أمريكا في العراق: من إخفاق المشروع إلى الاحتلال طويل المدى

2007-9-20 | د. بشير موسى نافع أمريكا في العراق: من إخفاق المشروع إلى الاحتلال طويل المدى

طبقاً لتقرير وكالة متخصصة نشرته الأوبزرفر البريطانية يوم الأحد الماضي، السابع عشر من هذا الشهر، فإن عدد الضحايا العراقيين الذي سقطوا منذ بداية الغزو الأمريكي للعراق يقدر الآن بمليون ومائتي ألف. الضحايا المدنيون هم بلا شك العامل المسكوت عنه في الحرب الدائرة علي أرض العراق منذ أربعة أعوام ونصف العام. فتقرير الجنرال بترايوس والسفير كوكر، مثلاً، الذي سيطر على جدل الحرب والخطط الأمريكية لمعالجتها خلال الأسبوعين الماضيين، لم يشر مجرد إشارة إلى الضحايا العراقيين، وكأن هؤلاء لا مكان لهم في التقدير الإستراتيجي الأمريكي للوضع العراقي. ولكن هذا هو جانب واحد فقط في كشف حسابات الفشل والنجاح.

الإنجازات الوحيدة التي سلط عليها تقرير بترايوس ـ كروكر الضوء، والتي يمكن الإقرار بها بالفعل، هي تلك المتعلقة بتراجع نسبي في معدلات ضحايا الصراع الطائفي، سيما في بغداد الكبرى، وبانقلاب عشائري في محافظة الأنبار على تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، ما أدى إلى إضعاف ملموس للقاعدة في المحافظة. غير ذلك، فالمشهد الأمريكي في العراق يغلب عليه الفشل، وهذا لا جدال فيه.

العملية السياسية، المصطلح الإمبريالي الجديد لإعادة بناء الدول الواقعة تحت السيطرة الأجنبية، وصلت إلى حائط مسدود. فبعد انسحاب كتلة التيار الصدري الشيعية من الحكومة، جاء انسحاب كتلة التوافق السنية، والكتلة العراقية ذات التوجه العلماني. ولم يكد المسؤولان الأمريكيان الكبيران ينتهيان من تقديم تقريرهما للجان الكونغرس المختصة حتى أعلن الصدريون انسحابهم من التحالف الشيعي، الذي يشكل ركيزة الحكومة الحالية. وقد جاء انسحاب الصدريين من التحالف الشيعي بعد انسحاب حزب الفضيلة من التحالف ذاته قبل شهور.

ما قام به المالكي وحلفاؤه في جماعة الحكيم من تأسيس تفاهم رباعي قلق في الشهر الماضي مع الحزبين الكرديين، ربما ساعد على ضمان الحد البرلماني الأدنى لحكومة المالكي، مقابل الإسراع في تنفيذ المطالب الكردية في كركوك ومحاصصة الثروة النفطية، ولكنه في المقابل أسرع من عملية التشظي السياسي التي يعيشها العراق المحتل. التفاهم الرباعي كان في جوهره تحرك اليائسين، أكثر منه خطوة الانفراج الكبرى لمرحلة سياسية جديدة، كما حاول عرابوه تصويره.

التشظي السياسي هو كلمة السر في عراق اليوم. فالتوافق السنية، بالرغم من اتفاقها علي الخروج من الحكومة، لم تستطع إقناع وزير من وزرائها بالبقاء خارج الحكم. وفي حين تقوم جبهة التوافق بدور تمثيل السنة العرب والدفاع عن مصالحهم، تشن حرباً شعواء علي هيئة العلماء المسلمين، وتعجز عن استيعاب الكتلة النيابية الصغيرة التي يقودها صالح المطلق. أما علي الجانب الشيعي، فالأمور أسوأ بكثير.

التحالف الشيعي، الذي شكل بمباركة من علماء النجف ليقود الدولة الجديدة باسم الطائفة، عاد إلى ما كان عليه أصلاً: كتل متصارعة علي المال والثروة والنفوذ والمواقع الأمنية والعسكرية.

الإنجازات الأمنية المدعاة في بغداد والأنبار يقابلها اندلاع حرب حقيقية، من صدام الميليشيات والاغتيالات، في المحافظات الجنوبية، يخوضها الكل ضد الكل، ويصعب فيها فرز جماعة بدر عن جيش المهدي، والأخيرين عن المنشقين عنهم، وهؤلاء عن مسلحي الفضيلة أو المجموعات الأصغر المرتبطة بهذه الجهة أو تلك، أو التي تسعى لتحقيق مكاسب خاصة.

ولا تدور هذه الحرب في الديوانية والرميثة والعمارة والبصرة وحسب، بل وتدور على حصص النفط المنهوب، على طرق التهريب من وإلى إيران، وللسيطرة علي أوقاف وهبات المقامات الشيعية في النجف وكربلاء. وحتى في المنطقة الكردية، التي يسيطر عليها الإقطاع السياسي الذي يقوده البارزاني والطالباني بيد من حديد، ثمة شواهد متزايدة على أن الشعب الكردي ضاق ذرعاً بالحزبين المهيمنين، وبات يسعى بالفعل للتعبير عن نفسه في لغة وأشكال جديدة ومختلفة.

بيد إن الإنجازين الرئيسيين اللذين بني عليهما بترايوس وكروكر تقريرهما يحتاجان أيضاً لبعض التأمل. تراجع أعداد القتلى من المدنيين هو حقيقة لا جدال فيها؛ ولكن السؤال لابد أن يكون إلى أي حد، ولماذا، وبأي تكلفة.

الأرقام شبه الرسمية، الصادرة عن الوزارات العراقية (وهي بالمناسبة أقل بكثير من الأرقام الحقيقية) تشير إلى تراجع معدلات الضحايا شهرياً عن الفترة خلال نهاية العام الماضي وبداية هذا العام. ولكن الأرقام الحالية تتطابق مع معدلات الضحايا المدنيين خلال 5م، العام الذي شهد الانهيار الكامل والملموس للمشروع الأمريكي في العراق في صيغته المبكرة.

الضحايا العراقيون جراء العمليات العسكرية للقوات الأمريكية وقوات النظام العراقي هي في ازدياد، وكذلك هي أعداد ضحايا اشتباكات الميليشيات المختلفة. أما أعداد المعتقلين العراقيين فقد تجاوزت الستين ألفاً، لتصل إلى مستويات غير مسبوقة في مسيرة الاحتلال، بل وتاريخ أي احتلال إمبريالي سابق.

ما حدث في بغداد على وجه الخصوص هو تطور يشير إلى الحلقة المفرغة التي يدور فيها نظام الاحتلال. فقد صاحب تراجع العنف الطائفي، ونجم عنه، تقسيم المدينة إلى أحياء منفصلة كلية عن بعضها البعض، سواء بوصول التطهير الطائفي إلى نتائجه الأخيرة، أو بفعل عدد متزايد من الأسوار العازلة التي حولت العاصمة العراقية التاريخية إلى فضاءات جغرافية محدودة، تودي مغامرة الخروج منها في الكثير من الأحيان إلى الموت.

كما تعيش دولة ما بعد الغزو والاحتلال سجينة المنطقة الخضراء، بات سكان العاصمة العراقية يعيشون سجناء أحيائهم المطهرة طائفياً. وفوق ذلك كله، فإن الإنجاز الأمني في بغداد وجوارها، لا يمكن أن تدعيه قوات الاحتلال ووحدات أمن النظام؛ فالواقع أن أمن الكثير من أحياء بغداد قد عهد به إلى الأهالي أنفسهم، الذين اضطرت إدارة الاحتلال إلى تسليحهم من جديد، بعد أن قضت سنوات الاحتلال الأولي تحاول نزع سلاحهم.

وهذا ما يأخذنا إلى الأنبار، والمناطق الأخرى التي تجري الآن محاولة نسخ التجربة الأنبارية فيها، مثل سامراء وديالي. فما شهدته المحافظة التي تشكل ثلث مساحة العراق خلال العام الماضي، وهي التي سجل فيها انطلاق المقاومة العراقية للاحتلال، لم تكن له علاقة أصلاً بخطة وتصور أمريكيين استراتيجيين.

فمنذ أن أطلقت القاعدة مشروع دولة العراق الإسلامية الجنوني، وضعت نفسها تلقائياً في صدام مع العشائر وتقاليدها. أعطت القاعدة لنفسها شرعية النطق باسم الدين، واعتدت علي أرواح الناس وممتلكاتهم وحرماتهم ومصادر عيشهم.

وكان طبيعياً بالتالي أن تنتفض العشائر في وجه القاعدة، لاسيما بعد أن اتسع نطاق الهوة الفاصلة بين القاعديين وقوي المقاومة الأخرى. وفي كثير من الحالات، وجدت عناصر المقاومة نفسها تقاتل في صف العشائر، ما أصبح استبداداً أهوج ومشروعاً يحمل في طياته تبرير ما تسعي إليه جماعة الحكيم من تقسيم للبلاد.

الأمريكيون جاءوا متأخرين نسبياً إلى هذا المشهد، وامتطوا، في لحظة يأس وقنوط بالغين، حصان عشائر الأنبار، وهم يجيرون اليوم نجاح هذه العشائر النسبي لصالحهم.

والمشكلة في هذا الوضع ليست في قيام القاعدة باغتيال الشخصية الرئيسية وراء تصدي العشائر للقاعدة، بينما بترايوس وكروكر يقدمان تقريرهما للرأي العام الأمريكي، ولا في أن ثلث الخسائر الأمريكية في العراق يقع حتى اليوم في الأنبار، ولا في أن الصراع بين العشائر والقاعدة لا علاقة له بقوى المقاومة الأخرى، ولكن أصلاً فيما سيترتب على التسليح واسع النطاق لقوى عشائرية على المدى البعيد، سواء بالنسبة للاحتلال نفسه أو بالنسبة للنظام الذي ولد من رحم الاحتلال.

بيد أن من الضروري الاعتراف بأن تقرير بترايوس ـ كروكر يمثل نجاحاً فعلياً لإدارة بوش. وربما تنبغي الإشارة، على أية حال، إلى أن اللغة التي استخدمها السفير كروكر في دفاعه عن التقرير، تختلف إلى حد ملموس عن تلك التي استخدمها الجنرال بتريوس.

فالسفير الذي يعرف المنطقة العربية جيداً، لغة وثقافة، وبحكم التجربة الطويلة، والذي سبق أن عارض الحرب على العراق، أوضح بما يكفي أنه لا يتوقع نصراً في العراق، وأن أقصي ما يمكن السعي إلى تحقيقه هو إقامة نوع أولي من الاستقرار.

الأهداف الكبرى التي أسس عليها مشروع الغزو والاحتلال هي في عرف كروكر مستحيلة التحقق. ومع ذلك، فقد نقل التقرير الجدل بين الإدارة ومعارضيها في الكونغرس، من نطاق القضايا الكلية المتعلقة بجدوى الاحتلال وإخفاق المشروع الأمريكي في العراق إلى دائرة التكتيكات الصغيرة المتعلقة بهذا الإجراء أو ذاك. وبإعلان الرئيس عن بدء خفض ضئيل وبطيء في تعداد القوات الأمريكية، ربما يكون نجح أيضاً في إيقاف تسرب أعضاء مجلسي النواب والشيوخ الجمهوريين من معسكر الموالاة إلى المعارضة.

ليس ثمة أدلة على أن الرأي العام الأمريكي ابتلع طعم تقرير بترايوس - كروكر وبيانات إدارة الرئيس بوش الابن الموازية، ولكن الأكثرية الديمقراطية في الكونغرس، أصبحت أقل قدرة على إحراج الإدارة والتضييق على سياساتها. فما الذي يعنيه هذا التطور للوجود الأمريكي في العراق؟

منذ بداية الاحتلال، سيما بعد أن تحقق إخفاق المحتلين في القضاء على المقاومة العراقية، والقطاع الأكبر من المراقبين يؤكد على اختلاف الحرب في العراق عن التجربة الأمريكية في فيتنام. مسائل الاختلاف أصبحت مكررة: أن الجيش الأمريكي الحالي هو جيش من المحترفين، وليس كما كان عليه الحال من غلبة المجندين في فيتنام؛ أن عبء الخسائر البشرية والمادية في العراق لم يصل بعد إلى مستوى لا يمكن احتماله؛ إضافة إلى افتقاد القوى المسلحة في العراق، سيما المحسوبة على المقاومة السنية العربية، دعماً دولياً وإقليمياً، مثل الدعم السوفييتي ـ الصيني للفيتناميين الشماليين.

هذا كله، بهذه الدرجة أو تلك، صحيح. ولكن العراق يستدعي فيتنام بطريقة أخرى. الإدارة الأمريكية الحالية لن تنسحب من العراق، وهي تخطط لوجود عسكري طويل المدى فيه. وليس ثمة ضمانة لأن يتغير جوهر هذه السياسة سريعاً في ظل الإدارة الأمريكية القادمة بعد خمسة عشر شهراً، جمهورية كانت أم ديمقراطية. ولكن الإدارة، بخلاف ما حاول تقرير بترايوس ـ كروكر قوله، تدرك أنها تواجه وضعاً أمنياً وسياسياً متدهوراً في العراق، وأن إنجازاتها المحدودة قد لا يمكن المحافظة عليها على أية حال.

الخشية الهائلة من العواقب الإستراتيجية لقرار الانسحاب من العراق، من ناحية، والعجز عن تحقيق أهداف الاحتلال، من ناحية أخرى، قد يؤديان إلى واحد من طريقين: الأول، هو الاعتراف بتعقيدات الوضع العراقي، وأن الفشل والإخفاق نجما عن مشروع الغزو والاحتلال نفسه، وعن مجمل السياسات التي اعتمدت لإعادة بناء العراق على أسس طائفية وإثنية، ومن ثم التعامل بعقلانية مع واقع الفشل والإخفاق ومع القوى المعارضة للاحتلال.

والثاني، هو التصميم علي المسار الحالي، ومحاولة تأبيد الوجود الأمريكي في العراق بتوسيع نطاق الحرب والموت والدمار في العراق وجواره، تماماً كما حدث في فيتنام. في هذه الحالة ستكون الإدارة الأمريكية في طريقها إلى تحويل إخفاقها في العراق إلى حرب طويلة مع العرب والمسلمين، بكل ما يترتب عن ذلك من عواقب على مستقبل شعوب المنطقة والعالم، وعلى مستقبل تدافع القوى الدولية الكبرى.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

محمد الأسمري

التحليل والرؤية والمعلومات هنا ممتازة والمقال يستحق بحق أن يكون في البنر الأعلى، لكن المشكلة أن العواطف تأخذنا أبعد مما ينبغي.