ولذلك لم تستطع الحكومة السعودية الاستجابة لضغط الحكومة الأمريكية فيما يتعلق بالأفراد والمؤسسات التجارية، من بين المذكورين في القائمة، واكتفت باتخاذ الإجراء ضد مكتبي مؤسسة الحرمين مع أنها كانت غير مقتنعة باتهامهما بدعم الإرهاب.

مع فشل الحكومة الأمريكية في تقديم أدلة أو على الأقل معلومات تسند بصفة معقولة الاتهام الموجه لمؤسسة الحرمين الخيرية وغيرها من المؤسسات الخيرية السعودية، إلا أن الأمر ـ نتيجة للضغوط التي مارستها الحكومة الأمريكية ـ انتهى بقفل كل مكاتب مؤسسة الحرمين خارج المملكة، إلا أنه لم يتخذ أي إجراء ضد أي موظف سعودي أو أجنبي عامل في تلك المكاتب، أو له سلطة عليها لسبب واضح، هو عدم وجود أدلة تنهض لإسناد الاتهام أو تقديم الشخص للقضاء.

وحرم الناس من كل الأعمال والأنشطة الإنسانية التي أوضح عنها التقرير في الفقرة (1) أعلاه، يقول التقرير:" لقد استجاب السعوديون للضغوط الأمريكية المتزايدة... من خلال تبني بعض السياسات لمكافحة الإرهاب، وقد شملت تلك الإجراءات الحصول على تصريح مسبق من وزارة الشؤون الإسلامية لتحويل الأموال الخيرية إلى الخارج، وكذلك الحصول على موافقة الحكومة بالنسبة لجمع الأموال الخيرية... داخل المملكة، ومراقبة حسابات الجمعيات الخيرية من خلال التدقيق الرسمي لهذه الحسابات، وكذلك تقديم تقارير عن الإنفاق وزيارة المواقع" ص 122.

"في يوم 12 مايو 2003م، قامت عناصر من القاعدة بتنفيذ ثلاث تفجيرات في أحد المجمعات السكنية في الرياض... ومنذ ذلك الوقت قامت الحكومة السعودية باتخاذ عدد من الخطوات الهامة والملموسة لوقف تدفق الأموال من السعودية إلى الإرهابيين، وفي خطوة من أهم خطواتها بعد التفجيرات قامت الحكومة السعودية برفع صناديق التبرعات من المساجد... وقد وصف سفير الولايات المتحدة في المملكة العربية السعودية رفع صناديق التبرعات بأنه حدث صعب... وفي 24 مايو 2003م، اتبعت الحكومة السعودية خطواتها بفرض المزيد من القيود على النشاطات المالية للجمعيات الخيرية السعودية تضمن ذلك ... تقوية الإجراءات المطلوبة للتحقيق من هوية العميل بالنسبة للحسابات الخيرية... ومنع دفع المبالغ النقدية من الحسابات الخيرية... وحظر استخدام الصراف الآلي والبطاقات الائتمانية من قبل الجمعيات الخيرية، ومنع تحويل الأموال من حساب الجمعيات الخيرية إلى خارج المملكة العربية السعودية" ص 124.

وبالرغم من طبيعة الإجراءات التي اتخذت نتيجة للضغوط الأمريكية تجاه المؤسسات الخيرية، فإنه يبدو أنها لم تكن كافية لتلبية رغبة الحكومة الأمريكية في تحجيم العمل الخيري الإسلامي، فالتقرير يختم هذا الفصل بقوله: "لقد قطعت الحكومة السعودية شوطاً بعيداً في معرفة حجم مشكلتها مع الإرهاب... وسنرى عما إذا كانت في الحقيقة سوف تتحمل مسئوليتها الذاتية عن المشكلة"، ص 130.

إنه لا شك أمر حري بأنه يثير القلق لدى كل مهتم بالقيم الأخلاقية الكونية، حقيقة أن محرري التقرير وهم يعرضون الإجراءات الشاملة التي اتخذت تجاه المؤسسات الخيرية وآثارها، كانوا مطمئنين إلى أن الكونجرس الأمريكي سوف يتقبلها بضمير هادئ، وأنه سيراها منسجمة مع تصوره لقيم العدل وحكم القانون والحريات المدنية والعمل الإنساني، مادام الأمر يتعلق بالمسلمين!!.

على كل، فإن ما يهم هو الحقيقة التالية:

عندما تكون قدرات الرقابة والتجسس قدرات خارقة.

وعندما تستمر الرقابة لمدة طويلة.

وعندما يكون موضوع الرقابة مكشوفاً، لم يخطر في باله أنه مراقب، فلم يتخذ أي احتياط ضد الرقابة.

وعندما يكون الدافع للحصول على معلومات، تسند الاتهام دافعاً جدياً وملحاً.

وعندما تكون النتيجة العجز الكامل عن الحصول على مثل هذه المعلومات. أليست نتيجة هذه المقدمات الدليل القاطع على أن الاتهام كاذب من أساسه وليس فقط على تخلف دلائل إثباته؟.

فيما عدا تقرير لجنة الحادي عشر، ظلت الوقائع تتكشف، وتكشف زيف الاتهام الموجه للمؤسسات الخيرية السعودية، فعلى سبيل المثال، في 7 يوليو 2006م، نشرت صحيفة النيويورك تايمز، قصة الجزائري، مدير مكتب مؤسسة الحرمين الخيرية السعودية في تنزانيا، حين اختطف واتهم بالتخطيط لعمليات إرهابية، أغلق على إثر ذلك المكتب.

وتتلخص قصته في أنه في يوم 10 مايو 2003م، بدأت عملية اختطافه بالقبض عليه، وهو يتجه إلى مكتبه وتداولته عدة سجون في بلدان مختلفة، حتى انتهى به الأمر إلى سجن باغرام الرهيب في أفغانستان، حيث تعرض للتعذيب، وبعد ستة عشر شهراً، أطلق سراحه واعترف سجانوه بأن القبض عليه وسجنه وقع خطأ.

يمكن للقارئ الرجوع إلى مقال النيويورك تايمز المعنون.

Algerian Tell Of Dark Term in U.S. hands

لكي يطلع على التفاصيل المرعبة لاختطافه والتعذيب الذي أوقع عليه، والذي لا تزال آثاره ظاهرة على جسمه.

ولنتذكر أنه منذ عام 1998م، وحتى الآن ظل الإعلام الأمريكي وتصريحات السياسيين، تتهم مؤسسة الحرمين في تنزانيا بالضلوع في حادث تفجير السفارة الأمريكية في تنزانيا ولكنها لم تتمكن من اتخاذ إجراء ضد مكتب المؤسسة لعدم وجود المبرر القانوني لاتخاذ إجراء ضده، ولم يغلق المكتب إلا بعد اختطاف مديره واتهامه بالتخطيط لعملية إرهابية.

ثم لم يعد فتح المكتب حتى بعد أن أطلق سراح مديره واعترفت الإدارة الأمريكية بأن الاتهام الذي وجه إليه زائف.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

محمد الخير

كم أنت باحث مثابر وعميق ولك كتاباتك القيمة والتي أجلت الصورة عن الهجوم الكاسح على الإسلام وأعماله الخيرية