آخر الأخبار

معركة 'كسر عظم' مع جماعة الإخوان في مصر

2007-6-3 | محمد أبو رمان معركة 'كسر عظم' مع جماعة الإخوان في مصر

يقدّم التقرير الذي نشرته قيادة جماعة الإخوان المسلمين، في مصر، بعنوان "المحاكمة العسكرية السابعة للإخوان المسلمين.."، جزءاً من فصول الصراع المحتدم بين النظام والجماعة منذ الانتخابات النيابية أواخر سنة 2005م، التي تمكنت فيها الجماعة من التأكيد على أنها القوة الرئيسة والأولى في البلاد، وأنها تحظى بدعم هائل من الشارع، مقابل إفلاس حقيقي في شعبية الحزب الوطني الحاكم، الذي يمسك بزمام السلطة منذ عقود، وقد وصل إلى مرحلة من الشيخوخة، لم تعد تُجدِي معها عملية ضخ دماء جديدة في الحزب من أساتذة الجامعات وأسماء بعيدة عن الطبقة السياسية الحالية المترهلة أو محاولات تجميله لدى الرأي العام.

المشهد المصري بدا في السنوات الأخيرة مختلفاً بالكلية، وقد دبت الحياة بصورة ملفتة في القوى السياسية والمؤسسات الإعلامية، فظهرت حركة كفاية وصدرت صحف معارضة شرسة، كالدستور اليومية والمصري اليوم وصحيفة المصريون الالكترونية، ما أدى إلى رفع سقف المطالب السياسية وخطاب المعارضة بصورة عامة، بدرجة لم تشهدها مصر منذ عقود، وتخطت بها كافة الدول العربية بلا استثناء، والملفت أن جزءاً كبيراً من النقد والاحتجاج، انصب على الشأن الداخلي، كقضايا الفساد السياسي والأوضاع الاقتصادية المتردية وتدني الخدمات الأساسية، وعجز الدولة عن مواجهة الأزمات المختلفة.

كان استحقاق التوريث، وما يثيره من إشكاليات، هو القضية الأولى في السجال السياسي والإعلامي، إذ تبدت حالة من إجماع من القوى السياسية، حتى المؤيدة للنظام، على رفض تكرار التجربة السورية، وعلى المطالبة بتدوير السلطة وتحريك عجلة الإصلاح السياسي. وكان المناخ العام في القاهرة يشير إلى استعدادات تجري من الحكومة للانقضاض على الخصوم وقرب نهاية ربيع المعارضة الصاعدة الجديدة.

نقطة التحول التي شكلت انتقال الهجوم من قوى المعارضة إلى الحكومة، جاءت بعد المتغيرات الخارجية، التي أعادت تجديد الصفقة التاريخية بين الحكومة المصرية والحكومات العربية من جهة والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، على حساب الدعوى التي حركتها الإدارة الأميركية بالمطالبة بإصلاح الأوضاع في العالم العربي، إذ كانت مصر في مقدمة الدول التي نالها نقد وهجوم سياسي وإعلامي شرس من المحافظين الجدد ومراكز التفكير المرتبطة بهم في واشنطن، قبل العودة إلى المدرسة الواقعية التقليدية في منح الأولوية للمصالح الإستراتيجية الأميركية.

هذه المتغيرات، طمأنت الأجهزة الرسمية المصرية بأنّ الضربة القادمة للمعارضة ستحظى على الأقل بصمت دولي، إن لم يكن بغطاء، وأكد هذه الملاحظة مسؤول أميركي رفيع، إذ أخبرني أن عدداً من المسؤولين في وزارة الخارجية ضغطوا باتجاه إصدار إدانة رسمية أميركية لحملة الاعتقالات التي نالت قيادات الإخوان في مصر، لكنّ الإدارة رفضت ذلك.

أمّا قصة الاتصالات التي تجري بين الإخوان وبين باحثين أو سياسيين أميركيين، كما حدث عندما زار نواب من الإخوان واشنطن، أو في إصرار وفد الكونغرس الأميركي على زيارة الإخوان في القاهرة، فجميعها مؤشرات ثانوية لا تقدم ولا تؤخر في أزمة الصراع في مصر، وفي التغطية الأميركية على الضربة الرسمية ضد الجماعة.

الهجوم الرسمي على المعارضة بدأ منذ عام 2006م، لكن الهدف الحقيقي للحملة هي جماعة الإخوان التي تمثل الرقم الصعب في الشارع المصري، فإذا تمكن النظام من كسرها فإنه يستطيع تمرير ما يريد.

ووصلت الحملة على الإخوان ذروتها مع نهاية كانون الأول من العام نفسه، من خلال الاعتقالات التي طالت ما يزيد على مائة وعشرين طالباً إخوانياً من جامعة الأزهر (بعد استعراض سلمي على فنون القتال في الجامعة)، ثم اعتقال عدد كبير من قيادات الجماعة من الصف الأول والثاني، في مقدمتهم النائب الثاني للمرشد العام، خيرت الشاطر، الذي اتهمته السلطات بإدارة ثروة الجماعة.

وعلى الرغم من قرار محكمة مصرية بالإفراج عن القيادات الإخوانية وطلاب جامعة الأزهر، إلا أن الأمن أعاد اعتقالهم مرة أخرى، ضارباً عرض الحائط بقرار المحكمة وبالقضاء والقانون! وتجددت الاعتقالات لأبناء وأنصار الإخوان مرة أخرى مع قرب موعد انتخابات مجلس الشورى، ويبدو جلياً أن هنالك توجهاً داخل المؤسسات الرسمية بدخول معركة "كسر عظم" مع الجماعة.

المشكلة أننا أمام معادلة محسومة سلفاً من ناحية سياسية وأمنية؛ فالنظام يملك كل أسباب القوة الأمنية والعسكرية، ولديه المؤسسات السياسية السيادية التي تصدر التهم والقرارات العرفية، بلا حسيب ولا رقيب، فيما تمثل الجماعة حركة سياسية مستضعفة حسمت منذ عقود موقفها من العنف، لذلك سيكون ردها الوحيد على الحملة الظالمة هو الصبر الجميل!

المسألة ليست اصطفافا مع الجماعة ضد الحكومة المصرية، وربما تكون لدينا ملاحظات نقدية شديدة على أداء الجماعة السياسي، لكنها باختصار، اصطفاف مع الديمقراطية والحريات العامة وحق التجمع السياسي وتداول السلطة وتدويرها وحقوق الإنسان ضد السلطوية والقمع وانتهاك حقوق الإنسان وضد المحاكمات العسكرية، وتغييب دور القضاء النزيه والقانون، وضد الاعتداء على الناس وسجنهم واعتقالهم وتعذيبهم بلا أية ضمانات أو قيود قانونية أو أخلاقية، وضد أن تتحول الخصومة السياسية بين النظام وأي حزب أو قوى سياسية إلى مرحلة تمارس فيها البلطجة والعنف الرسمي ومصادرة أدمية الناس!

صحيح أن المنظور الأمني شديد وحاسم؛ لكنه يرحل الأزمات ولا يحلها، ويجذّر الشرخ المتنامي بين المجتمع وقواه المختلفة من ناحية وبين السلطة السياسية من ناحية أخرى.

أمّا الدلالة الرئيسة التي يمكن التقاطها مما يحدث حالياً في مصر، فهي أن السلطة لم تعد تملك سوى السجون والمعتقلات والشرطة، بينما أفلس خطابها السياسي، فلا تجد ما تقدمه للشعب الذي يقبع تحت سياط الفقر والبطالة والحرمان والأزمات الطاحنة، وتعسف السلطة وتضييقها عليه في المجال السياسي أيضاً، وجميعها وقود بركان قادم لا تقوده، بالضرورة، جماعة معتدلة سلمية كالإخوان، وإنما يأتي من قاع المجتمع!


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

ali dabaje

الظلم يولد الكره والعنف ,والضغط يولد الانفجار,الا لكل شئ امد الا للصبر حدود.عجبا من حكامنا لا يتعلمون من اغلاط غيرهم, الم يسجن عبدالناصر الآلاف.. فما كانت النتيجة خروج بعضهم ليختار طريق العنف ثم يقال عنه ارهابي اذن من هو الذي يخرج
الارهابيين ?..هذه جماعة اختارت طريق معتدل اختارت ان تشارك الشعب المصري في حياته ومعاناته فخرجت المهندسين والاطباء والمحامين والاساتذة..هل يجب ان يكون المواطن(ازعر)كي تغض النظر عنه الحكومة.