ما الذي يدل عليه التحالف الرباعي بالنسبة لمستقبل العراق؟

2007-8-22 | د. بشير موسى نافع ما الذي يدل عليه التحالف الرباعي بالنسبة لمستقبل العراق؟

الإعلان في الأسبوع الماضي عن تشكيل تحالف في العراق بين الحزبين الكرديين الرئيسيين وحزبي الدعوة والمجلس الأعلى الشيعيين، هو تطور هام.

ولكن أهمية هذا الإعلان، لا تتعلق بتحريك العملية السياسية أو إنقاذها وحراستها، ولا تتعلق بحماية نظام ودستور ارتبطا ارتباطاً وثيقاً بالغزو والاحتلال، ولا حتى بمحاولة إطالة عمر حكومة المالكي. هذه عناصر ضرورية لبناء خطاب تسويغ التحالف الرباعي، أو تحالف المعتدلين كما أسماه أصحابه. الأهمية الحقيقية تتركز في قضية أخرى، لم يكن من السهل على المتحالفين أو اللائق التصريح بها الآن.

تعرف الأطراف المعنية بالعراق، الإقليمية والدولية، على السواء، أن نظام الحكم الحالي في بغداد هو مجرد صورة وهمية، وأن قدرته علي البقاء بمعزل عن الحماية التي توفرها القوات الأمريكية، مستحيلة.

حكومة المالكي ذاتها، وصلت منذ زمن إلى نهاية عمرها الافتراضي. قدرة هذه الحكومة علي الإنجاز في مجالات الخدمات والأمن، كما كل الحكومات السابقة لها، معدومة. وهي حكومة طائفية، لا تقل طائفية عن حكومة الجعفري ووزرائها القتلة، حكومة لا ترغب ولا تستطيع بناء قاعدة إجماعية عراقية. أما نظرة القوى الإقليمية لهذه الحكومة، بما في ذلك المحيط العربي، فهي نظرة استخفاف واحتقار.

أقام الاحتلال مسخاً في العراق، أطلق عليه اسم دولة، وفي كل محاولات ملء هذا المسخ بعناصر وقيادات ومؤسسات قابلة للحياة، واجه المحتلون وحلفاؤهم من العراقيين إخفاقاً تلو الآخر. وبالرغم من أن من الصعب التنبؤ بخطوة جبهة التوافق القادمة، فإن خروجها الجزئي (طارق الهاشمي لم يزل في موقعه، ولم يزل يتفاوض) من النظام وحكومته هي خطوة ضرورية، تأخرت طويلاً.

كان تحليل الحزب الإسلامي المبكر (وهو عماد جبهة التوافق) في ضرورة ألا يعزل العرب السنة أنفسهم نهائياً عن العلمية السياسية، صحيحاً. فقد استخدمت القوى الطائفية والعرقية الحليفة للاحتلال المقاومة التي انطلقت في المناطق ذات الأكثرية العربية السنية، ومقاطعة أغلبية القوي والشخصيات العربية السنية للعملية السياسية، مبرراً لإبادة العرب السنة وتحطيم مناطقهم وصنع واقع يؤسس لتقسيم العراق والإطاحة بوحدته أرضاً وشعباً. ما لم يدركه الحزب الإسلامي وقادة التوافق أن ما هو صائب في السياسة اليوم، ليس بالضرورة صائباً دائماً.

ما حدث في النهاية أن التوافق أصبح أداة لتمرير مشروع دستور بشع، طائفي، وتقسيمي، ومصدر تهديد لبقاء العراق وهويته وسلام شعبه. ولم يكن غريباً بالتالي، أنه ما إن أقر الدستور، حتى دخل العراق دوامة عنف أهلي كادت أن تدفعه إلي حرب أهلية طاحنة.

الاعتقاد بأن حادثة تفجير مقام العسكريين في سامراء، هي التي فجرت العنف الأهلي، هو اعتقاد ساذج وتبسيطي، يرتكز إلى تحليل ينم عن الكسل الذهني أو التضليل. انفجر العنف لأن الجميع استشعر أن الوطن لم يعد وطناً، وأن البلاد في طريقها للانقسام إلي مناطق نفوذ، يفوز بالحصة الأكبر منها من يحسم ميزان القوي الطائفي والفئوي أولاً لصالحه.

المهم، أن الوعود التي قدمت بتعديل الدستور سرعان ما تبخرت، وشكلت الحكومة الجديدة، التي افترض أنها حكومة دائمة، على الأساس نفسه الذي بني عليه نظام ما بعد الاحتلال: المحاصصة الطائفية والعرقية، وسيطرة فئة صغيرة علي القرار.

في مثل ظروف العراق الحالية، أصبحت الحكومة أسيرة لحسن أو سوء نوايا رئيسها، وليس لقواعد وأنظمة وقوانين ثابتة يجمع عليها العراقيون. وقد أظهر المالكي من سوء النوايا ما لم يقل عن من هم قبله، إن لم يزد بكثير.

وكان لا بد بالتالي من أن يتسارع انحدار البلاد نحو الفوضى والعجز وفقدان الثقة المتبادلة بين شخصيات الطبقة التي فرضها الاحتلال علي العراقيين. خروج التوافق من الحكومة، وما تلاه من تجميد وزراء القائمة العراقية لمشاركتهم في الحكم، لم يكن سبب وصول العملية السياسية والحكومة إلى حافة الانهيار وجردها من الشرعية.

الانهيار وفقدان الشرعية، كانا هناك من البداية؛ ولكن خطوة التوافق والعراقية مثلت الإعلان الرسمي عنهما. حتى الأمريكيين وصلوا إلى ذات الاستنتاج منذ شهور؛ ما دفعهم إلى الحفاظ على الوضع الحالي، كان الخشية من انهيار سياسي كامل في المنطقة الخضراء، في وقت تحتاج واشنطن المحافظة على وهم الاستقرار، لتحسين فرص التقرير المقرر أن تقدمه قيادة الاحتلال الشهر القادم حول جدوى الإستراتيجية الأمريكية في العراق.

إلى أين سيذهب التوافق من هنا؟ لا أحد يمكنه التوقع؛ فقد أظهر قادة التوافق من قبل القليل من الصلابة والتصميم، كما أظهروا قابلية للانصياع للضغوط، الأمريكية منها على وجه الخصوص. ولكن استخفاف التوافق، والقوى السياسية الأخرى المعارضة لحكومة المالكي، بقدرة التحالف الرباعي على إنقاذ النظام والحكومة، هو استخفاف مبرر بلا شك.

التحالف الرباعي، مثلاً، لا يضيف دعماً برلمانياً جديداً للمالكي، فأطرافه شريكة في الحكومة أصلاً، وتصب أصواتها لصالحها. الحقيقة أن الدعم البرلماني للحكومة قد انهار تماماً، والتحالف الرباعي يوحي بانقسام نهائي في الدعم الشيعي البرلماني للمالكي، إلى جانب فقدانها دعم كتلتي التوافق والعراقية وممثلي الفضيلة؛ وهو الانقسام الذي سيستفحل، إن تعرضت إيران لهجوم أمريكي بشكل من الأشكال.

أما الحفاظ على النظام والدستور، فهي مهمة مائتي ألف من الجنود الأجانب الذين يحتلون البلاد. ويدرك الموقعون الأربعة على بيان التحالف، أن وجود هذه القوات لا يضمن وجود النظام الذي يديرونه وحسب، بل ووجودهم الشخصي في العراق كذلك. بدون قوات الاحتلال، سينهار المعبد علي من فيه، أو علي كل من سيتأخر عن الفرار منه.

المسألة اللافتة في كل هذا، أنه وبالرغم من تصريحات قادة التحالف الرباعي المعبرة عن حرصهم على انضمام جبهة التوافق، أو على الأقل الحزب الإسلامي، إليهم، فإن عدداً من المؤشرات السابقة واللاحقة لإعلان بيان تشكيل الجبهة، توحي بأن الأربعة لم يكونوا حريصين فعلاً على التحاق السنة العرب. كما أن البنود التي ضمها بيان الجبهة ليست أكثر من لغو لا قيمة له. فلا مسألة كركوك يمكن حسمها باتفاق الأربعة، ولا مسألة تقسيم الثروة النفطية، ولا مجمل القضايا الرئيسية التي أشار إليها البيان.

العراق السياسي المحتل منقسم على ذاته، بغض النظر عن وزن وقيمة وفعالية مختلف الشخصيات والمجموعات السياسية التي طفت على سطحه منذ 2003م. وعندما يكون الانقسام بعمق وحجم ما يشهده العراق اليوم، فإن من المستحيل، ومن العبث، التعامل مع إشكاليات كتلك التي يعد تحالف الأربعة بالعمل علي حلها. لماذا إذن هذه الجبهة؟ لماذا الإعلان عنها الآن، وما الذي تعنيه للتوقعات القريبة لمستقبل العراق؟

سواء صرحت القوى السياسية المختلفة أو لم تصرح، فإن الوضع في العراق يدخل الآن بداية مرحلة الحسم. الترقب الشديد لتقرير قائد قوات الاحتلال والسفير الأمريكي في بغداد، وتصور أن مستقبل العراق يرتبط بما سيعلنه التقرير، هو تصور في غير محله.

منذ أطلقت إستراتيجية زيادة عدد قوات الاحتلال، وأعلن عن أن الحكم على هذه الإستراتيجية مرهون بتقرير أيلول (سبتمبر)، كان واضحاً أن التقرير سيصاغ في شكل ولغة غير حاسمة. السياسات الكبرى للدول الكبرى لا يصنعها جنرالات وسفراء، مهما بلغت مواقعهم وأدوارهم من أهمية. الأرجح، أن تقرير الشهر القادم، سيؤكد على نجاحات للقوات الامريكية في جوانب ما، ويشير إلى عدم تحقيق نجاحات ملموسة في جوانب أخرى.

ولأن من الصعب على العسكرية الامريكية تحمل مسؤولية الإخفاق، فإن التقرير سيؤكد علي أن الحل في العراق هو حل سياسي بالدرجة الأولى، وأن القادة العراقيين السياسيين يتحملون المسؤولية الكاملة في هذا الشأن.

خلف التقرير، قبله وبعده، ثمة إدراك متزايد في واشنطن، في قلب إدارة الرئيس بوش الابن، أن مشروع العراق قد أخفق، وأن لا سبيل لإنقاذه مهما بلغ تعداد القوات الامريكية المحتلة.

ثمة قاعدة عسكرية، يحفظها كل جنرالات الجيوش الغربية، منذ كتب كلاوزفيتز كتابه في الحرب: لا يمكنك أن تعزز الفشل. الإدارة الامريكية هي الآن في معرض إدارة الإخفاق، لا تحويله إلى نجاح؛ في معرض التقليل من الخسائر الإستراتيجية المترتبة على هذا الإخفاق، ومحاولة محاصرته من التفاقم والتأثير على الموقع والدور الأمريكيين في المنطقة والعالم.

آجلاً أو عاجلاً، سيبدأ انسحاب أمريكي تدريجي وبطيء من العراق.

قد يرافق مثل هذه الخطوة، هجوم أمريكي على إيران، يستهدف ضمن عدة أهداف إعطاء انطباع إقليمي ودولي، بأن الولايات المتحدة ما تزال قادرة على القيام بمبادرات إستراتيجية كبرى في منطقة الشرق الأوسط. ولكن بالرغم من تصاعد لغة التوتر بين طهران وواشنطن، فإن مؤشرات الحرب الفعلية، أي التحضيرات السياسية الامريكية الداخلية وعلى المستوي الدولي، لم تبدأ بعد.

يؤثر قرار حرب إيران على القرار الأمريكي في العراق من عدة أوجه؛ ولكن من الضروري عدم المبالغة في هذا التأثير، سيما من المنظار الأمريكي للأمور. ولا يبدو أن تخلي واشنطن عن مشروع توجيه ضربة ما لإيران، سيؤخر من بدء الانسحاب الأمريكي، ولا الهجوم على إيران سيؤدى إلى تحسين حظوظ المشروع الأمريكي في العراق.

استمرار الخسائر الامريكية، الثقل المالي المتزايد للاحتلال، عجز الشتات السياسي المتحالف مع واشنطن في العراق عن بناء دولة ووطن، والضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة، تجعل العراق الآن، وفي شكل متزايد، عبئاً إستراتيجياً أكثر منه جائزة إستراتيجية. ولذا، فقبل نهاية العام على الأرجح، ستعلن الإدارة عن خفض جزئي في تعداد القوات الامريكية في العراق؛ وقد يستمر خفض القوات ببطء خلال العام القادم، عام الانتخابات الرئاسية.

هذا لا يعني أن الإدارة الحالية ستخرج من العراق نهائياً، أو حتى أنها ستتخذ مثل هذا القرار. إدارة بوش الابن لن تعترف بالإخفاق في العراق، وستترك مصير الوجود الأمريكي فيه لمتغيرات الوضع العراقي والمنطقة وللرئيس المقبل في البيت الأبيض.

العراقيون الأربعة الذين التقوا في الأسبوع الماضي، الأكراد منهم والشيعة، يعرفون أن لحظة الحقيقة تقترب. بإعلان أنفسهم جبهة المعتدلين، فإنهم يرغبون في توكيد خصوصية علاقتهم مع الولايات المتحدة، بمعني الانضمام لمعسكر المعتدلين العرب، الذين ترى فيهم الإدارة الامريكية حلفاءها الحقيقيين في المشرق العربي؛ هذا بالرغم من أن واشنطن لم تمنحهم هذا الشرف بعد، أو ربما ستجعلهم ينتظرون إلى أن تنجلي الصورة الإقليمية.

الرسالة الثانية، وهي الأهم، التي تحملها جبهة الأربعة، موجهة للداخل العراقي، للخصوم العراقيين، سواء التيار الصدري في المعسكر الشيعي، أو القوى السياسية السنية وقوى المقاومة. وهي رسالة تستبطن إعلان حرب، بمعنى استعداد الأربعة للذهاب إلى أقصى ما يمكن الذهاب إليه، للحفاظ على مصالحهم ومواقعهم، وللعمل على تقسيم العراق، سيما في حال بدء انسحاب أمريكي ملموس من العراق.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

محمد الفيلي

الى السيد كاتب المقال اود ان اوضح لك بعض الامور المهمه
1- ان الوجود الامريكي في العراق هو في الحقيقه في مصلحة العرب السنه ولو قدر ان انسحبت امريكا من العراق فان الاكراد والشيعه سوف لن يترددوا في سحق اي تمرد سني بالعراق وبكل قسوه وخاصة وهم يمتلكون مئات الاف من المقاتلين والذين هم غير ظاهرين على الساحه الان .
2- قولك ان الحزب الاسلامي في العراق شارك في تمرير الدستور هو قول غير دقيق فالحزب الاسلامي وحتى حين اعلن قبوله بالدستور فانه دعا مناصريه الى عدم التصويت له وفعل كل مايمكن لافشال التصويت على الدستور ولكنه فشل في ذلك لسبب بسيط هو ان السنه العرب في العراق هم اقليه لاتتجاوز نسبتهم 20%
3-الحكومه العراقيه الحاليه ورغم ارتكابها الكثير من الاخطاء فهي حكومه تمتلك قاعده شعبيه وتقف ورائها احزاب لها تجارب كبيره في تعبئة الشارع .
4- القوه الرئيسيه عند الشيعه ليست الاحزاب بل هي المرجعيه العليا في النجف فلو اصدر المرجع الاعلى اشارة لاسقاط اي حكومه وحتى لوكانت محميه من امريكا فانها سوف لن تصمد امام الجماهير المسلحة والمتحمسه لاطاعة المرجعيه ايام معدودات ان لم اقل ساعات .
5- اقول للاخ الكاتب ان معظم الذين يكتبون في الشان العراقي هم اناس يجهلون او يتجاهلون الواقع السياسي العراقي .


عمر كامل حسن

لابد من التأكيد من خطورة هذا التحالف على الوضع الداخلي للعراق.ذلك ان اطراف التحالف الاربعةينفذون اجندة الولايات المتحدة الامريكية من جهة وهم(الحزبان الكرديان),واجندة ايران من جهة اخرى وهما(المجلس الاسلامي الاعلى وحزب الدعوه).وقد بدت ملامح هذا الخطر الداهم من تصريح عمار الحكيم الذي يقود الائتلاف الشيعي خلفا لوالده المريض بحديث متلفز بقوله (لدينا خيارات اخرى نتمنى ان لانلجئ اليها ولاتجبرنا الاطراف الاخرى اللجوء اليها)الى هنا انتهى حديث السيد المعمم
السؤال هنا ماالذي يخبأه السيد الحكيم هنا:
ان التفكير الذي يدور في اذهان ساسة العراق الجديد مالذي يجب عمله في حالة انسحاب امريكي وشيك من المدن وتسليم الملف الامني للعراقيين.وبعد تصريح جورج بوش (ان تغيير المالكي هو شأن عراقي ليس للولايات المتحدة دخل فيه وان العراقيين هم من لهم الحق في التغيير وليس للولايات المتحدة )
ان السيناريو الذي يدور في اذهان قادة التحالف الرباعي في حالة الانهيار الحكومي الوشيك وعدم تحخل الولايات المتحدة في ذلك هو:
1-اصرار من قبل هذه الاطراف المنضويه في التحالف على الاستمرار في الحكم وعدم الاصغاء والاهتمام لما يدور حولهم.خصوصا وان انهم اي اطراف التكتل لديهم ميليشيات مسلحة تحتمي وتهدد بها في اي لحظة.
2-تمترس كردي في الشمال يهدد بالانفصال.
33- تمترس شيعي _نسبي)يمثله المجلس السياسي الشيعي الاعلى وحزب الدعوه جناح المالكي في اجزاء من بغداد مسيطر عليه من قبل هذين الفصيلينومعظم محافظات الجنوب اي فرض الامر الواقع على الاطراف الشيعية الاخرى التي تنازعه السيطره وهما(التيار الصدري وحزب الفضيلة)
وفي حالة كهذه سوف يزداد الموقف حدة وتوترا بعد ان تم عزل الفريق السني عن المشهد السياسي تماما وهو ماينذر بصراع داخلي دموي شديد ينذر بحرب الميليشيات المسله ولي حرب الطوائف والقوميات فالشعب العراقي بعيد وبراء من هذه الكتل السياسيه التي تتصارع على سلطة في ظل الاحتلال.