تحت الحصار

2006-5-2 | محمد أبو رمان تحت الحصار

تبدو خيارات "حماس" صعبة ومحدودة في ظل المؤشرات الراهنة، وكثير من السيناريوهات التي نقرأها لا تبشر أنّ هناك إمكانية حقيقية لفك الحصار المرعب الذي تعاني منه الحكومة الجديدة، ويؤدي بآثار وخيمة على الشعب الفلسطيني بأسره. وعلى النقيض من ذلك تحدّثت صحيفة (يديعوت أحرنوت) عن صيف حار بانتظار حماس، يتمثل بقرار من الرئيس عباس بحل المجلس التشريعي وإجراء انتخابات مرة أخرى، مع ضمانة عدم عودة حماس إلى السلطة. بينما نشرت صحيفة (الحياة) معلومات عن سيناريو داخل حماس نفسها يدرس البدائل المتاحة، وفي مقدمتها العودة إلى الانتفاضة المسلحة.

"المفارقة" أنّ مرحلة التحوّل السياسي لدى حركة حماس ومن ثم تشكيلها الحكومة، ترافقت مع خطاب سياسي وإعلامي عربي يبالغ بالنتائج المتوقعة على صعيد ما يُسمى بـ"إعادة تأهيل الحركة"، وما سينتج عنه صفقات و"مرحلة ذهبية" في العلاقة بين حماس -ومعها حركات الإسلام السياسي"المعتدلة"- وبين الغرب، وبالتحديد الولايات المتحدة الأميركية. إلا أن السيناريو الذي تشهده الساحة الفلسطينية اليوم ومسلسل الحصار والتجويع الذي يُمارس على الشعب الفلسطيني - في ظل حكومة حماس-، ينبئ عن مسار مناقض تماماً، يدفع باتجاه إفشال الحركة وضربها وإسقاط تجربتها السياسية.

وعلى الرغم من كل المؤشرات على الموقف الغربي- الإسرائيلي الصارم من حماس، لا يزال بعض المحللين يرى أنّ ذلك بهدف إجبار حماس على التحوّل والاندماج في العملية السلمية، وفق الرؤية الإسرائيلية الأميركية، وصولاً إلى توصّل الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى اتفاق نهائي للسلام. لكن هذا الاتجاه في التحليل يتغافل عن سؤال مركزي وهو: هل تريد إسرائيل —ومن ورائها الولايات المتحدة- بالفعل شريكاً فلسطينياً في عملية السلام؟

الجواب - في ضوء مشروع (كديما) والرؤية الإستراتيجية الإسرائيلية- قطعاً: لا. بل على النقيض من ذلك، فإن "الجدار العازل" والحل الأحادي وضم مناطق واسعة من غور الأردن..الخ، تمثل سياسات تقوم بأسرها على فكرة عدم وجود شريك فلسطيني، وعلى تجاوز كل مضامين ما يُسمى بالمفاوضات وعملية التسوية. أما الهدف من الحصار والخنق الممارس على الفلسطينيين اليوم، فليس تدجين حماس، وإنما دفع الفلسطينيين إلى"السيناريو الأسوأ" أي الاقتتال والاحتراب الداخلي، وما يتبع ذلك من تكريس لحالة الفوضى السياسية والأمنية، وصولاً إلى بناء وصاية أمنية وسياسية عربية على الكتل السكانية الفلسطينية في كل من الضفة الغربية وغزة.

هذه القراءة ليست مجرد هواجس، بل سيناريو يجري بالفعل تطبيقه على أرض الواقع. وأذكر في جلسة جمعتني وعدداً من السياسيين والمثقفين الأردنيين مع المحلل الأميركي- اليميني المعروف (روبرت ساتلوف) قبيل الانتخابات الفلسطينية, أنه قال آنذاك (!): إن الانتخابات ستفضي إلى نتائج كبيرة لحماس، وسيتدهور الوضع السياسي والأمني في فلسطين. بالتأكيد لا يجوز لنا أن نستسلم لمقالة (ساتلوف) و"نبوءته". لكن يجب ألا ننسى أنّ هذا الرجل يشرف على أحد أبرز مراكز الخبرة السياسية الأميركية (معهد الشرق الأدنى للدراسات) ولا يتحدث من فراغ أو من وحي الخاطر! بل ينقل قراءة ورؤية إستراتيجية أميركية صهيونية لمستقبل المسألة الفلسطينية ولحل المشكلات الإسرائيلية، وللأسف وكأننا بهذه الرؤية تسير إلى الأمام!

لكن إذا كان حصار حماس يمثل مصلحة إسرائيلية، فإن المفارقة الغريبة تتمثّل بمشاركة حركة فتح في هذا الحصار، بل وتوفير الذرائع المختلفة للمجتمع الدولي لمعاقبة الشعب الفلسطيني على اختياره "الإسلاميين". والسؤال المشروع هو: ما مصلحة "فتح" في سقوط حماس؟.. بعيداً عن مناقشة الأسباب التي دفعت الرئيس الفلسطيني إلى إجراء انتخابات حرة وديمقراطية بامتياز، في حالة تاريخية فريدة في العالم العربي! فإن سعي "فتح" إلى إسقاط حماس يقوم على حسابات حزبية ومصلحية جهوية قاصرة تدفع الشعب الفلسطيني كله بسببها إلى"المحرقة".

والغريب أن فتح تتوقع أن العالم الغربي والعربي قد أيقن تماماً أهميتها ودورها، وأنها ستستعيد السلطة بعد أن تخرج حماس من اللعبة السياسية، وستضمن تعاملاً إسرائيلياً- عربياً- أميركياً أفضل معها، بعد أن جرّب العالم الخيار الفلسطيني الآخر"المتشدد".

لم تترك "فتح" وسيلة إلا اتبعتها لأجل إسقاط حماس: تسليم خزينة دولة منهوبة مفلسة، مئات الآلاف من الموظفين، عدد كبير منهم بوظائف وهمية برواتب مرتفعة، كلهم من"فتح"، اتخاذ إجراءات وسياسات تجعل من حكومة حماس بلا صلاحيات ولا سلطة، خطاب يدفع باتجاه حرب أهلية، استفزاز دائم من خلايا "فتح" المسلحة، احتلال للبرلمان والبلديات ومؤسسات إعلامية في السلطة تتهكم صباح مساء على الحكومة الفلسطينية الجديدة!

مشكلة "فتح" أنها استسلمت لمصالحها الحزبية، وترى في نفسها مركز الحركة الوطنية الفلسطينية، فحوّلت بوصلة الصراع من إسرائيل إلى الشقيق الوطني ويبدو واضحاً أنّها لم تتعلم من تجربتها السابقة مع أميركا وإسرائيل. وفوق هذا وذاك وجود نخبة فاسدة في"فتح"، ترتبط مصالحها ببقائها بالسلطة، وهو ما كشف عنه المدعي العام الفلسطيني، بعد فوز حماس في الانتخابات، عندما أعلن عن اختلاسات وفساد بما يقدر بقيمة مائة وخمسين مليون دولار!

أما ثالثة الأثافي في إحكام الحصار على حكومة حماس فهو النظام العربي، الذي يقرأ تجربة "حكومة حماس" بمنظور "البديل الإسلامي"، فسقوط حماس مطلوب اليوم عربياً، قبل أن يكون غربياً وإسرائيلياً، ومن وراء ذلك رسالة "مزدوجة" موجهة (أولاً) إلى البيت الأبيض، ومقتضاها أن "الضغوط من أجل الديمقراطية" وإضعاف النظم العربية الحالية ستؤدي إلى بديل إسلامي- أصولي يهدد مصالحكم في المنطقة، وموجهة — هذه الرسالة- (ثانياً) إلى الشعوب العربية ومقتضاها أنّ الخيار الإسلامي سيجر عليكم التجويع والحصار، وأنّ الإسلاميين هم أصحاب شعارات جوفاء لا تسمن ولا تطعم من جوع.

الحصار العربي المضروب على حماس بادٍ للعيان، وليس أسوأ من تجنب القمة العربية بالخرطوم دعوة قيادات حماس، وخضوع الجامعة العربية لضغوط الولايات المتحدة وإسرائيل بخصوص المساعدات القادمة للفلسطينيين، فضلا عن شعور النظام العربي بأسره أن حكومة حماس عبء عليه، وأنّها تمثل خطا مختلفا عن الرؤية العربية للسلام، وننسى أو نتغافل أن الخط العربي ومعه الفلسطيني"البديل" أثبت فشله منذ سنوات.

لا نطالب بسل السيف العربي من غمده أو التلويح به فهو مطلب عزيز! لكن لنعد التفكير في العلاقة مع حماس والخيارات والبدائل المتاحة، والمطلوب (أولاً) فك الحصار العربي عن حماس!


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عبدالله من أرض الله

ماحصل في الجزائر لم يمضي وقت طويل عليه، وما حصل في فلسطين هو نسخة محسنة منه، ولكن بدل أن يضربوا التيار الإسلامي قبل أن يصلوا إلى الحكم، في هذه الحالة حصل بعد ذلك.

الآن هل ستعاد نفس الأحداث التي حصلت في الجزائر ويقتل ويشرد ويسبى مئات الآلاف؟

هل ستصحى بقية التيارات الإسلامية، إن لعبة الانتخابات وصناديق الإقتراع وكل ما مستورد من الغرب لن يصلح لهم مهما حاولوا تمييع مواقفهم؟

اشتراك حماس في العملية السياسية من وجهة نظري كان خطأ؟

ولكن الآن نصرتها ويجب أن تتجاوز هذه المرحلة بتكاتف الجميع عملا وليس قولا مثل أبو رمان وغيره، وإلا وإلا وإلا


اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله


abdo

إن حركة فتح تعتقد أنها هى البديل المنتظر لحماس بعد سقوطهاوسيقدم لها الحكم على طبق من ذهب ولكنها واهمة فحماس التى جربت المنهج المعتدل الوسطى فى التعامل معها حفاظا على الثوابت الفلسطينية والدم الفلسطينى لن تتوانى عن تشددها مع حركة فتح ومعاملتها بالمثل ونرى ذلك من خطابات حماس التى تنذر بذلك إذا فشلت الحكومة أو أسقطت فهنية يقول البدائل خطيرة وأبو زهرى يحذر من إنفجار رهيب وأنا أعتقد إذا سقطت حماس ستسقط السلطة كليا ولن تكون هناك شئ اسمة سلطة فلسطينية مرة أخرى ولكن قتال مع العدو ولا أستبعد قتال داخلى وحرب أهلية


لؤي الحاج

أقولها وأنا أبكي دما:والله ولئن أفشلتموها فهي لم تخسر الكثير "يزيد سفاهة فأزيد حلماً ## كعود زاده الإحراق طيبا".. بل على العكس من خسر هو أنتم.. هي اكتسبت وألمت خبرة كانت في حاجتها..أضف الى ذلك صفعتها للنخبة الفاسدة في "فتح" وكشف ما يدور في دهاليز السلطة من خبايا "يندب لها الجبين" وفضحها على رؤوس الخلائق..ووالله ان أعادوا الانتخابات بدل المرة ألف على قاعدة "النزاهة" فالفوز حليف حماس..أما ان تنازلت هي بمحض ارادتها لحنكة ما تدور بخاطرها..فطريقها الذي سارت وما زالت تسير عليه ما هو الا مقاومة ثم مقاومة ثم مقاومة..وأختم بهذالاقول كما قال الشاعر
إنّي تـذكرتُ والذكرى مـؤرقةٌ === مجداً تليداً بأيدينا أضــعناه
أنّى اتجـهت إلى الإسلام في بـلدٍ === تجده كالطير مقصوصًا جناحاه
كـم صرّفتنا يدٌ كـنَّا نُصـِّرفها === وبات يملكنا شعبٌ ملــكناه
استرشدَ الغربُ بالمـاضي فأرشده === ونحنُ كان لنا ماضٍ نسيــناه
إنا مشيـنا وراء الغربِ نقبسُ من === ضيائهِ فأصابتنا شظايــــاهُ
باللهِ سل خلفَ بحرِ الروم عن عربٍ === بالأمسِ كانُ هنا واليومَ قد تاهوا
وانزل دمشقَ وسائل صخرَ مسجِدها === عن منً بناهُ لعل الصخرَ ينعــاهُ
هاذِ معالمُ خرسٌ كل واحـــدةٍ === منهنَّ قامت خطيباً فاغراً فــاهُ
اللهُ يعلمُ ما قلبتُ سيرَتهم يومــاً === وأخطأ دمعُ العينِ مجــــراهُ
لا درَّ درُّ إمرءٍ يطري أوائـــله === فخراً ويطرقٌ إن ساءلتُه ماهــو
يا من يرى عمراً تكسوه بردتُــه === والزيتُ ادمٌ له والكوخُ مــأواهُ
يهتزُ كسرا على كرسِيه فرقـــاً === من خوفه وملوكُ الرومَ تخشـاه
يا ربِّ فأبعث لنا من مثلهم نفـراً === يشيّدونَ لنا مجداً أضعنـــاه


سعدي حمدي

بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على رسول الله محمد (ص)
لن تحرر القدس إلا بتحرر المسلمين,ولن نغلب الصليبيون إلا بهزم حكومات الصلبيين ببلاد المسلمين,ولن ينصرنا الله حتى ننصره ,و خير عبرة لنا ملوك الطوائف بالأندلس وما نجم عنه من ضياع أرض لنا,وها نحن على أبواب أخطاء إرتكبها أجدادنا,وما علينا إلا المضي في إنشاء دولة واحدة لاتفرق بين فلسطينى أو بحريني أو إندنوسي أو سعودي,وما تجربة هذه الحكومات الحالية إلا تفرقة لنا و ضياع حق المسلمين.