آخر الأخبار

مآلات الخطاب المدني

2007-7-3 | ابراهيم السكران مآلات الخطاب المدني

عشية وداع التسعينات حفل الداخل الإسلامي من خلال مطبوعاته وندواته الخاصة بنقاش غزير ومعالجات متنوعة حول "الحاجة إلى التجديد" و "مشروعية المراجعة" وكان ثمة ترحيب متلهف بأية أطروحات أو استضافات في هذا السياق, وكانت تلك الأطروحات في مجملها أطروحات منتمية تتحاكم للمعايير الشرعية وتطرح "التجديد" مستهدفة تعزيز الحضور الإسلامي وامتداده إلى مناطق جديدة, لا التجديد بهدف إزاحة المحتوى الديني أو تقليص وجوده.

إلا أنه وبعد أحداث سبتمبر 2001م بدأت نغمة الخطاب التجديدي تتغير حميميتها وإن بقيت تدور ضمن شروط الداخل الإسلامي, ولم يعلن سقوط بغداد مطلع العام 2003م إلا وقد سقطت كثير من رايات الانتماء وانسحبت كثير من تلك الأصوات التجديدية من الداخل الإسلامي إلى معسكر مختلف تماماً.

صحيح أنه لاتزال هناك شخصيات تجديدية تحتفظ برزانتها الشرعية واستقلالها السياسي وينتصب أمامها المرء بإجلال صادق -وهم كثير ولله الحمد- إلا أننا يجب أن نعترف وبكل وضوح أنه قد تطور الأمر بكثير من أقلام الخطاب المدني إلى مآلات مؤلمة تكاد عيون المراقب تبيض من الحزن وهو يشاهد جموحها المتنامي.

كثير من تلك الطاقات الشبابية المفعمة التي بدأت مشوارها بلغة دعوية دافئة أصبحت اليوم –ويالشديد الأسف- تتبنى مواقف علمانية صريحة, وتمارس التحييد العملي لدور النص في الحياة العامة, وانهمكت في مناهضة الفتاوى الدينية والتشغيب عليها, وانجرت إلى لعب دور كتاب البلاط فأراقت كرامتها ودبجت المديح, وأصبحت تتبرم باللغة الإيمانية وتستسذجها وتتحاشى البعد الغيبي في تفسير الأحداث, بل وصل بعضهم الى التصريح باعتراضات تعكس قلقاً عميقاً حول أسئلة وجودية كبرى, واستبدلت هذه الشريحة بمرجعية "الدليل" مرجعية "الرخصة" أينما وجدت بغض النظر هل تحقق المراد الإلهي أم لا؟ وتحولت من كونها مهمومة بتنمية الخطاب الإسلامي إلى الوشاية السياسية ضده, والتعليق خلف كل حدث أمني بلغة تحريضية ضد كل ماهو "إسلامي", وغدت مولعة بالربط الجائر بين أحداث العنف والمؤسسات الدعوية, وبالغت في الاستخفاف بكل منجز تراثي, وتحتفي بالأدبيات الفرانكفونية في إعادة التفسير السياسي للتراث وأنه حصيلة صراعات المصالح وتوازنات القوى وليس مدفوعاً بأية دوافع أخلاقية أو دينية, بل ووصل بعضهم إلى اعتياد اللمز في مرويات السنة النبوية وخصوصاً مصادرها ذات الوزن التاريخي واعتبارها مصدر التشوش الاجتماعي المعاصر.

وفي مقابل كل هذا الإجحاف في طرف النص والتراث والمؤسسات الإسلامية تجد اللغةَ الناعمةَ البشوشة في التعامل مع خصوم الحل الإسلامي، وحقهم في الحرية والتعبير, والتفهمَ الودودَ للدراسات التجديفية والروايات العبثية, والتصفيقَ المستمرَّ لكل ماهو "غربي" بطريقة لايفعلها الغربي ذاته, وعَرْضَ الأعلام الغربية بلغة تفخيمية وقورة, وإسقاطَ التجارب العلمانية في التاريخ الأوروبي على مجتمعنا بشكل لايليق بشاب مسلم -كصراع الكنيسة مع العلم والثورة الفرنسية وعصر الأنوار ونحوها- والتركيز على أخطاء المقاومة أكثر من أخطاء المحتل, والمطالبة المستمرة بمواجهة المشروع العسكري الغربي بورود السلام الغاندية.. إلى آخر سلسلة التطورات الموجعة والتي سنشير لها في المناقشات القادمة.

ويستطيع المراقب بكل بساطة أن يقرأ في الخط البياني لهذه المضاعفات المتنامية دور التابلويد الإلكتروني في تصعيد هذا الانحراف, بمعنى أن أكثر هذه التورمات تضخمت داخل هذا الخطاب في سياق التفاعلات الحادة والاستفزاز المتبادل مع المنتديات الإنترنتية المتخصصة في الإسفاف والتجني والمتقنعة بلبوس الاحتساب الفكري, بحيث صار الخطاب المدني الجديد تدفعه مشاعر النكاية والعناد ضد البغي الإلكتروني إلى الامعان في مناقضة الرؤية الإسلامية, ولاأظن عاقلاً ينتقم من رب خصمه لكن هذا ماجرى للأسف!

على أية حال.. أظن أن أبسط مقتضيات الوفاء والحب لهؤلاء الشباب هو المبادرة بالمصارحة بمخاطر هذه التطورات, علنا نستعيد وعينا في زحام السجال, ونستيقظ من أن تتجارى بنا مغاضبة الخصوم ومشاحنة الفرقاء إلى خدش علاقتنا بالله ورسوله وخسارة رأسمالنا الحقيقي.

ولا سيما أن هذا الخطاب الجديد خطاب نشط ومتنامٍ في أوساط الشباب المولعين بالثقافة وذوي المنزع الفكري, ويحظى بحفاوة المؤسسات الاعلامية من صحف وفضائيات وغيرها, حيث ستظل فرص الشاشة والعمود الصحفي مشهداً خلاباً لاتقاومه غريزة تحقيق الذات المتوقدة بداية العمر فيرضخ المثقف/الشاب لشروطها ليحتفظ بها.

هذه المشهد الأليم يفرض قراءته وتأمله, ومن ثم تحليل الفروض الداخلية لهذا الخطاب التي قادته إلى هذه المآلات الموحشة, بهدف إرضاء الله سبحانه وتعالى, وتواصياً بالحق مع كثير من متابعي هذا الاتجاه, وتعزيزاً للثقة الدعوية في الأوساط التربوية والعلمية للاتجاه الإسلامي أمام سلاطة هذا الخطاب وتجريحه المستمر ودعايته المضادة, ونشاطه في التعبئة الإعلامية وتأليب المؤسسات الأمنية ضد العمل الدعوي والتربوي الإسلامي.

والواقع أن هذا الخطاب المدني الجديد يصفه بعض مراقبيه بتصنيفات لايرضاها منتجوا هذا الخطاب ويعدونها "شتيمة خصوم" أكثر من كونها "تصنيفاً إجرائياً" لذلك آثرنا أن نقفز هذه التصنيفات, ونتعرف إلى هذا الخطاب من خلال معجم مفاهيمه المحورية التي تشكل نسيجه الخاص, كمفهوم الحضارة والانفتاح والآخر والتسامح والنسبية والاستنارة والنهضة والمواطنة والأنسنة ونبذ الأدلجة والإقصاء والوصاية والتسييس والدوغمائية والراديكالية... الخ

حيث تحولت هذه المفاهيم من أدوات دلالية محضة إلى "لافتات فكرية" تدفع باتجاهٍ مشترَك ذي قسمات خاصة, حيث تم شحنها بدلالات جديدة ضمن سياق سجالنا المحلي بحيث صارت تحمل مضموناً مذهبياً مترابطاً أكثر من كونها مجرد تقنيات تفسيرية حرة.

ولم نتجاوز تلك التصنيفات إلا بهدف تحاشي اللبس وسوء الفهم, إذ غرضنا هاهنا الاجتهاد في تقديم مناقشة علمية مختصرة للشبكة المفاهيمية التي تغذي هذا الخطاب وتمده بمنظوره الخاص, وليس هدف هذه الورقة النقدية -يعلم الله ذلك- التجريح والإيذاء, أو إسقاط شخصيات بعينها, او الانحياز لجبهة ما, وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للتجرد ويعيننا على تجنب الهوى والتحامل.

ومما يعنينا الإشارة إليه هنا بشكل خاص أننا تجاوزنا التمثيل أو ذكر شخصيات بعينها من هذا الخطاب؛ تفادياً للتعميم، ذلك أننا سنناقش تصورات عامة يتفاوت كتّاب هذا التيار تفاوتاً كبيراً في تبنيها والاقتراب أو الابتعاد عنها, فمستقل من هذه الظواهر ومستكثر, فحشر الأسماء وإقحامها في سياق واحد يوهم اشتراكها في التفاصيل, الأمر الذي يتناقض مع فريضة القسط ومقتضيات الإنصاف.

وقد قسمت هذه الورقة إلى جزئين, أولهما: في قياس علاقة هذا الخطاب المدني بأصول الوحي, والجزء الثاني: في قياس علاقة هذا الخطاب المدني بالفكر الحديث, فهذا هو الجزء الأول منهما وسيتبعه باذن الله الجزء الثاني, ونبتدئ الجزء الأول بعرض موجز حول السياق التاريخي لهذه الظاهرة, وهذا هو أوان الشروع في المقصود.


ملف الدراسة علي هيئة ملف وورد (280 كيلوبايت)


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عبد الله

لايسعني إلا أن أقف احتراما وتقديرا لهذاالفتى الألمعي، صاحب الثقافة الموسوعية، واللغة الجميلة المعبرة، والجنان الجريء..
نفع الله بعلمه الإسلام والمسلمين...


صالح العنزي

رائع ولا أكثر من هذا الطلام .
لكن لدي طلب قليل لكنه كبير في واقعه هذه الآراء لا يستوعبها العامة ومن تنطلي عليهم أراجيف العلمانيين ؛ طلبي هو : لو فقطة هذه المآلات والأخير على شكل نقاط أساسية ومفرع عنها تعليق مختصر.
شكرا جزيلاًللدكتور مستقبلاً ابراهيم السكران


hikmatchefchaouen

شكرا اخي على هذه الدراسة المتميزة عن واقع الخطابات المدنية ، في الحقيقة لك كل الشكر على الكلام الذي ذكرته في المقالة إنه يصب في الإتجاه الحق والصواب ، لهذا يلزم على مدني بعد قراءته لهذه المقالة ان يتبع الخطاب الصحيح والنهج القوم ويبعد نفسه عن خطابات زائفة لا تمت للدين بصلة.

لك كل الشكر والتقدير ودئما في انتظار جديدك


محمد

حسنا فعلت ياالسكران فقد صدمتني فاستيقظت وكنت غافيا


العز

حمداً لله أن هيأ من عباداً من خلقه يبينوا للخلق و ينيروا لهم الدرب. جزاك الله خيراً على هذا الجهد و أسأل الله أن يكون في ميزان حسناتك. دراسة رصينة واثقة وضعت النقاط على الحروف. أرجو من جميع القراء ارسالها الى من يعرفونهم من زملائهم خصوصاً من صوًبوا و تبنوا الخطاب المدني.


سلفي

مالفرق بين هذا الطرح وبين أشرطة المشايخ أمثال المنجد التي تحارب التغيير وتعتبره تساقط وتراجع.
طرح يصلح لدراويش الصحوة


سامي فهد العقيلي

في اعتقادي أن المفكر نعم المفكر ابراهيم السكران في طور النضج الفكري المتسارع تنتظمه مكاشفة للذات والتصورات فإلى الأمام


مسلّم السحيمي

أشكر الشيخ الفاضل والمفكر النابه والكاتب المبدع إبراهيم السكران جزاه الله خير فقد أمتعنا بكتاباته المتميزة والتي تتميز بالعمق والنقد والتحليل والتأصيل والمتتبع لكتاباته يرى صدق ما أزعم .. أسأل الله له دوام التوفيق والسداد ..


أحمد السعدون

شكر الله لك يا شيخ إبراهيم.
بحث مسدد .. شخص الداء ... وصف معه الدواء.
وأجمل ما فيه غناه بنصوص القرآن الكريم.

نعم الإصلاح الديني والإيماني هو المقدم. والدنيا تأتي تبعاً له. ومن عكس فقد ضيع خارطة الطريق.


عبد الله الجاسر

شكر الله لك أخي أبا عمر هذا البيان الكافي الوافي لهذه الظاهرة فقد وقعت على الجرح وأوضحت الحقيقة الأليمة لأولياء هذه الظاهرة

بارك الله فيك وفي جهودك


نوفل بن إبراهيم ـ أوسلو ـ النرويج

جزى الله الأستاذ إبراهيم السكران, كل خير, فمقالاته ممتعة و عميقة جدا و مفيدة, ولكنني استغربت من اعتباره للمغربي عبد المجيد الصغير المحاضر في كلية الآداب والعلوم الإنسانيةفي الرباط بجامعة محمد الخماس, ضمن التيار الفرنكفوني ووضعه الى جانب اركون و الجابري و من لف لفهم لأن الرجل مصنف في المغرب على الإسلاميين رغم انتماءه الصوفي وقد درست عنده نصا لابن سبعين في جامعة محمد الخامس, والرجل من تلامذة المفكر المغربي الشهير طه عبد الرحمن و كلاهما من أعلام مريدي الطريقة الصوفية البوتشيشية في المغرب, لكن لعل حشر عبد المجيد الصغير مع المدرسةالفرنكفونية مرده تاثره بتلك المدرسة مثل زعمه في رسالته للدكتوراه بأن الخلافات بين الفقهاء كان مردها خلافات سياسية,والله أعلم , هذه نقطة لم افهمها من كلام الأخ إبراهيم السكران


وليد

هل بالامكان انزالها على الوورد يا استاذ ابراهيم. بالفعل وضعها الحالي لا يساعد ابدا على القراءة.

دمت للخير


محب إبراهيم السكران

لشيخ إربراهيم صديق عزيز وإنسان رائع وكاتب عميق ومقاله هذا يدل على غيرة صادقة، لكنه ضيق واسعا ، وكتب بعبارات أقرب ما تكون إلى الهجاء ، ولا أدري لماذا لا يتعامل الشيخ إبراهيم مع الخطاب الإسلامي الجديد باعتبارة إضافة جديدة للفكر الإسلامي مثله مثل إضافة أعلام الأشاعرة والصوفية وغيرهم ، مشكلة الشيخ إبراهيم أنه ينطلق من مركزية الخطاب السلفي ويرى أنه الخطاب الذي يجب محاكمة الآخريم إلى فهمه للدين ومن هنا فكل من اختلف معه فهو مذموم ، وأنا أختلف معه جذريا في هذا الفهم وأرى أن المحاكمة يجب أن تكون لكليات الدين فقط وماعداها فغهي اجتهادات مهما بلغ قائلها ولهذا صدمت بشدة وأنا أ{ى كاتبا عميقا مثل الشيخ إبراهيم ينزلق من حيث لا يشعر في هجاء الحضارة الغربية والفلسفة الغربية كما يصنع بعذ المتحمسين من الشباب وفي المقاتبل يصور الحركة الإسلامية بالشمول والفهم والتوازن
آمل من الشيخ أن يعيد كتابة البحث بشيء من الهدوء والموضوعية وألا تكون كتابته ردة فعل على بعض المراهقة الفكرية التي تصدر من بعض الشباب الذين كانوا إسلاميين ثم انحرفوا وجرفهم تيار العلمانية


حمد الزيلعي

ورقات مهمة علها تنبه المتعلقين بأستار الحضارة الغربية الزائفة

شكراً أستاذ إبراهيم


عبدالله الشريف

مع التحية للأخ الزميل ابو عمر
المدخل والمقدمة تنبئ عن موضوع وكتابة عميقة
امل انزالها على ملف وورد لتسهيل الاطلاع عليها كاملة


عبد الله الشريف

مع التحية للأخ ابراهيم الا يمكن تحميل الموضوع على ملف وورد تسهيلا للقراءة


العهد

السلام
دراسه رزينة ومتسلسله وهادفه وانا اتفق معك بكل الامور.
أنصح المثقفين بعدم الانجراف للغلو لانه لايبني...يهدم..لانه يجعل كل وسائلك {معاقة}أمامك.

بارك الله فيك


عبدالعزيز الشاطري

الأستاذ إبراهيم السكران
يسرني أن أكون أول مرحب ، وسأعلق بعد إتمام قراءة المقال الذي يبدو أنه ممتع وشيق ومثير .