زيارة بوش بين الإعلام والسياسة

2006-11-30 | محمد أبو رمان زيارة بوش بين الإعلام والسياسة

لا يتوازى الاهتمام الإعلامي الكبير بزيارة الرئيس بوش إلى عمان ودلالة هذه الزيارة وقيمتها السياسية المتواضعة، بما لا يمكن أن نبني عليه نتائج جديدة أو خطوات باتجاه الخروج من الحالة الإقليمية الرمادية الحالية، ولعل المؤتمر الصحافي الذي عقده كل من بوش والمالكي في ختام المحادثات هو التعبير الأبرز عن غياب الحلول الجذرية التي يمكن أن تقدم للوضع العراقي المتدهور، أو حتى للملفات المشتعلة الأخرى.

المفارقة الملفتة في التغطية الإعلامية لزيارة بوش، بالإضافة إلى المبالغة والتهويل، تمثلت بالعديد من التعليقات الصادرة عن كتاب أردنيين وعرب، تبارت وتفننت في تقديم دروس وعظات لبوش والإدارة الأميركية عن منطقة الشرق الأوسط ومشكلاتها. ومع أنّ الخبرة أثبتت جلياً أن هنالك مشكلة كبيرة في رؤية بوش والمحافظين الجدد للمنطقة وطبيعتها، لكن من يقرأ لكتابنا يظن أننا، في المقابل، نظهر مهارة وخبرة فريدة في إدارة سياساتنا وشؤوننا الداخلية! أو أن بوش والإدارة الأميركية سيقفون كثيراً عند المواعظ السخية التي قدمت أثناء الزيارة وقبلها!

يبدو أنّ إحدى سمات الإعلام العربي اليوم هي القدرة الفائقة على ممارسة "اللغو الإعلامي" بغير فائدة ولا قيمة مضافة حقيقية، وإلاّ فإنّ الرسالة من المواعظ المقدمة للرئيس بوش هي في المحصلة للقارئ العربي، الزبون الرئيس لهذا الإعلام، وهو ليس بحاجة إلى هذه النصائح والمواعظ؛ إذ يعطي فيها محاضرات ذات مستوى رفيع، سيما وأنها تنضح من معين معاناته وأزماته اليومية المريرة!

بالعودة إلى زيارة بوش، فلا أهمية إستراتيجية حقيقية لها، ولا يتوقع منها نتائج جديدة، بل تأتي هذه الزيارة غداة المذكرة التي قدمها مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، ستيفن هادلي، بعد عودته من بغداد، ولقائه بعدد من المسئولين ومقاربته الوضع هناك. التقرير في مجمله، كما نشرت النيويورك تايمز، متشائم وغير إيجابي، يشكك في قدرة رئيس الوزراء المالكي على إيقاف الحرب الدموية في بغداد، أو الوقوف على مسافة من طائفته الشيعية التي تمثل مصدر قوته السياسية من ناحية، والتي ترتبط القوى والرئيسة الفاعلة فيها بإيران.

المالكي في معضلة حقيقية، فإذا أراد أن يضع حداً لجيش المهدي، المسئول عن أعمال بشعة بحق السنة العرب، فإن تحالفه السياسي مهدد، كما ستكون وحدة الطائفة الشيعية على المحك، وأول الغيث والرسائل تمت عشية زيارة بوش، عندما علق "الصدريون" مشاركتهم بالحكومة والبرلمان، أما إذا تراخى المالكي مع جيش المهدي فإنّ السنة سيغضبون وستزيد أزمة العملية السياسية، ما يفاقم من حدة الحرب الدموية، ويجر العراق إلى مرحلة اللاعودة النهائية.

من الواضح أنّ السياسة الأميركية باتت عاجزة أمام ما يحدث في العراق، وتقع الخيارات الأميركية بين ثلاثة احتمالات رئيسة: الأول الانسحاب السريع وتسليم الأمن والقوة للعراقيين، مع معرفة الجميع أنّ الشرطة والجيش العراقي غير مؤهلين لاستلام المسؤوليات، بل هما من أدوات الصراع الطائفي اليوم، والاحتمال الثاني زيادة عدد القوات الأميركية بصورة كبيرة وفاعلة، وهذا الحل يكاد يكون مستبعداً تماماً لدى الوسط السياسي الأميركي، فضلاً عن المعارضة الشعبية الكبيرة، أما الاحتمال الثالث فهو التوصية بعقد مؤتمر إقليمي وبمشاركة إيرانية- سورية.

المؤتمر الإقليمي، والذي تشير تقارير عديدة إلى أنه سيكون التوصية الرئيسة للجنة هاملتون- بيكر، يعد أيام، لن يكون ناجحاً إلا بمشاركة إيران وسورية، ما يعني أنّ هنالك شروطاً إقليمية جديدة، إذ يرتبط الأمر بصفقة كبرى تنال العراق والملفات الإقليمية المختلفة، وهو ما لا يبدو إلى الآن أن هنالك استعداداً أميركياً له، في الوقت الراهن، على الأقل إلى حين انتهاء مدة ولاية الرئيس بوش.

الفرصة الأخيرة أمام الأميركيين بدأت مع محادثات عمان الأخيرة، ولن تبقى طويلاً؛ فالوضع يسير نحو الأسوأ على أرض الواقع، وتتولى زمام الأمور كلية العصابات والجماعات المسلحة. وفي أحد التقارير الأمنية الأميركية الأخيرة هنالك تأكيد واضح أن القاعدة تسيطر على غرب العراق تماماً وأن القوات الأميركية عاجزة عن مواجهتها في تلك المناطق.

فرضية القدرة على مواجهة "العمليات المسلحة" عسكرياً باتت مستحيلة اليوم، بعد الأحداث الدموية الأخيرة، وأوضح هذه القناعة بصورة بليغة وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر، إذ يرى أن المهمة الأميركية غير قابلة للنجاح، فهي تريد "اصطياد التمرد وسط حرب أهلية".

في المقابل، فإنّ رؤية الحزب الديمقراطي لا تزال موضع نقاش إلى الآن، وإن كانت التصريحات والقراءات الأولية تشير إلى خيار تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق شبه مستقلة، على غرار ما جرى في البوسنة والهرسك، مع فارق واضح أنّ البوسنة والهرسك كانت ضمن بيئة إقليمية مختلفة، ذات مصالح أمنية واستراتيجية مناقضة لما هي عليه حالة الشرق الأوسط ودوله، ما يجعل من هذا الخيار أيضاً موضع مجازفة خطيرة!

على الجهة المقابلة، لم يكن الملف الفلسطيني محور اهتمام زيارة الرئيس بوش، مع أن الدبلوماسية الأردنية حاولت فرضه، فمن الواضح أن بوش مشغول بالعراق كليةً، كما أنه لا يستطيع أن يقدم شيئاً حقيقياً في القضية الفلسطينية، خلال الفترة القليلة المتبقية له، ويبدو أن هذا الملف سينتظر إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية القادمة.

في المجمل؛ زيارة بوش لم تحمل جديدا، سوى أنها أكدت مأزق السياسة الأميركية بالمنطقة، وحاجتها إلى حبل إنقاذ أوروبي، ما يضع حداً للتفرد الأميركي، ويؤكد أكثر واقعية ومصداقية رؤية ريتشارد هاس بأفول الحقبة الأميركية في هذه المنطقة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر