الأردن وحماس إلى أين؟..

2006-5-10 | محمد أبو رمان الأردن وحماس إلى أين؟..

يمثل إعلان الحكومة الأردنية عن اكتشاف مخزن أسلحة وأفراد من حركة حماس كانوا يستطلعون أماكن مدنية لضربها، عشية زيارة محمود الزهار التي لم تتم إلى عمان، تتويجا لرؤية تيار سياسي داخل وخارج المؤسسات الرسمية يرى في انتصار حماس مشكلة للأردن، وحافزا لمزيد من النفوذ والمكاسب لجماعة الإخوان المسلمين التي تمثل العمود الفقري للمعارضة.

وأيّا كانت صيغة الإخراج الحكومية المنتظرة سواء جاءت بمشهد فيه عدد من المعتقلين يعترفون على التلفاز بتخطيطهم للعملية أو ابتكار أساليب جديدة، فإن علامات الاستفهام والتشكيك ستبقى هي عنوان موقف الشارع الأردني من هذه الرواية الرسمية.

رواية حماس، في المقابل، أنها أعلنت الهدنة المسلحة حتى مع إسرائيل والتزمت بها منذ ما يزيد على عام، وهي في نفس الوقت تمر بحصار دولي وإقليمي يتطلب منها درجة عالية من الحذر والذكاء، مما يعني أن قبول الرواية الأردنية يتطلب قدرا كبيرا من غياب المنطق.

وإذا قبلنا جدلا برواية الحكومة الأردنية بقيام "عناصر من حماس" بتهريب أسلحة والتمهيد لأعمال داخل الأردن، فما المانع من موقف إيجابي أردني تجاه حماس، خاصة أنه كان بالإمكان تمرير زيارة الزهار واحترامه كوزير خارجية يمثل الشعب الفلسطيني، ثم فتح الموضوع في قنوات معينة مع حماس والاتفاق على مخرجاتها. أمّا الإعلان عن العملية عشية زيارة الزهار لإلغاء الزيارة، فمن الواضح أن في ذلك توجها أردنيا رسميا غير متفق مع حماس على أقل تقدير.

على العموم، من المفيد أن نخرج من محاكمة الرواية الأردنية ومدى صحتها إلى استجلاء الأبعاد والتداعيات المتوقعة لهذا التطور الخطير في العلاقة.

فعلى النقيض من الأصوات الصحفية التي بدأت تصدر بعد فوز حماس في الانتخابات، مطالبة الحكومة الأردنية بفتح صفحة جديدة مع الحركة وقيادتها، ثمة جدال كبير داخل النظام حول التعامل مع فوز حماس وتداعياته المحتملة.

وينقسم طرفا الجدل الرئيسين بين اتجاهين، اتجاه متشدد يرى أن فوز حماس ليس في صالح الأردن، وأنّه سيعزز من قوة الإخوان المناكف الرئيسي لسياسات الحكومة، وسيفتح أعينهم على السلطة.

أما الاتجاه الثاني، فيرى أن مصلحة الأردن الحيوية تقتضي التعامل مع حركة حماس، وإذا كان هناك من مشكلة في العلاقة مع المكتب السياسي لحماس بقيادة خالد مشعل، القريب من خط دمشق- طهران، فيمكن بناء قنوات نفوذ في حماس الداخل والحكومة الجديدة.

البوصلة تشير إلى تغلب رؤية الاتجاه المتشدد حتى الآن، الأمر الذي يتضح من خلال إغلاق الأردن أمام قادة حماس في الزيارة الأولى التي قام بها المكتب السياسي إلى عدة دول عربية، وعدم استقبال الزهار هذه المرة بحجة اكتشاف مخزن الأسلحة.

لكن الخشية الحقيقية هي أن يكون الموقف من حماس مقدمة لمواجهة أشد مع جماعة "الإخوان" لجرها إلى فك الارتباط مع حركة حماس، وتوجيه رسالة واضحة للإخوان مقتضاها أن النظام لن يسمح لهم بطموح أكبر من دورهم الحالي، وأنّ محاولة تغيير قواعد اللعبة الحالية لن تعود على الإخوان بفوائد ولا مكتسبات جديدة، بل إنهم قد يفقدون امتيازاتهم الحالية.

هناك رسائل متبادلة بين النظام والإخوان، يمكن التقاطها في الفترة الأخيرة بدءا من مقال استثنائي نشر في صحيفة الرأي الأردنية، على الصفحة الرئيسة من الجزء الثاني بتوقيع "محرر"، قبل أيام من اختيار زكي بني رشيد أمينا عاما لجبهة العمل الإسلامي، يتضمن رسالة شديدة اللهجة، بعنوان "هل تعين حماس الأمين العام القادم لجبهة العمل الإسلامي"؟، واعتبر أنّ بني رشيد موظف في حركة حماس يدير استثمارات لها، في حين تمثّل الرد الإخواني في اختيار بني رشيد بالفعل أمينا عاما للجبهة.

بالتأكيد سينقل التيار المتشدد داخل النظام أزمته المعلنة مع حماس، والكامنة إلى الآن مع جماعة الإخوان إلى قانون الانتخابات المنتظر للحيلولة دون أية صيغة ستزيد من قوة ودور الإسلاميين في البرلمان القادم، مما يعني ترحيل المضامين الحقيقية للإصلاح السياسي إلى أجل غير معلوم!

التيار المتشدد ربما لا ينجح في فرض رؤيته إلى النهاية بالضرورة، ومن الممكن تماما أن ترتفع أصوات - وقد بدأت إرهاصات ذلك بالفعل- ترى في الخيار المتشدد إضرارا بالمصالح الأردنية، لأن اتخاذ موقف سلبي من حماس والمساهمة في حصارها سيترك شرخا في العلاقة الأردنية- الأردنية، إذ سينظر المواطنون الأردنيون "من أصل فلسطيني" إلى السياسة الأردنية بغضب وخيبة أمل كبيرة، وستضعف مصالح الأردن داخل الأراضي المحتلة. كما أنّ تأزم العلاقات مع حماس سيعزز من اتجاهها إلى طهران ودمشق، بدلا من محاولة بناء قنوات من التواصل والحوار تخدم المصالح الأردنية الفلسطينية على السواء.

أمّا إضعاف الإخوان فسينظر إليه على أنه إضعاف للأردنيين من أصول فلسطينية الذين باتت جماعة الإخوان الإطار الأكبر لتمثيلهم السياسي.

* فزاعة "البديل الإسلامي"

يفسر كثير من المحللين إعلان الأردن عن اكتشاف مخبأ الأسلحة والاعتذار عن استقبال الزهار بأنه استجابة للضغوط الأميركية الإسرائيلية، وهي الحالة ذاتها التي تنطبق على مصر، عند رفض وزير الخارجية المصري استقبال الزهار متذرعا بالانشغال، كما تنطبق أيضا على دول عربية أخرى تعاملت مع حماس بحرج شديد، حتى لا تسيء إلى علاقتها بالولايات المتحدة.

المشكلة في الحقيقة لا تكمن في الضغوط الأميركية الإسرائيلية فقط، إذ النظام العربي يقرأ تجربة حماس من منظور "البديل الإسلامي"، لذلك يبدو إفشال حماس مطلبا عربيا قبل أن يكون مطلبا أميركيا إسرائيليا. والرسالة العربية في هذا السياق "مزدوجة"، فهي موجهة إلى الولايات المتحدة الأميركية أولا لإبلاغها أن البديل عن الواقع السياسي الحالي حركات "أصولية معادية للمصالح الأميركية"، وإلى الشعوب العربية ثانيا لإفهامها أنّ الإسلاميين هم أصحاب شعارات وخطابات رنانة، وأنهم إذا استلموا السلطة سيفشلون وسيجرون المجتمعات العربية إلى الهاوية وإلى الجوع والحصار.

يبدو أننا أمام مرحلة يلتقط فيها النظام العربي أنفاسه بعد شهور من الضغوط الخارجية، إلا أن تطور الأوضاع السيئة في العراق واكتساح الحركات الإسلامية للانتخابات العربية، وتطور أزمة البرنامج النووي الإيراني دفعت بالضغوط الأميركية إلى الوراء، وارتفعت أصوات داخل الولايات المتحدة تطالب بإعادة النظر في جدوى الديمقراطية الحالية إذا كانت ستضر بمصالح الولايات المتحدة.

وإذا كنا لا نجزم تماما بتخلي الولايات المتحدة عن دعوتها إلى "الديمقراطية"، فإن ما يمكن قوله هو أن هناك غموضا ينتاب الضغوط الأميركية الآن. وهذا ما يلتقطه محرر شؤون الشرق الأوسط في مجلة كريستان ساينس مونتور هارولد لافرانشي، إذ يرى أن الضغوط الأميركية تراجعت، وأن الوضع الحالي يتسم بالحذر والتخفيف من الحماسة من أجل الديمقراطية.

على صعيد آخر، فإن الأوضاع المتفلتة في العراق وإرهاصات الحرب الأهلية تحتل مساحة الرؤية كاملة لدى المواطن العربي، على حد تعبير الكاتب السوري أكرم البني، وهو ما ينطبق على الأزمة المستعصية في لبنان، مما يجعل الفرصة مناسبة تماما للحكومات العربية لأخذ زمام المبادرة من جديد وإشاعة مناخ الطوارئ سعيا إلى إعادة المعارضة إلى المربع الأول.

وترى النظم العربية أنها في حال تمكنها من حصار تجربة حماس السياسية الحالية، وصولا إلى إفشالها سيصب ذلك أيضا في ممانعتها لرياح التغيير التي هبت على المنطقة في الشهور الأخيرة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

سعدي حمدي

بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على رسول الله محمد (ص).
أين الفرق إذن ,من النظام العربي و النظام الأمريكي؟ فالسياسة هي سياسة واحدة والإثنين معا متفقين على مصلحة واحدة وهي حصار كل من يأتي ضد مصالحهما عوض مصالح الشعوب,فالنظام العربي يخاف أن يفقد السلطة والحماية من الغرب ,والغرب يهمه المصالح الحيوية العربية و السياسة التي يبنيها لصالح اليهود لسيطرتهم آجلا على الشعوب المحيطة حتى لايكونوا تهديدا للدولة العبرية وبمعنى آخر إستغلالهم لصالحها وحتى إستعمارهم وتوسيع مناطقها (الدولة العبرية طبعا) و إنشاء تاريخ جديد لها,أين مصلحة العرب أو الشعوب إذن؟ فالمسألةليست لفلسطين وحدها أو الأردن ,فالمشكلة هي مشكلة من الخليج إلى المحيط ,والدليل على ذلك هو غزو العراق و لماذا؟ وتفرقته وتفتيته ,وإحلال مشكلة أخرى هي مشكلة المذاهب و لماذا؟ وتفرقة المسلمين وغير المسلمين و لماذا؟ أيحدث كل هذا مثلا في أمريكاالتي هي مكونة من لاجئين أوروبيين وهنود وقوميات أخرى؟أو أوروبا التي بها قوميات متعددة, ؟ طبعا لا,و ما معناه نحن فقط إن لم يكن من أجل إستعمارنا! هنا يجب على المسلم أن يقف وقفة رجل ليدافع عن أبناءه و أرضه وماله ودينه, ولايجب أن يتهاون عن ذلك لأن الله سبحانه و تعالى سوف يحاسبه يوم القيامة ويجب أن لاينخدع بخطابات مزوقة أو شعارات زائفة,ويجب أن يعمل كل ما بوسعه لإخفاق مخططات من يريدون سوءا بأمتنا و أن يدعي للتوحيد لأنه أكبر سلاح يهابه أعداء أمتنا وشكرا لك يا مجلة العصر.