آخر الأخبار

حماس ما بعد المنعطف!

2006-5-17 | محمد أبو رمان حماس ما بعد المنعطف!

بات من المتفق عليه لدى المحللين والمتابعين أن حماس لم تكن قد أعدت نفسها لاستلام السلطة، وأنها صدمت بالانتصار كما صدمت فتح بالهزيمة، ويؤكد على هذه الملاحظة عدد من المقربين من حماس، ويضيفون أن توقعات الحركة كانت تقوم على أنّ تزويرا للنتائج لا بد أن يتم ليعطي فتح الأغلبية والأفضلية في مقاعد المجلس التشريعي والقدرة على تشكيل الحكومة، وأن نتيجة حماس، على أحسن الأحوال، كانت نيل نسبة قريبة من النصف، بحيث تتمكن من تشكيل معارضة سياسية فاعلة.

التحول الحقيقي لدى حماس، الذي قاد إلى انخراطها في العملية السياسية، لم يكن مبنيا على حسابات السلطة واستحقاقاتها، إنّما على المشاركة السياسية التي تتيح للحركة تحقيق نفوذ وتأثير داخل النظام السياسي، مع احتفاظها بجناحها العسكري ومواقفها السياسية المبدئية، بما يؤدي -في الوقت نفسه- إلى التخفيف من الضغوط عليها دون أن تتورط بمواجهة مع الولايات المتحدة والمجتمع الغربي وبدرجة قريبة من ذلك مع النظام العربي. كان واضحا أنّ خالد مشعل ومعه المكتب السياسي ينطلقون في عملية التحول من تأثرهم بتجربة حزب الله اللبناني "الجمع بين المشاركة السياسية والعمل المقاوم"، دون الالتفات إلى أنّ تجربة حزب الله تقوم على شروط وروافع مختلفة تماما عن الحالة الفلسطينية!

على أي حال انتهى مخاض حماس من تجاوز سؤال المشاركة إلى التورط بتشكيل الحكومة، وما يرتبط بها من استحقاقات محلية وخارجية، تمثل مرحلة حرجة وحساسة وخطيرة. ويمكن القول إن حماس تقف اليوم على منعطف خطير، سيقود إلى مرحلة جديدة، سماتها مختلفة بالكلية عن المراحل السابقة، وهو ما يطرح السؤال: كيف تفكر قيادة حماس في التعامل مع المتغيرات والاستحقاقات الجديدة الخطيرة؟..

ثمة عدة احتمالات وقراءات، الأولى يلتقطها المحللان السياسيان روبرت مالي وأرون ميلر في مقال ـ نشر مؤخرا في الواشنطن بوسط- بعنوان "هل بمقدور إسرائيل وحماس التوصل لتسوية مقبولة؟" (عن الاتحاد الإماراتية 16-5)، وتقوم فكرة المقال على أنّ كلا الطرفين — إسرائيل وحماس- يؤمنان بالحل الأحادي ويتفقان عليه، فإسرائيل لا تريد شريكا فلسطينيا، لتمضي قدما في بناء الجدار والانسحاب الفردي ورسم الحدود النهائية، متذرعة بوجود حماس لنيل المباركة من المجتمع الدولي، بينما تعلن حماس أنّ انسحاب إسرائيل من أي جزء من الأرض مصلحة فلسطينية، دون أن تتورط بالمفاوضات مع إسرائيل والموافقة على اتفاقيات السلام التي رفضتها سابقا، أو تغيير ميثاقها الأساسي.

وفقا للمحللين الأميركيين، فإن إسرائيل ليس من مصلحتها سقوط حماس، وعودة حكومة فلسطينية توافق على التسوية وتحرج مشروع إسرائيل الأحادي، لذلك قد توافق إسرائيل على إجراءات لتمرير المساعدات الإنسانية الدولية لتخفيف الضغوط على حكومة حماس واستمرار الحياة اليومية للشعب الفلسطيني.

المشكلة في القراءة السابقة، إذا كان بعض قادة حماس يتبناها، أنّها تلغي هامش المناورة الفلسطينية- السياسية ضد الحل الأحادي، الذي يبتلع جزءا كبيرا من الأرض الفلسطينية، ويحول المجتمع الفلسطيني إلى مجاميع بشرية تفتقد إلى مقومات الحياة الاقتصادية اليومية، فضلا عن زوال المعاني السياسية للقضية تحت ضغط المعاناة الإنسانية اليومية.

ويتوقع الكاتبان أنْ يتم التوافق بين إسرائيل وحكومة حماس على "الأحادية المتبادلة" من خلال المفاوضات الثنائية على قضايا الخدمات والتفاصيل اليومية، بعيدا عن النقاش السياسي حول التسوية ومصائرها.

ويذكرنا مقال هذين الكاتبين بمقال هنري كيسنجر، حول "ملامح السلام بين حماس وإسرائيل"، ويتوقّع فيه أن تستمر حالة "اللا سلم واللا حرب" بين حماس وإسرائيل إلى فترة طويلة، يغيب فيها الشأن السياسي ويتم فيها الحوار على القضايا اليومية. والغريب أن إسماعيل هنية قد أعطى وزراءه الإذن بإجراء مفاوضات مع إسرائيليين في القضايا المرتبطة بالإجراءات اليومية، وهو ما يصب أيضا في اتجاه هذه القراءة.

القراءة الأخرى، وتعززها توقعات أميركية (صحيفة الحياة 17-5-2006) أنّ حكومة حماس في ظل الضغط الدولي والإقليمي وحجب المساعدات وتفاقم الأوضاع ستنهار خلال مدة ثلاثة أشهر، وسيعاد إجراء الانتخابات من دون السماح لحماس بتحقيق أغلبية مشابهة للمرة السابقة. وأمام هذا السيناريو يبدو أنّ حماس تراهن على الصمود والتحمّل ومحاولة اختراق الحصار الكبير عليها.

المشكلة أنّ الحصار والتجويع لا يصيب حماس وحدها بل الشعب الفلسطيني بأسره، وهناك مئات الآلاف من الموظفين وأسرهم يعتمدون على المساعدات الدولية لتأمين رواتبهم الشهرية ومصادرهم المالية. وفي حال أصرت حماس على موقفها فإنّ الأمر مرشح للتصعيد الداخلي، وربما المواجهة الفلسطينية - الفلسطينية.

تذهب قراءة أخرى إلى أنّ الحصار والتجويع والضغوط الدولية والداخلية ستثمر تحولات داخل حماس نفسها، وستنقل مركز الثقل من الخارج إلى الداخل (أي الحكومة الجديدة)، وهي أقل "تشددا" من المكتب السياسي، وستدخل حماس مرحليا في مفاوضات السلام والتوافق مع الرئيس أبو مازن.

في هذا السياق، يتحدّث البعض عن سيناريو يعده أبو مازن يتمثل بإنشاء "كديما فلسطيني" في مقابل "كديما الإسرائيلي"، يتوافق فيه مع تيار واسع من حماس على قضايا رئيسة، ويتم إجراء انتخابات مبكرة، تساهم في احتلال "كديما الفلسطيني" المركز السياسي في الإجماع الوطني الفلسطيني.

بينما يتحدّث آخرون عن سيناريو الرجوع إلى الوراء وعودة حماس إلى المقاومة المسلحة، في حال أفشلت الحكومة، وتركت حماس السلطة سواء بطريق إجراء الانتخابات أو الانقلاب عليها من الرئيس أبو مازن. إلاّ أن الخيار العسكري في ظل الشروط الحالية يبدو مرهقا وله استحقاقات مختلفة عن المرحلة السابقة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر