حماية 'النموذج الأردني'

2006-5-13 | محمد أبو رمان حماية 'النموذج الأردني'


مثّلت العلاقة بين الحكومات المتعاقبة وجماعة "الإخوان" (في الأردن) نموذجا استثنائيا على الصعيد العربي ضرب المثل به عالميا على سعة أفق النظام الأردني في إدارة سياساته الداخلية بطرق سلمية وتوازنات ذكية من جهة، وعلى اعتدال الإخوان من جهة أخرى. وعلى الرغم من حالات التوتر التاريخية المحدودة إلا أن النظام تمكن دوما من تغليب سياسة "الاحتواء" وساعدته حكمة "الإخوان"، وأسسوا في عقود ميراثا سياسيا من القواسم المشتركة تتمثل بـ: اعتماد العمل القانوني السلمي تحت مظلة الدستور، رفض العمل المسلح، التوافق على أهمية الاستقرار السياسي، حماية الأمن الوطني وتغليب المصلحة الأردنية على المصالح الجهوية أو الإقليمية الأخرى.

إلاّ أنّ المشكلة التي يواجهها "النموذج الأردني" أنه استمر على ميراثه السابق -الذي اكتسبه خلال فترة الحرب الباردة- ولم يتطور أو يجدد نفسه مع التحولات الكبرى التي عصفت بالعالم والإقليم والداخل، في حين أنّ سياسات ومواقف الطرفين - الحكومات والإخوان- قد تغيّرت واتسعت الفجوة التي تفصل بينهما على مدار السنين الأخيرة، ما أدى إلى ازدياد مساحة التوتر والأزمات لتصبح هي عنوان العلاقة بين الطرفين وتهدد النموذج أو تفقده معانيه السياسية الكبيرة المتميزة ليصبح الشاغل الرئيس دوما نزع فتيل الأزمات قبل أن تتفاقم، مما غلّب البعد الأمني على السياسي — بينهما- في السنوات الأخيرة.

لست هنا بصدد تقييم المرحلة السابقة. لكن ما يدفعنا للتذكير بهذه الأسس السياسية والتاريخية هي الأزمة الأخيرة بين الحكومة وحماس التي تلقي بظلال واسعة على العلاقة مع "الإخوان" هنا. وعلى أقل تقدير فإنّ عددا من المعتقلين على خلفية هذه الأزمة هم من أفراد "الإخوان". كما أننا لا نستطيع الفصل لاحقا بين علاقة الحكومة مع حماس وبين الأبعاد الداخلية لها، في ظل حالة من التعاطف الشعبي الكبير مع الحكومة الفلسطينية الوليدة، التي تتعرض لحصار دولي كبير منذ أن تشكلت.

"الإخوان" ينظرون إلى التوتر مع حماس على أنّه يمّسهم مباشرة، ويخشون أن يكون ذلك مقدمة لتوتير الأجواء معهم مما يؤثر على التعديلات على قانون الانتخابات وعلى نشاط مؤسساتهم المختلفة، بينما ترى الحكومة أنّ "الإخوان" تسرّعوا بنفي قضية حماس، وفي تكذيب الرواية الأردنية من دون أن يلموا بالتفاصيل.

لكن "رب ضارة نافعة"؛ قد تكون هذه الأزمة فرصة مناسبة لكل من الحكومة والحركة الإسلامية لتجديد النموذج الأردني والتوافق على قواعد العلاقة مرة أخرى، وإعادة بناء قنوات واسعة من التواصل والحوار خدمة للمصلحة الوطنية، ما سيكفل مستقبلا إدراك مساحات الاختلاف والاتفاق في سياق مناخ سياسي صحي من دون الحاجة إلى رسائل متبادلة غير مباشرة أو إلى وسطاء ينقلون الرسائل خطأ سواء بقصد أو بغيره.

وفي سبيل الوصول إلى المعادلة الجديدة، لا بد من التأكيد على قضايا رئيسة؛ أولها أن الحركة الإسلامية جزء من النسيج الاجتماعي والسياسي الأردني، وأنها كانت —وما تزال- صمام أمان للاستقرار السياسي والأمني، وعلاقتها مع النظام محكومة بمنطق التعايش والمشاركة السياسية الإيجابية البناءة البعيدة عن لغة التحريض أو التكفير. أمّا التعامل مع الحركة الإسلامية وكأنها مصدر تهديد للاستقرار، كما ترى نخبة سياسية اليوم، فهو تعامل خاطئ يتجاوز المسار التاريخي لهذه الجماعة التي انحازت في أحلك الظروف إلى مصالح الوطن وأمنه وسيادته. ولسنا بحاجة، في هذا السياق، للتذكير بحوادث ومواقف تاريخية للحركة. على الطرف المقابل، مطلوب من الحركة الإسلامية الالتزام بالمنطق التاريخي الذي حكم سياساتها ومسارها بأنها "حركة وطنية أردنية"، وهو ما يقتضي النظر بعين واقعية لمصالح الأردن والشروط الدولية والإقليمية الصعبة التي يتحرك من خلالها.

وفيما تقر قيادات في "الإخوان" أنّ هناك حالة من التداخل التنظيمي "ازدواجية العضوية" لأفراد في الجماعة حدثت مع "حماس" في السنوات السابقة، التي تواجد فيها مكتب حماس السياسي على الساحة الأردنية، فإنّ المطلوب التخلص تماما من هذا التداخل وحسم الانتماء للإخوان تنظيميا كحركة أردنية، والتمييز بينه وبين الارتباط العاطفي الإسلامي مع حماس (وهو حق مشروع).

صحيح أن حماس، رسميا، مرتبطة بالإخوان الأردنيين منذ وحدة الضفتين، إلا أنها تمثل اليوم حكومة لها علاقاتها الدولية والإقليمية وتمتلك رؤيتها الخاصة لمصالح الشعب الفلسطيني، ما يعني ضرورة "فك الاشتباك" بين الطرفين والحفاظ على استقلالية العمل. ومن المعروف تاريخيا أن الحكومة عقدت اتفاقا مع "فتح"، بعد تأسيس السلطة الفلسطينية 1993، يقوم على التعامل بين حكومتين تحترم كل منهما الأخرى، ويتضمن ذلك امتناع "فتح" عن أي نشاط تنظيمي داخل الأردن، وهو ما التزمت به الحركة بالفعل، ومطلوب اتفاق مماثل مع "حماس" ينهي أي احتمال لأزمة أمنية أو سياسية مستقبلا.

يمسك بقيادة الحركة الإسلامية، اليوم، تيار وسطي معتدل، لديه رؤية واضحة حول الهم الوطني للحركة الإسلامية ولضرورة المراجعة الداخلية، وقد التقيت قبل أيام بالمراقب العام للإخوان الأستاذ سالم الفلاحات، ويتمتع الرجل بإدراك سياسي ناضج، ويبدي استعدادا كبيرا للعمل على بناء قنوات جديدة مع صانع القرار والقيام بحوار سياسي إيجابي يقرأ المرحلة القادمة واستحقاقاتها الخطرة على مستوى المنطقة وتداعياتها الداخلية.

الحركة الإسلامية يمكن أن تقوم بدور الوسيط الفاعل بين الحكومة وحماس، وهي الأقدر على ذلك لعلاقتها الأخوية بحماس ولدورها التاريخي الوطني، لذلك يجب ألا تقدم الحركة خطابا تصعيديا، بل أن تدفع إلى التهدئة وامتصاص الاحتقان، وهو ما لمسناه بالفعل في التصريحات الصحافية الواعية لنائب أمين عام جبهة العمل الإسلامي د. رحيل غرايبة قبل أيام قليلة. وإذا كانت هناك مشاكل مستعصية بين الحكومة وقيادة حماس في الخارج، فبالإمكان بناء قنوات من التواصل والحوار مع حكومة حماس الحالية، والعمل سويا على تطوير العلاقات المتبادلة وبحث الطرق المناسبة التي يمكن من خلالها للأردن —حكومة وشعبا- تقديم مساعدات وعون فاعل للشعب الفلسطيني وهو يمر بهذه المحنة الكبيرة، التي تؤثر على أساسيات حياته اليومية من غذاء ودواء.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

السلطاوي

أهلا أستاذ / محمد

من العجائب أن الا سلاميين أصبحوا يروجون للإقليمية , والرضوخ لاتفاقية سايكس بيكو , بدل العمل على انتشالها من نفوس الناس أولاً ثم انتشالها من واقعهم السياسي ثانيا ؟

ألاحظ في مقالاتك أستاذ / محمد , اعترافا بشرعية النظام الاردني ,,, الذي بلغ من العمالة ما يزكم الأنوف .

اخواننا في فلسطين يشكون ضائقة مالية وصحية , وهؤلاء يلفقون وينشرون قضية الأسلحة وتنظيم حماس الذي ينوي ضرب أهداف في الأردن !!!

أي بجاحة وكذب بعد هذا ؟ حماس تضرب شخصيات اردنية ؟؟؟ واهدافا في الاردن ؟؟؟؟ وهي التي لم تتعرض للمسؤلين الفلسطينين الذين اذاقوهم المر والعلقم .

ألم أقل لك أن النظام الاردني نظام عميل أستاذ / محمد .

يا ترى متى ستكون متطرفا ثوريا أستاذ محمد ( ابتسامة ) .


محب السنة

هل تتوقع أخي السلطاوي أن يفكر أبو الرمان تلميذ الواقعية الانبطاحية, مجرد التفكير في شرعية النظام الأردني!! الذي يتحدث عنه و كأنه نظام شرعي متغافلا عن أنه نظام لقيط وجد عبر عملية قيصرية بريطانية لخدمة مصالح الاستعمار في المنطقة و حياته مرتبطة دوما بخدمة مصالح سادته الاستعماريين الذين هم الأمريكان اليوم و بدونهم ينهار و لا يمكنه الصمود حتى ولو 24 ساعة.