آخر الأخبار

رؤية للمعضلة الشيعية 2/2

2007-4-26 | د. محمد الأحمري رؤية للمعضلة الشيعية 2/2

2

رؤية مستقبلية :

* موقف العلماء والمثقفين:

خطاب التثقيف للناس عامة وخاصة أمانة متبادلة، وواجب على الجميع نحو الجميع، ولا يهون الحق في أمة، ولا تغيب معرفة المصالح إلا عندما يموت الحوار السياسي والفكري حول مصالحها، وشر ما يصل إليه مجتمع هو أن يتظاهر بإجماع دائم على تأييد مواقف حكومته!! فزعاً منها أو نفاقاً لها.

وبما أن حكومات العالم المتخلف تطيع وتسمع فقط للغرب، ثم تبلغ الشعب ببعض مرادات الغرب منها ومن الناس، بعد أن تصوغ رغبات المستعمرين بلغات مفهومة محلية، وبدوافع محلية أيضاً، بحيث تصبح مناصرة المستعمرين مقبولة لهم، ثم تجندهم في حروب المستعمرين، فإن امتلاك العالم والمثقف لفهم قضايا أمته سوف يعينه على القيام بدوره، وسيكون في ذلك خير للجميع، وأول السبل إلى الفهم المعرفة أو "العلم"، وثانيها الفحص فالنقاش.

فالعلماء والمثقفون منقذون لا موقدون للنزاع، والمعضلة الشيعية، مما يستحق البحث قبل الاندفاع في خطوات قد تكون صادقة ولكنها قصيرة المدى، وعاجلة المعالجة، قد تفيد قليلا ولكنها تضر الطرفين كثيرا على المدى البعيد، قد تفيد في تخويف السنة من التشيع، وتحجزهم عنهم، ولكنها في الوقت ذاته تحجز الشيعة وتبعدهم عن المغالين في نقدهم، وسوف تزيد من تمزيق الأمة، ولا تخدم الملة، وتنشر التعصب وتهيج المذابح، وتصب غنائمها في أيدي الحاقدين.

البقاء على كراسي التحريض والراحة والمعرفة التاريخية الورقية بالآخرين، ولوم التشيع وشتم الفرس ليس عملا في الأزمة، بل قد يكون حلبا في آنية الخصوم، بل العمل، تبين الموقف أولا ثم الذهاب للناس، ولقاء الفرس والعرب البدو والحضر، والمثقفين والعامة، فهذا عمل هداية وسيخفف من الحنق، ويجلو الحق، ويفتح باب المعرفة، ولو لم يتغير مذهب أحد، فإنه يوقف الناس على الكثير من الحقائق، ويزيل عن رؤوس الطرفين الأوهام والخرافات المتبادلة التي يصنعها النكران والبعد والوحشة من المخالف الغريب.

وهناك حاجة للحوار، وفي القرآن حوار وتنـزل للمعارض، "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"، ودائما ستكون هناك قلة من الطرفين تصغي لنداء الحق، ونتائج الحوار، وتخفف من نصيب الذات، وحقارة الجدل. ولكن الدعوة هي الطريق الأولى والأصح، والأكثر تأثيرا، الدعوة للعامة وللبسطاء وللصادقين خير من الجدل مع رؤوس الشغب، وقد انتصر السويدي في مؤتمر النجف في حواره مع علماء الشيعة ـ ووثق ذلك كبير مثقفي العراق علي الوردي، وهو شيعي الأصل ـ، ولكن الحق وظهوره بالحجة والبيان لا يكفي عن معاونة الناس على معرفته بنشره، فزاد التشيع بعد الانتصار العلمي ولم ينقص.

سأل أحدهم شيخ قبيلة عربية تشيع وقومه لماذا تشيعوا؟ فقال: لا نرى أو لا يمر بنا في هذه البوادي إلا ذوو العمائم السوداء!

موقف علماء الإسلام، من المهم أن يراعى فيه أمور تلح في زماننا هذا بما لم يسبق أن كانت أكثر أهمية، منها أن وضوح المعضلة السياسية لديهم لم تعد إحدى القضايا، التي يجب أن يهتموا بها، لا بل هي من أسس دورهم في الوعي والتوجيه، وكما يشاركون في الدعاية أو النقد، فإن عليهم أن يصرفوا وقتا كافيا لتفهم الحاضر قبل أن يستجلبوا حلا من التاريخ، أو من الخصم.

والنوازل السياسية أشد تنوعا واختلافا وتضاربا في التوجهات واتهاما للمخالف من غيرها، بسبب غياب كثير من أدواتها ومعلوماتها وأهداف أهلها عمن يطالب بالرأي فيها. فدور العلماء دور إنقاذ للأمة لا إيقاد للفتنة، وهداية لا تأليب على قضايا عرف منها طرف وغاب منها عنه أطراف.

إن العلماء هداة لأمتهم وللأمم الأخرى، وليسوا موقدين لحروب غيرهم، التي لا يدركون دوافعها، ولا أهداف مثيريها، نعم إنهم في الإسلام قادة؛ يشتركون في الحرب والسلم وليسوا معزولين، أما اليوم فإن المستعمرين قد عزلوهم في الزوايا، وحذّروا منهم، وأصبحت المعلومات تحجب عنهم، ويحرمون من المشاركة في القرارات، ثم يطلب منهم فقط أن يوقعوا على صحة مواقف السياسيين في بلدانهم أو في غيرها، ويطلب منهم الترويج للقرارات وللمواقف مباشرة أو من وراء حجاب، كبقية وسائل الإعلام الثانوية، فهذه المهمة ليست مهمتهم وليس هذا الدور دوراً شريفاً ليشاركوا فيه، ولا يليق بهم، وهم في هذه الحال أقرب لأن يكونوا ضحايا لسوء الفهم ولنقص المعلومة.

فإيقاد المواجهات المذهبية لن تكون لصالح أي مذهب، وليس من اللائق رفع شعارات شعوبية جديدة من أي من الجهتين، مع أن الشعوبية شعار قديم رفعه منحرفون فرس وغيرهم ضد الأمة، فليس حقا اليوم أن نحاصر الفرس أو غيرهم في موقف قومي ولا "شعوبية جديدة" لا عربية ولا فارسية، لأن خطرها على الدين وعلى الشعوب أكبر مما يتخيل من يبدأ هذه الدعايات، وقد كانت الشعوبية أذى مدمرا في الماضي، وبقيت لديها السموم السيئة القديمة، بوسائل ولغة جديدة أفتك.

ويبقى هناك العامل الكبير والمؤثر في الصراع، وهو التوجيه والتأثير السياسي الخارجي على المثقفين في مجتمعاتنا، وهو ـ في أكثر الأحوال ـ الذي يصنع بيئة الموقف العام، من هذه القضية ومن غيرها، فالمثقفون والعلماء في المناطق الخاضعة للغرب متأثرون في الغالب وليسوا مؤثرين، ومن أهم الأدوار المنوطة بهم ـ بوعي ودونه ـ هو صياغة موقف معاد لأفكار الحرية والاستقلال، ولكل دولة ولكل جماعة أو حزب أو طائفة تحاول الاستقلال والتحرر، وتصنع لها المتاعب والحصار والدعاية السوداء، وتهمة الإرهاب جاهزة لكل متحرر من ربقة المحتلين؛ وهناك صناعة ثقافية متقدمة، ومهارة جبارة لصنع عقلية التبعية الجامعة، وإنتاج تفلسف ومنافع ومصالح وهمية غالبا تحسن للمثقفين ولشعوبهم منافع أن يبقوا عبيدا أبد الدهر في حقول المستعمرين.

والغربيون نجحوا في سياسة الترويع لنا دائما من أنفسنا ومن أفكارنا ومن الآخرين المخالفين لهم، إنهم يروعوننا ليل نهار حتى يضمنوا أن تبقى المجتمعات الإسلامية والثروات في أحضانهم أطول مدة ممكنة، فكلما زاد التخويف والترويع من إيران أو من صدام قبلها، ضعف التصرف والقرار الداخلي، وأسلمت هذه المناطق أنفسها وثروتها وعقولها للقوى الغربية، وتقبل بالشلل وبالتبعية، وتخضع لسماسرة توزيع العبودية، فهذه الخدمات لها وسطاء يربحون من نشرها ومن تقييد المجتمعات بها.

ولهذا نشاهد موت الحياة السياسية في المناطق الخاضعة، وضعف القدرة على طرح القضايا الكبرى، فقد أصبحت محرمة، وساد بدلا منها ثقافة التبعية بألوانها، وسادت ثقافة الأوهام، أو التكبير جدا من القضايا الصغيرة جدا.

أما المشايخ، فتصور لهم الأمور بأكثر من الواقع، ولديهم رصيد معرفي تاريخي يلجؤون إليه، وهو مليء بالخلافات المذهبية والصراعات العنصرية، فكل أخبار الباطنية والمنحرفين في شتى العصور جاهزة، أو هي تاريخ حي يمسك بالعقول فلا تستطيع الوعي، ويمسك باللغة فلا تخرج عن المفردات القديمة؛ فينتج هذا ـ غالبا دون قصد ـ المساندة السياسة للقوى الاستعمارية، لأن من لديه الإستراتيجية للحل، يستطيع أن يحصد مواقف الآخرين وإن كانوا مخالفين، أو رأس مالهم كلام، فيستثمرها من يصنع منها قوة سياسية وعسكرية وفكرية.

وليس القصد هنا، اتهام أي جهة، فهذا لا يليق أن يطلق قول على عمومه، ولكن المثقف الواعي لا يفوته، وليس صحيحا اعتبار الشيخ ولا السياسي قادما من لا مكان ولا زمان ولا عاطفة ولا مصلحة ذاتية كانت أم ذات صفة عامة، وقد يريد الجميع الخير ولا يوفقون له، وطلب الحق يجب أن نسعى إليه ولا ندعيه، وفي هذه القضايا المصلحية ليس معنا ولا مع غيرنا نصوص.

وعلى الموجهين والمؤثرين، أن يدركوا أن بأيديهم أسلحة هي أخطر في أثرها مما يظنون، فلا يطلقوا العنان في لحظة نشوة، ويغفلوا آثار الدهور القادمة، وما يمكن أن يزرعه موقف في غير مكانه من سلبيات يثمر بها، كنقد الفرس عامة، وإبعادهم عن الإسلام، وجمع الأخبار المضرة، والأساطير القديمة، فالفرس قديما خرج منهم جلة من علماء المسلمين ومبدعيه، وكانوا ثمرة للوحدة الفكرية التي كانت تتعالى على العنصرية وتمجد إنتاج الأفراد، ولا تسألهم عن نسب جداتهم ولا أبشارهم، وكانت تلك ولم تزل سلوك الأمم القوية، فالأمريكي في ذروة قوته لم يسأل ولم يفكر في أن يقف عند نسب الذين صنعوا له القنبلة النووية، وأنهم ألمان ومن دولة تقتلهم صباح مساء.

والأمة المسلمة في ذروة قوتها لم تسأل أبا حنيفة ولا الغزالي ولا صلاح الدين ولا غيرهم عن نسب آبائهم. فقد كان كثير من مجد المسلمين العلمي والإداري من هذه الشعوب غير العربية.

* تقسيم الإسلام والموقف منه:

1- إن الإسلام واحد، وليس هناك إسلام سني وإسلام شيعي، وليس التقسيم صحيحا في منظوره الإسلامي، ولا يؤدي دوره بعد تغييره، فإن المسلمين عندما واجهوا الانقسامات فقد كانوا يتحدثون عن الإسلام دين جمهور الأمة، أو "الجماعة" ـ المصطلح غلب استخدامه في المغرب الإسلامي ـ أما الفرق والطوائف المخالفة، فإنها تولد وتموت، وتهتدي وتتطرف، ولكن المسلمين لا يغيرون تسمية أنفسهم من أجلها، فهي في قاموسهم طوائف، ونحل، وأهواء، عليها تسمية أنفسها بما يميزها عن الأمة عموما، أما الإسلام فهو واحد فقط، وقد كانت هذه إجابة علماء الإسلام قديما.

إن الطوائف تسمي نفسها شيعة معتزلة قدرية جبرية، أو ما شاءت، أما المسلمون فاسمهم مسلمون فقط، "هو سماكم المسلمين من قبل". فإن كانت هذه النازلة قد واجهها علماء الإسلام قديما بهذا الحل، فأبقوا على وحدتهم، وعلى أصولهم من التبديل، فهذا أولى في زماننا، بعد أن دخل غيرنا على قائمة تصنيفنا وتسمياتنا، ودخلت عوامل أكبر وأخطار تحاول العبث بالتسميات والمسميات، فداخل المجتمع المسلم من أي مذهب يمزقونه إلى معتدل ومتطرف! وتسميات أخرى تصب في التصنيف الهادف لصناعة الولاء والعمالة والنفاق. فمجرد التشيع لآل البيت، أي تقديرهم وإنصافهم، والاعتراف بما لهم من حقوق هو مذهب المسلمين على مدار القرون، والانتصار لعلي كخليفة رابع راشد ليس منطقة خلاف عند المسلمين. وما زاد عن ذلك فهو تطرف، يحتاج صاحبه أن يسمي نفسه بما يريد من تسمية زائدة، ولا يقسم الإسلام بحسب رغبته.

وإن لهذا التقسيم في طوره الجديد آثارا سلبية عديدة، منها: الإقرار بصحة القسمين، وبعدم البحث فيهما فقد استقرا، بلا تراجع شامل، ثم إن على المسلم الجديد أن يحدد قبل اعتناقه وبعده أي دين يختار التسنن أو التشيع، فلا يعود هناك دعوة للإسلام عامة.

2- من نتائج الإيقاد المعاصر للفتنة، التحول من الخلاف الديني "الإسلامي اليهودي" مثلا، إلى الصراع الإسلامي- الإسلامي"، وما كان لنا من حقوق أو خلاف ديني فإن الخلاف المذهبي أصبح بديلا له، ويصبح الخلاف المذهبي خلافا مصيريا أشد من الخلاف الديني، وقد تبين في الأزمات الأخيرة أن لدى الكثير من الناس في العالم الإسلامي استعداداً سريعاً لأن يحاربوا على جبهات مذهبية إسلامية متخاصمة، ويسكتوا عن السيطرة عليهم من أمم أخرى.

3- سيكون الكيان الصهيوني في مأمن وسلامة بأن يمارس الإرهاب المستمر والعنصرية النازية وهو مطمئن، لأن الخلاف المذهبي بين المسلمين أصبح أكبر من الخلاف الملي مع الصهاينة. وقد كادت حرب الصيف السالفة ضد لبنان أن تظهر هذه المآسي. وسينظر المسلمون إلى أي احتلال واسترقاق نصراني أو غربي لهم بأنه مقبول ومحبوب، لأنه سوف ينقذهم من المذهب القريب. ولهذا فهل سترى الأقليات المذهبية الإسلامية بين المسلمين بان الاحتلال الأممي خير لها من الكيانات الإسلامية، وقد صوّر الإسلام بأنه أصبح دينا مخالفا لهم.

4- لمواجهة هوس الأقليات المذهبية في العالم الإسلامي، وخوفها وأوهامها، فليست الطريقة الموجودة "في وجود مجتمعات مغلقة عليهم" هي طريقة صحيحة ولا مجدية عقديا ولا سياسيا، ولا لمصلحة هذه الفرق، ولا الدول ولا الأمة، وستثمر المرار مستقبلا، فإن حصارها ثقافيا واجتماعيا وماليا، والتقليل من فرصها في حياة كريمة، سوف يزيد من ركونها للخارج، وإقبالها على الطائفة المغلقة، والصدور عن آرائها وفتاواها، ومواقفها السياسة التاريخية والخارجية، والبحث عن الحل في المجتمع الآمن المغلق الصغير.

وهذا الانغلاق والعزلة، قد يساعد بعض قادتها أن يستسيغوا ربطها بدول مذهبية في مناطق أخرى، معرفيا وسياسيا، بل وقد تربطها بالمستعمرين، لأنها تؤمل من المحتل التحرير والتعويض، والسيادة في كيان خاص، وإلا على أقل حال إعطائها المزيد من الحقوق والمميزات وإن لم تكن مستحقة لها، أو وإن كانت مدلّة في مطالباتها لأنها تركن لقوى من الخارج يملي مطالب لا تهدف لعدل ولا حق، بل رائدها الابتزاز، في بلدان تغيب عنها الشفافية والعدالة والحقوق.

ولهذا فإن إدماج هذه الأقليات، والعدل معها وانسياحها في المجتمع تبعا لمصالحها ولمصالح المجتمع، والإصرار على أن تنال حقوقها، سوف ينهي المزاج العقلي الذي يفكر به الإنسان المحاصر، وسوف يبدي حسنات المجتمع الواسع وسيئاته كما هي، وسيعلم كم الآخرون مظلومون أو كاسبون لحقوقهم، وسيقلل من مزاج الخوف من القريب وصرف الولاء للبعيد.

5-المجتمع المفتوح المختلط بلا طبقات ولا عنصريات ولا تراتبيات يبني من أفراده شخصيات متحابة وقوية ومتآلفة، ويصنع الثقة، فحيث لا تظالم فلا تخوين، ولا خوف، ولا ولاء للخارج من أجل اغتيال الداخل. أما سياق المجتمع الطبقي المتمايز المتراتب العنصري، فإنه يسمح لكل وجوه الشر بالوجود من الجميع ضد الجميع. فإذا شعرت هذه الأقليات بالعدل والثقة، والانفتاح والاعتراف بحقوقها ـ وهذا لا يعني تصحيح آرائها ـ فإنها سوف تقبل الجدل السياسي والمذهبي.

إن الاضطهاد أو شبحه قد لا ينهي المشكلة، بل يصنع المزيد منها، ويهولها، وقد ينبت ما لا يتوقع ظهوره من ردود فعل أكبر من الأخطاء التي مورست في حق طرف، فتأتي الاستجابة بخلاف قصد من مارس الاضطهاد.

إن نشوة القوة واليد المنفلتة المضرة بالأقليات وبالمضطهدين لا تحسب وقت قوتها حسابا لردود الأفعال، ولكن بقاء السخط والعزلة، والاستياء المنظم قد يكون هو الرد المؤثر الذي ينهي العنجهية وقوتها المهيمنة على إقليم أو على العالم، فما كانت روسيا تأبه بالفقراء الأفغان الضعاف وهي تزحف بقوتها فوق رقابهم، ولا تأبه بحركة التضامن البولندية، وكان ستالين يسخر من البابا، ويقول كم فيلقا عسكريا تحت قيادة البابا؟ ثم انتهت القوة العظمى ـ دون تهوين من الدور الغربي ـ تحت ضربات الصغار أو الضعفاء، والذين بلا فيالق.

وقد كتب أحد مفكري إيران كلاما مهما عن أسباب عودة بلاد فارس للغة الفارسية، بعد أن تعرب مثقفوها وضعفت اللغة الثقافية الفارسية في المدن وبقيت في الريف ـ والريف كثيرا ما يبقى مخزنا للغة وللثقافة ـ فقال: إن من الأسباب المهمة لصعود اللغة الفارسية وعودة الكتابة الأدبية بها، كان التعصب العربي المتأخر ضدها وضد أهلها وإصدار قرارات بمواجهتها، ولهذا رد الفردوسي بأن كتب الشاهنامة بالفارسية. وكم من صاحب حق أساء عرضه، فأعطى خصمه فرصة.

6- هناك إشكالية للأقليات الشيعية تضعف من ولائهم لبلدانهم، وهي التبعية الدائمة للمرجعية الدينية البعيدة، وذهاب ولائها الفكري لإيران، ألم يكن من المجدي أن يطوروا مدارسهم الدينية في بلدانهم، لتصبح لهم مرجعياتهم المحلية أيضا، ولا تبقى الأهمية ولا المهابة الفكرية ولا التبعية السلوكية والنفسية والعقلية وراء الحدود دائما.

وقد تبين أن شخصيات شيعية عربية عملاقة في الفكر الشيعي، من أمثال محمد باقر الصدر وفضل الله من ذوي القدرة العلمية والانفتاح والمعاصرة أقل تزمتا وأقل خرافات من مراجع آخرين، بعضهم يساير الجماهير في رغباتها، أكثر من توجيه الجماهير للحق، كما كتب مطهري.

7- تأييد المعتدلين الشيعة فيما توصلوا إليه من رؤى ومواقف أنحت باللائمة على المتشددين والعنصريين الفرس، ولكل أمة متعصبوها، ولكل مذهب غلاته، فقد كان هناك من علمائهم ومفكريهم المجددين موسى الموسوي، وهناك اليوم فضل الله، وكان عدد كبير من المفكرين الإيرانيين والعراقيين الشيعة، ممن سخر بالابتداع الصفوي في التشيع، منهم علي شريعتي الذي كتب: "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"، وعالج قضايا ذات خطورة كبيرة، ومن أهمها التفريق بين ما سماه بالتشيع العلوي والتشيع الصفوي، التشيع القائم على حق علي في الخلافة، وحق الأمة في الاختيار، وما أضافه التشيع الصفوي من حقد عنصري على جنس العرب، حتى إنه كان هناك من يشتم العرب بأنهم قوم عبد الرحمن بن ملجم، وشمر بن ذي الجوشن الأول قاتل علي والثاني قاتل الحسين، ورد على كثير مما ابتدعه الصفويون من طقوس لا سابقة لها في الإسلام، ولدى مرتضى مطهري جهود رائدة في هذا الباب سبق بها شريعتي وغيره.

وكان مهتما بإعادة الشيعة للقرآن وللغة العربية، حتى اتهمه بعضهم بالوهابية واغتالته مجموعة شيعية متطرفة تدعى "فرقاني"، واتهمته بالوهابية؟ وما فكرة ولاية الفقيه وما أدت إليه من رفض فكرة: "السلبية السياسية حتى يأتي الإمام الغائب"، إلا هدم ذكي لركن الإمامة، وتحول منقوص إلى الديمقراطية، وما ولاية الفقيه إلا تنازل وتغيير للبنية الإمامية السابقة، وقد عدها بعضهم ـ كليم صديقي ـ خطوة نحو التسنن.

وقد كان للصراع مع الإخباريين آثاره الجيدة في يقظة العقل عند المتأخرين، وقد أشار فضل الله إلى أن الشيعة يعيشون مرحلة تجديدية غير مسبوقة في ثقافتهم، ولا يساويها إلا ما كان لدى السنة من حركة اجتهاد في القرن الثاني الهجري، كما يشير.

واليوم موقف حسن العلوي في كتابه عمر والتشيع، وهو موقف قديم له، فله ابن يبلغ أكثر من الأربعين عاما اسمه عمر، أي من قبل هذه المناكفات الجديدة، ولكثير من شيعة العراق وإيران مواقف معتدلة تستحق التأييد والبحث فيما بعدها. نصرة الاجتهاد والتجديد.

8- يعد العاملي من أقوى من خرقوا جدار السلبية السياسية لدى الإمامية، وذلك بقوله وترويجه لمسألة ولاية الفقيه، ثم النائيني، دعا لحل عملي هو حكومة المشروطية، أي "الشورى"، ثم نفذ الخميني صيغة ولاية الفقيه، "وهذه مرحلة متأخرة من تحولاته الفكرية"، وكل هذا يعتبر تجديدا واقترابا من الحلول الإسلامية بل والفطرية الطبيعية، مع أنه لم يبلغ أحد من هؤلاء مبلغ أحمد الكاتب لاحقا، من المعرفة بقصة الإمامة والجرأة في نقدها، والحقيقة أن الاجتهاد، والمزيد من الإنصاف سيقرب الفرق من الموقف الإسلامي العام، ووجود الاجتهادات يخرق جدران العزلة، ويكسر التقوقع داخل آراء غير عملية، تصلح لمضطهد مطارد، يحتج بها سرا في زاوية، أو يجند لأفكار خيالية وانتظارية هائمة، تعزل أصحابها عن المشاركة في مسيرة الأمم، ولا تستطيع الحياة تحت شمس العقل، ولا عملية الحياة.

فكما حدث يوما في المذهب الزيدي أيام الإمام ابن الوزير الكبير، الذي نشأ على الزيدية ثم أصبح من كبار مجتهدي الأمة، وكسر الطوق الزيدي، وأنهى العزلة، وشق للمسلمين في اليمن ولغيرهم نهجا اجتهاديا تجاوز الانغلاق والحيرة المذهبية، وأنتج دربه أمثال المقبلي والشوكاني والصنعاني، وفي أيامنا هذه آل الأكوع وغيرهم من العلماء المجتهدين، الذين يحترمون المذاهب الإسلامية ولم يتخلوا عما رأوه حقا في الهادوية، هذا النهج صنع بيئة علمية أقل تشنجا، ومع ذلك فلن يخلو الموقف من مستغلين ومزايدين على الفرق والمذاهب ما بين حين وآخر.

وهذا الطريق أليق بالإمامية أن يعتبروا به، وقد كانت هناك تحولات جذرية من قبل شخصيات أكثر جرأة وشجاعة من أمثال البرقعي، غير أنها بقيت ضعيفة ولم تصبح تيارا، واليوم في المذهب الشيعي مجتهدون مؤثرون وأكفاء، من أمثال الأستاذ أحمد الكاتب، وقد نشأ شيعيا حركيا، ثم ذهب ليكمل دراسته العليا في قم، وسجل مسألة "الإمامة" موضوعا لرسالة دكتوراه في الحوزة في قم، ثم ساقه تجرده للمعرفة وبحثه الجاد في مسألة الإمامة، إلى أنها إحدى الخرافات المتأخرة التي دخلت على التشيع، فقد وجد أن جعفر الصادق كان ينادي بالشورى؛ فأي نص على الإمامة؟ بل وأشار إلى أن بعض خلفاء السنة كانت لهم حاجة سياسية من الترويج لقصة الإمامة وكان بعضهم وراء الترويج لهذه الدعوى.

ولهذا، فالشخصيات العالمة الجادة غير المقلدة، سوف تصنع الوعي والاعتدال، وسيكون من وجودها المؤثر جوانب تفيد الطرفين جميعا، والمجتهدون الجادون يحتاجون أن ينبّهوا على الأخطاء التي وقعت من قبل مدرستهم قبل أن ينبهوا على أخطاء المدارس الأخرى. ذلك لأن النفس تميل فطرة إلى تزكية الذات والغفلة أو العفو عن الخطأ الصادر منها، وكلما كان الآخر نائيا كانت أخطاؤه أكبر، وحسناته قليلة أو معدومة. فعادة الناس أنَّ: "نحن" مزكى أهلها، و"هم" مخطئ أهلها.

فمن الخطر أن يقف علماء ومثقفون موقفا جبريا تجاه مسألة التشيع، وكأنه موقف يبقى أبد الآبدين، ليس كذلك بل عرف صعودا وتموجات وهبوطا وانسجاما مع مواقف الأمة ومفارقة لها في مواقف عديدة، ولعل مما يجدر أن نفكر فيه أن الآراء والاجتهادات الجديدة أكثر جاذبية من ترداد القديم والاستسلام له، فكما رأينا الشيعة وغيرهم من الأقليات ينسجمون في الحركة القومية والبعثية بلا فوارق فإنهم أجدر أن يجتمعوا على الإسلام متى قلت التعصبات على الفروع وحول المشايخ والسياسات والأهواء، فلم يزل القرآن واحدا.

9ـ الخلاص من مشجب بل مذبحة التاريخ المنصوبة لنا في كل زاوية، فالمسلمون متهمون بتقديم الثلاثة الخلفاء على علي، ويذوقون منذ نحو من ألف وأربعمائة عام وإلى اليوم وربما إلى قرون طويلة تالية عقوبة الشورى، ونتائج الاختيار الحر بين عمالقة الإسلام، فجل من حضر السقيفة وناقش في اختيار الإمام كان مؤهلا قادرا، ثم نصبوا لهم أيضا قتل الحسين، مشنقة أخرى، ثم مصائب صدام، وكأننا شهدنا أو شاركنا، أو من سيأتي من قرون.

ويوازي هذا المشنقة المنصوبة للشيعة والتهم الموجهة لهم، وأنهم خانوا المسلمين مع ابن العلقمي والطوسي، وغدروا ببغداد قديما للتتار، وحاضرا على يد الشلبي!!

أما آن لنا أن نخرج أنفسنا ونخرجهم معنا من حفر التاريخ؟ التي تسمم حياتنا حاضرها ومستقبلها؟ وتضعف من قدر وقدرة الإنسان وعقله تجاه هذا التاريخ القاتل، الذي يحيا ويردد بهدف التدمير، واللوم والبحث عن أسوأ المواقف ـ لو صحت ـ فكيف وقد أصبحت عروشا من الأوهام والخرافات.

وبما أننا نطالب الآخرين بالاجتهاد والانفتاح الثقافي والفكري فلا يفوت هنا التنبيه إلى بعض المواقف التي تحتاج فعلا للمراجعة وللتفكير، والتحدث فيها يخيف بسبب الخصومة، لا بسبب الحق والباطل، ومن ذلك الترديد باتهام الشيعة بالقول بتحريف القرآن، ومسألة أخرى وهي قضية التهويل لدور ابن سبأ، كما سيأتي.

ففي زمن التحدي والعناد، يصبح ذكر خطأ من الصف أشبه بالغدر، وذكر حسنة للمخالف تهمة أشبه بالخيانة، والعاقل من أي ملة من مهماته أن يسعى جادا لجعل هذا العالم الذي يعيش فيه، والذي يشاركه فيه البشر الآخرون عالما أقل أوهاما وأصدق مطابقة بين الفكرة والممارسة، وأسعد وأليق بأن يحياه الإنسان سعيدا، لا مهددا ولا قلقا خائفا من رأيه.

عندما قامت الثورة في إيران، لم يفرق المسلمون في بعض المناطق بين مركبات هذه الثورة، وأعجبهم التعميم البسيط، فخلطوا التشيع الصاعد، بالاستقلال السياسي، ثم قدموا ـ بسبب العوامل الخارجية ـ مسألة التشيع على الحقيقة الأكبر، وهي أن دولة بحجم إيران حققت الاستقلال، فانصاعوا لترك الاستقلال والتحذير منه، تبعا للتحذير من التشيع!!

وكان التعامل الصحيح ليس شتم الشيعة، ولا البحث عن شتائم في قواميس القرون، والتنقيب عن المثالب، بل وضع برنامج استقلال من العبودية، والإفادة من استقلالهم لا من عقيدتهم.

لقد كانت علاقة الكثير من كيانات السنة بالشاة علاقات ودية جدا بسبب جامع الخضوع للغرب في كل من الطرفين، ولأنه كان حارس مصالح الغرب في الخليج، فلما استقل الشعب الإيراني وأصبحت له حكومته رفع في مناطق سنية عديدة التحذير من الشيعة، وكأنهم يدخلون التاريخ لأول مرة، وكان السبب الحقيقي استخدام التنافر العقدي لترسيخ التبعية للغرب، فأصبح الأمر وكأن التشيع محرر، والتسنن يصنع التبعية والخضوع، وزاد الغرب من ترويع السنة، وبخاصة في منطقة الخليج من خطر الشيعة والتشيع، وقد تكون: "كلمة حق أريد بها باطل"، أي التخويف ليستكمل العقل العربي المشرقي خنوعه للمستعمرين، فالتهويل من الشيعة من مقاصده كمال العبودية للغرب.

"روّعوهم لتملكوهم"، وغاب عن كثير من العلماء صناعة استراتيجية تعامل مع غازٍ مستغل عابر، وبين مخالف مقيم شريك في الماضي في بنائه وفي خلافه ووفاقه، وسوف يشارك في كثير من المستقبل. فهل يبقى العرب ينتظرون تحول إيران إلى كيان نفعي يتخلص من كثير من مواقفه، ومن كثير من أوهام الثورة، ويبادل الغرب ويصالحه، ويستعيد بعض نفوذه أو كله في القيام بما هو أكثر من دور حراسة الخليج!

بالغ المحتلون في ترويع الحكومات العربية من الشيعة، ومن الإسلام، ليتمكن النفوذ الصهيوني في مفاصل الأمة، وليقام تحالف: "الشرق الأوسط الجديد" المسمى: 6+ 2، ولكن الرقم الأهم مضمر، يفعل ويؤثر ولا ينطق به أحد، وهو تحالف يراد منه: مواجهة إيران، وإدخال الصهاينة في البنية السياسية العربية لمواجهة إيران، ولنسيان النازية والبربرية الصهيونية، التي ترهب كل يوم وتبيد ولا يرتفع ضد إرهابها صوت، ولتنضم الكيانات العربية في صلح يسمح بقتل الفلسطينيين وحصارهم وتجويعهم، بحجة أنهم إرهابيون ما لم يقبلوا بالاستسلام للصهاينة، ويؤيدوا إنهاء الممانعة الإيرانية واللبنانية والسورية، لأن رفض الإرهاب الصهيوني النازي يصبح هو الإرهاب، والاستسلام له هو عين السلم والتمدن والتحضر.

ـ أما الذين يرددون ويكررون القول بأن الشيعة يحرفون القرآن ويرونه مبدلا فهؤلاء موقفهم في غاية الخطأ، لأسباب منها أن القرآن الذي يقرأه الشيعة اليوم هو القرآن نفسه الذي بأيدي المسلمين في كل مكان، ومن شك فليذهب بنفسه لأقرب تجمع أو مسجد أو منزل لهم وسيجده القرآن الذي عنده، وليس على وجه الأرض غيره، ولم يعلم أنه وجد سواه، فما الفائدة من تحميل غالبيتهم قولا ضعيفا عندهم، أو يقول به قلة، أو دفعهم للكفر؟

أما الكتاب الذي يدعى: "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب"، فهو كتاب منبوذ عندهم، وغير مطبوع ـ إلا طبعة حجر في الهند قديمة يعيد بعض أهل السنة تصويرها للأسف ـ ولا متداول لدى عمومهم، فكيف يحرص رجال منا على القول بأن أمة من المسلمين، ومن يصنفهم رجال السنة ـ كابن تيمية ـ من أهل القبلة، لهم قرآن آخر!!

عجبي من هذا لا ينتهي، كيف يروج مسلمون للدعاية المضادة لكتابهم بالتحريف، بل وأنه يقول بذلك عشر المسلمين افتراء عليهم، وعلى كتاب الله، والمخرج الأولى أن نقول قولا واحدا لا خلاف عليه، أن من يرى القرآن محرفا فقد كفر كائنا من كان.

وقد قال بذلك ابن حزم لما ناقشه النصارى واحتجوا بمن قال بتحريف القرآن، فكان جوابه أنه إنما يحاجهم بالموقف الإسلامي وبعقيدة المسلمين، ومن كان يرى تحريف القرآن فليس منا فلا تحاجّونا به، ولن يدافع عنه، وهو موقف نحتاج تجديده ووضوحه في زماننا، فليس من مصلحتنا أن نقول عن طائفة مسلمة كبيرة إنهم يحرفون القرآن.

بل الموقف الأصوب أن نعتبرهم بالاعتبار الشرعي القديم الجديد أنهم: "من أهل القبلة"، ومن خالف في مسائل كتحريف القرآن فليس في دائرة الإسلام، وليس في دائرتهم أيضا، لأننا نعتبرهم أهل قبلة. ومن رفض من علمائهم تكفير القائل بالتحريف أو اكتفى بالتخطئة ففي تأويل قوله وفي التفصيل متسع، ولم يسلم غيرهم من ورطات النقول للروايات التي لم يمحصوها.

أما ما يقال بأنه: "مصحف فاطمة"، فقد قرأت عنه كتابا طبع في لبنان، فقال إن مصحف فاطمة مجرد أدعية نسبت لفاطمة، وإنه غير موجود، بل أدعية مفقودة، ألا فليكن ذلك؟ ألا يكفينا أن هذا دعاء صحابية وقد فقد، ولا نجعل لهذه الخرافات أهمية عندهم تحجبهم من الحق وتزيد من الشحناء.

ومن الطريف هنا أن ندرك أن معركة الأصوليين والآثاريين عندهم لا مثيل لها عندنا، فكلما كثر الكذب، وقع التساهل في الأخذ والرد، وقل التشدد في القبول والرفض، فما يراه علماء السنة والحديث كارثة هنا؛ لأن مقاييسهم عالية، ورواياتهم أقل اضطرابا لا يراه غيرهم بالأهمية نفسها بسبب كثرة الكذب.

10- تعامل العرب مع العراق وفارس ينسي أحيانا الثقافة القديمة، والطبيعة الفارسية، وهي طبيعة حزينة، وقديما يرونها شهوانية، وربما كما قال بعضهم "غضبية"، وظاهرة الحزن تجدها في قراءتهم للقرآن، بنبرة حزينة، وتجدها في موسيقاهم، فالموسيقى الفارسية أكثر أنواع الموسيقى حزنا منذ القدم، وتجدها في شعر السياب، أما مواسم البكاء، فهي مواسم قديمة منذ أيام بابل وآشور، ومنذ ما قبل الإسلام، وما البكاء على الحسين إلا ثقافة قديمة سابقة على الإسلام، ألبسوها الحسين!!، راجع كتاب الشيبي: "العلاقة بين التصوف والتشيع؟".

أما ضرب الجسم وتعذيبه بالحديد وإسالة الدماء، فشعار تطهر روحي قديم مارسته الكنيسة ثم تسرب للشيعة، كما تسربت عادة المسبحة الكاثوليكية للمسلمين. وهذا أمر متكرر في ثقافات الشعوب، فالغيرة المتطرفة ـ أحيانا ـ عادة راسخة عند العرب قبل الإسلام، وبخاصة في الجزيرة العربية، وقد يستعينون بالدين لتأكيد ثقافتهم، أحيانا أكثر من مقتضى دينهم، وفي وادي النيل وشرق إفريقيا، كبرت مشكلة الخفاض الفرعوني للنساء ـ وهو زائد عن الختان ـ وهي عادة بالغوا في علاقتها بالإسلام، وقد كانت مشكلة مستمرة منذ الفراعنة وفي بعض مناطق إفريقيا، وهي ليست بالمقصودة في الآثار، في أغلب الممارسات، ولا تجدها مهمة عند المسلمين في معظم مناطق العالم، بما في ذلك الجزيرة العربية، بل قسوتها في المجتمعات المتأثرة بثقافة وادي النيل وشرق إفريقيا.

وهكذا ثقافة المجتمع العشائري، مشكلة راسخة في عدد من المجتمعات العربية، كالمجتمع العراقي، ومجتمع الجزيرة العربية والصومال وبوادي المغرب الكبير كليبيا، وكنت قد قرأت عن رسوخ هذه الظاهرة في كتاب: "طبيعة المجتمع العراقي"، وتوقعت أن تلك موجة قديمة ذهبت، وطمستها الحداثة والبعث والمدنية، ولكن المفاجأة أنها عادت راسخة ومؤثرة، كما لم يخطر ببال من يعطي التحديث العربي أكثر من حجمه.

وهكذا المزاج الشهواني الفارسي الزائد عن مجاوريهم، ظاهرة ملاحظة قديمة، ففي "المقابسات" نقل عن أحد الحكماء: قال: "نزلت الحكمة على عقول الروم، وعلى ألسنة العرب، وعلى قلوب الفرس.."، فمزاج العاطفة من الحب والكره والحزن والشعر والولاء والعزاء تكون عند شعب أكبر منها في شعب آخر. وبرودة الرأس والتفكير النفعي يغلب على شعب، ورب كلام يذهب بحق أمة، والبراعة في المهنة، أو السحر والحيلة تزيد في مكان عن آخر.

11 - أما في موضوع التقية، فلها جانبان ثقافي وسياسي، فالشخصية التي عاشت تحت ما تراه قمعا ملوكيا منذ الأكاسرة القدماء، ثم ما رأوه من قمع الخلفاء الذين ألبسوهم اللباس الكسروي نفسه، فقد أكد هذا سلوكا متوارثا ينصح دائما الفارسي بـ: "أخف ذهبك ومذهبك"، وقد عالج كثيرون هذه الظاهرة، عرب وفرس وأجانب، منهم جراهام فولر في كتابه المهم: "إيران مركز الكون".

أما اليوم، فقد أصبح الإمامية يحكمون بلدا بهذا الحجم والقوة، ويطبقون فهمهم على أنفسهم وغيرهم، ولم يعودوا يرهبون حاكما عليهم من سواهم، يتقونه، وهؤلاء أئمتهم يحكمونهم، فعقيدتهم أظهروها، أما طموحاتهم فلا شك أنها أوسع مما يملكون اليوم، ولهم طموح إمبراطوري واسع جدا، ولكن هل هذا يعاب على أحد؟ ولم لا يكون لخصومهم طموحات أكثر منهم، إن لواذ بعض المسلمين تحت القوة النصرانية أصبح يصوغ عقولهم صياغة يائسة جبرية خائرة، ويجعل الحقائق مقلوبة تماما.

فكيف يفترض عاقل أن التوسع واحتلال البلدان حق فقط للنصارى، وللصهاينة، ولا يجوز لغيرهم تحرير أرضه، ولا الدفاع عن عرضه، ولا التوسع في سواها، فنتهم الشيعة بالطموح في إمبراطورية، ونطالبهم أن يخنعوا مثلنا للمستعمرين؟ ونتهمهم أنهم يدافعون عن أمنهم الوطني خارج حدودهم، وما الذي لا يجعل لغيرهم أمنا في الخارج إلا الهوان، إن لم تكن صاحب همة ولا أمل ولا طموح، فلماذا تتصور أن الآخرين خلو منها؟ نقل عن الملك حسين ملك الأردن السابق قال: جاء إلى جونسون وحدثه عن المظالم الصهيونية للعرب وأخذهم لأرضهم بالقوة أو بالشراء، وتجريدهم منها، فانحنى عليه جونسون وقال: سيدي، وهل تؤخذ الأرض إلا بالقوة أو الشراء؟

دولة قوية طامحة متماسكة وترى نفسها دينية وديمقراطية ترنو للمزيد، وبجوارها مستعمرات أو شبه مستعمرات خائفة وممزقة، فهل تلام على ضعفهم؟

12 ـ كما أن إغراق الجميع في معضلات التاريخ نوع من الهروب من التحديات الواقعية التي تستحق المواجهة والوعي والتصرف، لا إلى حمل التاريخ على الظهور، منقذا من مشكلات العصر، والتاريخ لن ينفع اجتراره طرفا، بل قد يستعمل كأهم ضمانات التفرق والضياع وغياب الوعي بالذات وبالآخرين.

أذكر مما قرأت لأحد الكتاب العرب أنه كان مع صديق له أمريكي في مدينة ديترويت، وشب خلاف بين شيعي وسني وكان الخصام بالعربية، فسأله الأعجمي عن السبب؟ قال صراع بين حزبين، قال: حزبان قائمان هنا أم في بلادهم؟ قال: لا، بل حزبان وجدا قبل أربعة عشر قرناً؟

إن الفقر الثقافي، وضعف الفكرة، وغياب التجديد، يجعل الناس يهجرون زمانهم المعوز إلى زمن أغنى، ولحظتهم الفارغة إلى لحظة تاريخية أرحب، وحينما يعانون قمعا وذلة فإن ذكرياتهم، تعبر القرون إلى زمن عزة كزمن هارون: "أمطري فسوف يأتيني خراجك"، ولهذا فنحن مسئولون عن صناعة الفكرة، وتجديد الموقف، والتأمل في حل، وليس أن تفرض علينا مواقف غيرنا.

وهنا اليوم من يتسامح مع النازية والإرهاب الصهيوني والاحتلال الأسوأ والفصل العنصري ليوجه التحدي مع الإيرانيين بأسباب ليست من نتاج عقله، ولا تأمله ولا تفسيره بل مفاهيم تدخل لرؤوسنا قسرا ليغيب الوعي بالشر الأقرب، وبالقتل اليومي، فنترك الشر المتحقق ونطارد المحتمل، و لنذهب بعيدا هناك في محاربة التاريخ أو مصارعة من له تفسير يخالفنا للتاريخ.

13- وهناك مسألة أخرى حدث فيها مبالغة بسبب المكايدات المذهبية، وهي مسألة: "ابن سبأ"، فمنهم من أنكر وجود شخص بهذا الاسم، ومن الناس من أعطاه دورا كبيرا نفخ فيه، حتى صور أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وجلة التابعين وكأن هذا اليهودي يسوقهم كما يشاء، وفي هذا طعن مبطن في الصحابة، فليس من الحق التاريخي ولا العقل أن نعطي هذا الشخص فوق قدره، ولا أن نقول إنه وأتباعه -إن كان له

أتباع- كانوا يسوقون الصحابة والتابعين وراءهم في مذابح وفتن لا تنتهي، وليس من العدل أن نشنق ملايين من المسلمين عبر القرون على مقصلة هذا اليهودي، ولا إلزامهم بأنهم أتباع لشر ذاك اليهودي الفتان.

وعلينا أن نتجاوز الرغبة في التعيير، لأنها تضر بالإسلام، ولأن علماءنا يذكرون تفصيلات عديدة عن تلك المرحلة، وعن الأشخاص، ومنهم من ينكر وجوده، وإن قبلنا وجوده فلا ننفخ في قصته.

14- إن لدى المسلمين القدرة على الاجتماع على الأصول المجمع عليها، طريقا أوليا للوصول لما بعد ذلك، ثم البحث فيما احتمل الخلاف عندهم قديما، وقد يكون هذا العمل تحت أسماء جديدة تخفف الضغط التاريخي، وتخفف من الحروب الكلامية والطرد السريع السهل من الملة؛ وقد وجدنا أن العالم العربي ومنه العراق قد خضع أو بعضه قبل في الأمس القريب لفكرة البعث، وللقومية ـ وهي أفكار هشة، ومستنبتة في غير

أرضها ـ فتوحد ودافع عن بلاده في وجه الغزاة تحت رايات تغلبت أو تجاوزت الخطاب الطائفي بخطاب ضعيف كالخطاب البعثي! أليست لو جدّدت في دينها، وصقلت أفكارا وحدوية ـ إقليمية كانت أو أممية ـ بقادرة على صناعة حياة أرقى وأسلم وأقل خلافا وعدوانية؟ بلى والإمكانات موجودة.

ونحن نعلم أن الأفكار الجديدة أكثر فاعلية وتأثيرا، وأخف حملا من المدارس المثقلة بالتجارب والتفاصيل والتصويبات والاعتراضات، وهذه المذهبيات كثير منها ليست الدين، بل تراث لا يلزم أحدا، والقطعيات ليست مما تحتكره مدرسة، ولهذا فإن أمام شجعان العقول والقلوب مساحات لا تحد من التجديد والتصويب والهداية.

وبما أننا نريد أيضا الخير للعالم المحيط بنا، فإن على الغربيين أن يعلموا أن القتل والإبادة للمسلمين لن تجعل حياتنا فقط جحيما، وتستمر في أن تصنع لهم جنة على وجه الأرض، لأن عالمنا الإسلامي يتسع لنحو ثلث البشر، وراسخون في قارتين كبيرتين، ودروب التجارة والمال والنفط عندنا أو تعبر من عندنا، وهذه المنطقة العربية الإسلامية عليها دروب الحضارات الكبيرة، التي كانت والتي قد تأتي، فالعلاقة يجب أن تخرج من دائرة قاتل ومقتول، ومستعمر ومستضعف، فالعالم يسمح اليوم للناس بالتبادل واحترام حقوق الإنسان، وعليهم أن يتعاملوا معنا على أننا بشر من الناس، وليس مجرد كائنات تسكن فوق غنائم وثروات، والموقف منها إبادتها أو تشتيتها والتحكم بها.

فالناس في بلادنا يزدادون وعيا وعددا، وتتضح لهم مصالح، وتظهر لهم الأضرار الكبيرة، وابتسار الموقف والمقاومة في القاعدة أو في البعثيين أو في الشيعة خداع للنفس يخدع به الغرب نفسه مؤقتا، ولكنه يضع نفسه لعقود وربما قرون قادمة على خط النار مع أمم تأبى العبودية أبد الدهر، وإن ضعفت زمنا فلا يعني أن هذا قدرها، وليقلل الغرب من زراعة الأحقاد الدينية والعنصرية الجامحة، فليس رصيدا يعتز به أبناؤه، ولا مهاداً يصلح الانطلاق منه للمستقبل.

وسيتغير موقفهم نحو ما نحب عندما تكون لنا مواقف معقولة لنا قبل أن يتعقلها غيرنا. خمس مئة مليون في أوروبا من شتى اللغات والأديان، يجتمعون ويعملون ويتنقلون بلا حواجز، بينما تفري في أحشائنا قبائل وتاريخ وأوهام، ولا نرتفع فوق شيء.

7‏ ربيع الثاني‏ 1428هـ

‏24‏ -4-2007 م


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

فاطمة

د محمد هذا الفكر المتوقد نحن ضد الخطاب الطائفي أيا كان مصدره الحاجة بين السنة والشيعة لحوار عقلاني منطقي لأني أجد بعض النفس السني تطالب بمقاطعة الشيعة ورفض الأخر على أثار فكر مذهبي مختلف ونحن أحوج لخطاب تصالحي فكري يصب في العمق نحن ندعو إلى التقارب أنا أختلف مع الشيعة ولكن دون أن نتصور أنا هذا الشيعي عدو لي = ندعو لعقلنة الخطاب والتحاور في العمق


محمد

والله ان الكاتب رائع ومسلم حق الاسلام الاسلام
دين التسامح الله يكثر من امثالك من الطرفين وينصر الاسلام الموحد سني وشيعي من هو المعبود اليس الله جل جلااله توحدو جزاكم الله خير الجزاء


شيعي

بارك الله فيك دكتور محمد فعلا هذا ماتحتاج له الأمة في هذا الوقت من خطاب هادئ ومتزن .

وثق تماما أن الكثير من علماء المسلمين شيعة وسنة يمتلكون مثل هذا الخطاب , ولكن الإعلام له دور كبير في تأجيج هذه الأزمة بين المسلمين وللأسف سرعان مايقع بعض العلماء غير المطلعين والمنفتحين ويتم تفعيل دورهم الإعلامي , ليقودوا هذا الخلاف لتتسع المشكلة ويتم تقسيم الأمة .


سلمان

اشكر الدكتور محمد على المقال وليتسع صدره بعدد من الاسئلة :
1- شيعة العراق لديهم مرجعيات عدة خاصة مع انفتاحهم الاخير فلماذا يعودون الى مرجعياتهم في ايران ؟ وهل افادتهم البيئة المختلطة؟
2- لماذا هذا الدفاع المستميت عن الشيعة والتماس الاعذار لهم ؟ ام ان هذا نوع مما يسمى جلد الذات ؟
3- ما نراه على أرض الواقع من بعض الشيعة من سوء مع وجود التقية فكيف يكون بدون التقية ؟
4- لماذا يحاول الدكتور فصل الشيعة عن تاريخهم مع انهم متمسكون به ؟ ام ان هذا من التقية والتماس الاعذار ؟
5- مع ان الدكتور مخترع نظرية خدعة التحليل فلماذا نسى اوتناسى التحليل العقدي والتاريخي للقضية وركز على السياسي ؟
6- في نظر الدكتور هل الاقلية تفرض على الاغلبية التنازل عن بعض قيمها وارائها ام انها متطلبات للذوبان ؟
اسال الله ان يهدي الجميع لطريق الحق والصواب


منير العاصمي

أخي الكريم ، بارك الله فيك على هذا الجهد الطيب في محاولة التقريب بين وجهات النظر السنية و الشيعية
لكن اسمحلي أن أقول ، إن هذا المنطق الذي تتحدث به قد سبقك به الكثير من علماء السنة و مخلصي هذه الأمة ، و لكنهم لم يلاقوا استجابة من الطرف الشيعي و خصوصا الإيراني
إن الشيعة الصفويين مصممون على الذهاب بعيدا لتحقيق أطماعهم ، و لو كان ذلك بالتحالف مع الشيطان
اسمحلي أن أقول لك يا دكتور ، لو أنك كتبت مقالا عن كيفية الحذر من المد الصفوي ، و ما هو واجب الحكام و العلماء و المثقفين في ذلك ، لكان أولى بك ، من هذا الكلام الذي قلته ، و لن يسمع له الصفويون أبدا
و قد صدق الله تعالى إذ يقول : ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود و الذين أشركوا )
و التاريخ يعيد نفسه ، فليس هذه هي المرة الأولى التي يقف فيها الشيعة في صف المحتل ضد المسلمين
أقول لك يا دكتور اصح قبل أن تجد نفسك بين يدي رافضي ، و ساعتئذ لن يشفع لك مقالك هذا
يشهد الله أن أهل السنة لا يحبون القتال و المواجهة الدموية ، و لكن إذا كانت الحرب على الهوية و الوجود فلتكن إذن
لقد بحثت في مقالك عن وجهة نظر بعض الشيعة المعتدلين _ و هم فعلا كذلك _ مثل محمد حسين فضل الله أو علي شريعتي ، و لكنك لم تذكر لنا أن رأيهم هذا كالشاذ عند الروافض و لا يكاد يأبه له أحد
فارجع إلى الواقع ، و ارجع إلى فتاوى القوم في تكفير اهل السنة و التنكيل بهم ، و بعد ذلك احكم بنفسك هل المنطق الذي تتكلم به الآن نافع مع هؤلاء


هاني بن عبدالله آل ملحم

شكر وتقدير لدكتور محمد واتفق معك في ما طرحت وأرى ما وقع من صراع ثقافي وفكري بين المسلمين في القرن الأوّل وما نجم عنه من ظهور الفرق هو في حقيقته أمر فرضته ثقافة التعددية الفكرية ، إلا أنه من المهم حاليا أنّ تدرس في إطار البحث العلمّي والعبرة التاريخية ، ولا يسمح بامتداده إلى حاضر المسلمين ومستقبلهم، بل يجمد من الناحية العملية تجميداً تاماً ويترك حسابه إلى الله كما قال الله تعالى " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ".
لذا يجب تعميق فكرة أنّ الأمة تجمع بينها أصول واحدة، وأن المذاهب تجمع بينها روابط قوية ودعائم مشتركة، وهي كثيرة جداً، وأن أئمة المذاهب في حياتهم كانوا صورة طيبة للتعاون العلمي والإخاء الفكري، والتقدير المتبادل لكل ما صدر عنهم من آراء .فكم من الأعمال التي أجهضت بسبب نشؤء نفس الصراع والتصارع وانتشاره بين فئات ممن قـّل فقههم وقصرت رؤيتهم ، فالفرقة أو الغلو ، أو التعصب أو مصيبة الطائفية ، وانتفاخ روح الأنا والإعجاب بالذات والمرض بداء العظمة هي ما يجب أن يحاول أن يعالجه العقلاء من العلماء والمفكرين , فكم من القيم تلاشت بسبب تطاير أسهم الوحدة والمحبة , وأصبح من المحال العمل كفريق واحد متجانس متوائم يفكر في المصالح العامة وتتناسى صغائر وفرعيات الأمور


أبو مالك - الريان -

أشكر الأستاذ القدير على طرح هذه الرؤية ... لكن أليس لو كان مدارهاعلى أهمية إقامة العدل الذي به قامت السموات والأرض في التفريق بين غلاة الشيعة ومعتدليهم كان هذا أدعى إلى تحقيق ثمرة هذه الرؤية بدل أن يكون مجمل مدارها على ربطها بالتحليل العقدي للأحداث ...
وأختم بأننا نفتقد في ساحتنا الفكرية والدعوية من يعبر عن رأية متجردا عن الضغوط السياسية والإجتماعية والدعوية . فقليل من أمثال الدكتور من يكتب بقلم حر ... ولك تحياتي .


fahd

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اشكر الدكتور محمد على اثارة هذا الموضوع المهم

واتفق معه في ان الولايات المتحدة بدئت تستخدم السياسة الاستعمارية القديمة - الحديثة " فرق تسد " ولاسباب كثيرة منها :

* اشغال الدول الاسلامية في الصراعات الجانبية على التحديات الكبرى كالتطوير والتعليم و ..... خاصة مع الميزنيات العالية التي جنتها ولازالت كنتيجة لارتفاع قيمة النفط

* ضرب القوى الاقليمية ببعضها البعض حتى لا تقوم لها قائمة " العراق وايران " مثلاً.

* تحريك مصانع السلاح الامريكية التي تعاني من الكساد وهي محرك اقتصادي ضخم.

* كما لايجب اغفال الدور الصهيوني في هذه السياسة سوء من خلال اسرائيل أو من خلال المحافظين الجدد والذي يهدف إلى دمج اسرائيل في الشرق الاوسط

ولكني اختلف مع الدكتور في بعض النقاط منها :

* تحميله لاهل السنة وزر كل هذه المعضلة وكأن الشيعة ملائكة بالرغم مايفيض به مذهبهم من كره وتحقير للسنة بل وتكفير واستحلال لدماء واموال اهل السنة بل اكثر من ذلك وهو تطبيقهم العملي لما في كتبهم في ايران ومايحدث فيها من اضطهاد لاهل السنة وهم قرابة عشرين مليون ومايحدث في العراق " فرق الموت " التي ارعبت ببشاعة جرائمها العالم وماحدث في لبنان على يد المليشيات الشيعية " أمل" ويكفي مجزرتي صبرا وشتيلا.

* ينظر الدكتور للنظام الايراني كالنظام الممانع والثوري الابي ضد الاستعمار الامريكي وفي هذا خطا كبير فامريكا التي تخالف ايران في العلن تمكنها من حكم العراق!! وهذا يثير الف تساؤل.
كما ان هذا النظام نزق فماذا استفاد مثلاً من ازمة البحارة البريطانيين!


اخيراً
ان في التاريخ عبرة
والتاريخ يعيد نفسه
الشيعة كانوا وعبر التاريخ في عون كل المحتلين
فقد كانوا في عون المغول!
وفي عون البرتغاليين
وفي عون بريطاني
واخيراً في عون الولايات المتحدة

آسف على الاطالة
وشكراً للدكتور وللموقع


مهندي - سعد القحطاني - أبها

بارك الله فيك د. محمد الاحمري

والله أنك بمقالك هذا فتحت لي باب أمل كبير في إنقاذ الامة الاسلاميةوسرعة عودة عزها ومجدها والذي لا نشك في عودته ولكن كنت أخاف أن لا أكون حين يكون .
ولكن وجود مثل هذا النظر الثاقب والنظرة الشاملة الواعية العادلة والتحليل الواعي والدقيق لواقع وحالة الامة المسلمة اليوم وبالتحديد في منطقة العراق والخليج يعطي بارقة أمل لجيل اليوم حتى يستفيقوا ويتحدوا ويجمعوا أمتهم ويعرفوا عدوهم ويتركوا التقاتل بينهم ويوجهوا رأس المندقيةإلى عدوهم الحقيقي من الصهاينة الحاقدين .

مثل هذا المقال وهذا التحليل نحن في أشد الحاجة إلية بل وأكثر أهمية وتأثير ونفع وفائدة على الأمة من كثير من القرارات السياسية وحتى القمم واللقاءات بين كثير من القيادات السياسية .
لان هذا التحليل يمس جوهر الموضوع وصلب القضية أما القمم السياسية فلا نتيجة لها إلا تمرير أجندة جديدة للمحتل .
أدعوا للدكتور محمد بمزيد من التوفيق والتجديد وأن يواصل تجديدة لهذه الامة فهي في أمس الحاجة لمن يجدد لها دينها وأمرها
وأنا من المتابعين المستمرين لما يكتب قلمك يا دكتور محمد


الدكتور/ أحمد الشهري

بناة الحضارة والقوة وصانعوا التاريخ يسعون إلى الاستفادة من جميع الطاقات وتوظيفها في سبيل تحقيق أهدافهم بدلا من تهميشها فضلا عن إستعدائها. ولعل مايعيق مثل هذا المسلك الحسن في مجتمعاتنا العربية الإسلامية هو غياب الهدف الطموح والرضى بإشباع الغرائز الأساسية من المأكل والمشرب كهدف أساس على حد قول الشاعر
دع المكارم لاترحل لبغيتها......... وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي.

ولأن الأنظمة العربية الإسلامية أنظمة منفصلة عن شعوبها فهي ترى الخطر الحقيقي يكمن في الشعوب فتسلك كل طريق من شأنه تغييب الشعوب عن واقعها وما يراد لها فضلا عن السماح لها بالمشاركة في صنع مستقبلها ومكانتها. ويزداد الأمر سوءا عند ما يحاط هذا التغييب بسياج من الدين تترس خلفه السلطه وتمارس به القمع المقدس المبني على فتاوى أصحاب الإمتيازات الشخصية والحظوظ الدنيوية.

ومن نافلة القول أن تلجأ هذه الحكومات الضعيفة إلى خلق صراعات داخلية أشدها وأخطرها ما بني على الخلاف الديني وتأجيج نار الفتنة عن طريق البحث في التاريخ لإستلهام مواقف العداء والكراهية.
ولئن كان الفرس في إيران يعملون في هذا الإتجاه ويعزفون على هذا الوتر ويضخمون هذا الجانب لضمان بقاء تماسكهم الداخلي لتحقيق هدف سام في نظرهم وهو إمتلاك القوة وتحقيق التفوق على دول الجوار و كان لهم ما أرادوا بل أكثر من ذلك إذ إستطاعوا أن يكونوا لهم أتباعا شديدي الولاء في البلدان المجاورة. فلا نستطيع أن نفهم كيف تسعى هذه الدول لتحقيق أهداف خصمها عن طريق زيادة عزلة هذه الأقليات عن وطنها وتكريس تبعيتها للخارج وزيادة كراهيتها لأوطانها.

إن هذه لمعضلة حقا أشرف على تناميها مسؤولون دينيون أصحاب منافع شخصية يضيقون ذرعا بغيرهم من أهل السنة_ بل من القطر نفسه_ فضلا عن أصحاب الخلاف المذهبي الواسع.

إننا اليوم بحاجة إلى تطبيق مبادىء الإسلام حقيقة -لا تمثيلا- من العدل والمساواة وتحجيم دور أصحاب -التسلف الزائف – الذين حولوا المجتمع إلى مجتمع إستفزاز ديني عن طريق المظهرية الجوفاء والإقصاء للغير للتفرد بالحطام.

إن عموم أهل السنة والجماعة أكثر تقبلا لغيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى وتبقى طائفة الشيعة هي العقبة الكأداء التي ينبغي بذل الدعوة لها إذ أن هذا واجب ديني لايجوز التفريط فيه ولا التقاعس عنه فضلا عن أن يكون نزعا لفتيل أزمة قام قائمها.

ولعل المثقف والمسؤول يفيد من مقال الدكتور محمد رفع الله قدره.

وصلى الله على نبينا محمد


بلسم الحياري

بارك الله في الدكتور الأحمري على هذا التحليل الرائع. وقد أعجبتني فقرتان من كتاب محمد بن المختار الشنقيطي "فتاوى سياسية" حول هذه الموضوع، أنقلهما هنا للفائدة.

سؤال: بماذا تنصح العاملين للإسلام الذين بدأ يساورهم شك في جدوى العمل الجماعي بسبب القصور القيادي والتنظيمي في حركاتهم؟

جواب: صورة البنيان المرصوص واتحاد القلوب بشكل مطلق صورة مثالية نسعى إليها وقد لا ندركها، فما نحتاجه اليوم هو صيغ عملية لتنظيم الخلاف والتعايش معه، والتعاون على المجمع عليه، والعذر في المختلف فيه. ويحتاج الأمر إلى ثورة فكرية تميز بين المفهوم الشرعي والمصطلح التاريخي، والتأكد من صحة المنطلقات البسيطة التي يتجاوزها بعض المسلمين أحيانا، مثل واجب منح الولاء لكل المسلمين، فالولاء للمسلم لا يسقط إلا بسقوط أصل الإسلام، فلا يكن ولاؤك مقصورا على المسلم الملتزم فقط، أو الجماعات والطوائف التي تعتبرها ملتزمة بالسنة، فالولاء حق لكل مسلم أدى الحد الأدنى من الإسلام، وحتى لو كان فاسقا أو مبتدعا، فامنحه حقه من الولاء، ولا تخذلْه ولا تظلمْه ولا تسلمْه لعدو، وأعنه على إصلاح شأن دينه، والتخلي عن ما التبس به من بدعة أو معصية. وهذا ما نفهمه من حديث رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم :"من صلى إلى قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم الذي له ذمة الله ورسوله".

وتستلزم الوحدة التحرر من المصطلحات التاريخية التي أدت دورا وظيفيا في الماضي ثم أصبحت عبئا على العقل المسلم اليوم، مثل مصطلح "السلفية" و"الصوفية" و"السنة" و"الشيعة". فالرجوع إلى المفاهيم القرآنية والتسميات القرآنية هو الذي يبدد هذه الغواشي، وقد سمانا الله عز وجل مسلمين: "هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا..."، وهي تسمية أفضل شرعا ومصلحة من الاصطلاحات التاريخية. كما أن أي مفرق لكلمة المسلمين – فردا كان أو جماعة- فهو "شيعي" بالمفهوم القرآني، حتى وإن اعتبر نفسه من "أهل السنة والجماعة"، واقرأ إن شئت قوله تعالى :"إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء"، وفي قراءة: "إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا". وما أكثر "الشيعة" بيننا، المفرقين لصف الأمة، ممن يحملون راية السنة والجماعة!!

سؤال: ماهي الخطوات المفيدة في رأيكم للتعاطي مع الشيعة؟ الحوار أم المواجهة؟

جواب: هنالك رؤيتان للتعامل مع الطوائف الإسلامية الخارجة عن خط جمهور الأمة: رؤية استيعابية إيجابية، ترى الحوار والتقارب والتعاون سبيلا إلى دمج هذه الطوائف في الأمة من جديد. ورؤية تتعامل معهم بمنطق متشنج تصادمي، تعتمد التشهير أكثر من التعليم، والقوة أكثر من الإقناع. والشيعة مسلمون، يصلون إلى قبلتنا ويأكلون ذبيحتنا، فلهم ذمة الله ورسوله، على لسان نبي الله صلى الله عليه وسلم، شأن غيرهم من عامة المسلمين. ووقوع المسلم في بدعة أو معصية لا يسقط حقه في النصرة والموالاة والأخوة، بل الواجب الشرعي هو منحه حق الأخوة والولاء، مع الحرص على نصحه وهدايته إلى السبيل الأقوم الذي دل عليه الكتاب والسنة، ومساعدته على التخلص من البدعة والمعصية..

وقد ابتليت الأمة المسلمة في عصور انحطاطها بنزعة طائفية مزقت أحشاءها، وفتحت الباب لأعدائها. وهي نزعة يشترك فيها الكثيرون من الجمهور ومن الطوائف بكل أسف. ومن أسباب ذلك الخلط بين الوحي والتاريخ، وبين الشخص والمبدإ، وعدم الوعي بالزمان، والجهل بالخلافات التاريخية التي بدأت في عصر الصحابة رضي الله عنهم ولا تزال تلقي بظلالها على الأمة اليوم، والجهل بما عند الطرف الآخر، وتغليب سوء الظن، ومحاكمة السرائر، على منهج البساطة، وإيكال السرائر إلى الله. وقد قدمت في كتابي: "الخلافات السياسية بين الصحابة: رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ" رؤية لقراءة تلك الخلافات بشكل أقرب إلى التحقيق إن شاء الله، وأبعد عن منطق الجدل والمراء المفرق. وأغرب ما اكتشفته في إعداد ذلك الكتاب، هو الأخطاء الفادحة التي وقع فيها بعض أهل السنة –ومنهم علماء أعلام- في تناولهم للخلافات السياسية بين الصحابة، ثم بنوا عليها مفاصلة مع الطوائف الأخرى، رغم أنهم هم المخطئون في النقل أو في التحليل. أما أخطاء الشيعة في هذا المضمار فهي أشهر من أن تذكر..

أعتقد أن منهج الاستيعاب والاكتساب هو الذي برهن التاريخ على نجاحه في التعاطي مع الشيعة وغيرهم من الطوائف. فقد كانت الإسماعيلية – وهي من أشد الطوائف غلوا وبعدا عن الجادة- تحكم مصر والمغرب وبلادا إسلامية أخرى في يوم من الأيام، ثم تلاشت واندثرت في هذه البلدان، بفضل التغيير الذي حدث في المناخ الفكري والفقهي. ولم تتلاش تحت حد السيف أو جدل المتجادلين. وفي ذلك عبرة لنا اليوم. أما أسلوب التكفير والعزل السائد الآن فهو يقوي انغلاق أي أقلية على ذاتها، وتشبثها بما في يدها من بدع وانحراف. كما أنه يعمق الجرح، ويوسع الشرخ في صف الأمة في ظروف الطوارئ التي تعيشها اليوم، وفي ذلك خذلان للأمة، وتفريط في قضاياها الكبرى. واجب الحركة الإسلامية هو لم الشمل وجمع الكلمة، وتعليم المسلمين سنة وشيعة الحديث في خلافاتهم دون تشنج، حديث الأخ إلى أخيه.

فإذا أخذنا موضوع الشيعة في سياق بعض الدول المسلمة تخصيصا، فإن الأمر أشبه ما يكون بالبركان، لأن الطائفية هناك باب واسع إذا لم يغلقه الحكماء، فإن القوى الدولية الطامعة ستستغله أسوأ استغلال، وربما سولت لها نفسها تمزيق تلك الدول، ووضع اليد على ثرواتها، تحت شعار حماية الأقليات وصيانة حقوق الإنسان. والأمر كله يتوقف على حسن إدراكنا لحالة الطوارئ التي تعيشها الأمة، والتحرر من الفكر الإقصائي، وتغليب أسلوب الحكمة والاكتساب والاستيعاب، على أسلوب الجدال والتمزيق والتفريق.


bassam akra

baraka allaho fika sayydi wajazaka khayran