'المسألة الثقافية' بين مقالتين

2006-4-24 | محمد أبو رمان 'المسألة الثقافية' بين مقالتين

تقع "المسألة الثقافية" في قلب السجال الفكري العربي اليوم. ويدفع باتجاه إعادة الاعتبار للشأن الثقافي العديد من المتغيرات والظواهر على الساحة السياسية والاجتماعية، لعل في مقدمتها انفجار السؤال الطائفي والعرقي وما يمثله من ردة إلى الانتماءات الأولية بعيدا عن القيم المدنية والسياسية الحديثة، وبروز أزمة الاندماج القومي كأحد تجليات "الوعي الشقي" بالواقع السياسي وأزماته، وصعود التيارات الدينية- الإسلامية سواء السياسية أم المتطرفة (الرافضة) منها، وضعف الدفع المجتمعي باتجاه الإصلاح السياسي والحريات العامة، وبقاء جدران الخوف في العرف الثقافي- الشعبي كأحد (المكانزمات) التي تتسلح بها سلطة الاستبداد ضد التغيير.

بلا شك، نحن مكشوفون ثقافيا أمام أنفسنا قبل العالم، ولا طائل أن يبقى الاحتلال (الآخر) حجتنا في تبرير وتسويغ إخفاقاتنا المتكررة والمستمرة. فالسياسة لا تعرف النوايا الحسنة؛ هي لغة المصالح والقوة، فإذا كان الآخر يبحث عن مصالحه على حسابنا، فلماذا نجعل له الطريق معبّدا؟! أمّا المعركة معه فلا تأتي من فراغ، إذ تتطلب وعيا متقدما بأبعادها وشروطها، لا وعيا سالبا يؤدي بنا إلى المهالك ويضاعف ويعمق من أزماتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية.

نعم أميركا لها مصالحها في العراق، وحساباتها السياسية وربما الدينية، إن أردنا أن نجامل أصحاب نظرية صدام الأديان والحضارات، لكننا نحن الذين نعوِّق المضي قدما في مشروع إصلاح سياسي حقيقي، ونحن الذين نستبدل الحرب الأهلية- الطائفية بالديمقراطية في العراق، مستصحبين حالة من النزق الثقافي والسياسي نعجز فيها عن تجاوز أنوفنا في إدراك جوهر مصالحنا على المدى البعيد، ونسير إلى المستقبل وعيوننا وقلوبنا بيد أشباح التاريخ وصراعاته وآفاته التي سقناها معنا من القرون الغابرة!

لكن، وإذا كنا ندرك تماما أهمية الشرط الثقافي للإصلاح السياسي، فإن هذا لا يعني القبول بما يروج له تيار من المثقفين والسياسيين العرب والغربيين، على ضوء الانتكاسات الواقعية، بالعودة عن الإصلاح السياسي ريثما تتأهل المجتمعات العربية ثقافيا للديمقراطية. ففحوى هذه الدعوى الحقيقي هو الهروب من استحقاق الإصلاح السياسي الذي تبين من التطورات الأخيرة أنه لا يؤدي إلى مصالح الولايات المتحدة وتحالف النخب المتضررة من الإصلاح في العالم العربي. بل إن الأهلية الثقافية، التي يتحدث عنها هؤلاء، هي أهلية مفصلة سياسيا واجتماعيا على المقاس الذي يسير بالمجتمعات العربية إلى حالة "مسخ" ثقافية.

كما أن الإصلاح الثقافي، لا ينفصل عن المعترك السياسي، إنما هو روحه الحقيقية. ولولا ثقافة الخنوع والقبول بالواقع البائس والأمثلة الشعبية الموروثة والمتلبسة في أحيان كثيرة بفتاوى علماء السلطة لما تمكن المستبد الضعيف العاجز أن يستذل ملايين البشر، وأن يسخِّرهم باتجاه مصالحه ورغباته التي تقوم على أنقاض إنسانيتهم الموؤدة في رحم الواقع السياسي العربي اليوم!

وعوداً إلى بدء، حتى لا تستدرجنا هموم لا تنضب! فالمقصود هو أن هناك فرقا وبونا شاسعا بين تيار يدفع للهروب من استحقاق الإصلاح السياسي بذريعة الواقع الثقافي- الاجتماعي وبين مقالة تيار عربي مناضل، يدرك تماما أن شرط النجاح في الصراع من أجل الحرية والخبز يتطلب معركة مع ثقافة المجتمع المكتوبة والعرفية لتكون هذه ـ الثقافة- سندا للإصلاح لا حائلا دونه.

أولوية "المسألة الثقافية" تمثل مقالة تيار في الخطاب العربي الحديث والمعاصر، تقوم على أن السياسة هي فيض الواقع الاجتماعي- الثقافي، وأن إصلاح السياسي يستدعي العودة إلى المجتمع وثقافته وقيمه. وهذه الرؤية، في هذا السياق من الإدراك والفهم، صحيحة تماما، وتستبطن أن الضغوط الخارجية من أجل الديمقراطية كالزبد الذي يذهب هباء، وما ينفع الناس هو ما ينطق به المجتمع نفسه: أي إدراك الوعي المجتمعي بأهمية الحياة الحرة الكريمة؛ استنشاق الهواء النقي خارج أنفاق الاستبداد والفساد والظلم، وهو ما يفرض السؤال عن دور المثقف العربي اليوم في معترك الإصلاح والتنمية والنهوض بأبعاده المختلفة.

المسألة الثقافية، إذن، أبعد من السياسة وأعمق، تتشعب إلى مستويات متعددة وكثيرة: إصلاح ديني يدفع إلى أن يكون الدين طاقة روحية فاعلة ومتجددة في الأمة نحو النهضة والعلم والتقدم والحرية والعدالة، وإصلاح ثقافي يطال المجتمع ومفاهيمه وسلوكه وإدارة حياته اليومية فضلا عن حياته العامة، وإصلاح سياسي يعبُرُ أزمة السلطة إلى استحقاق تعزيز ثقافة المواطنة والمسؤولية المدنية والأخلاقية، وإصلاح تعليمي وتربوي يستثمر في المستقبل وقواه القادمة.

هي إذن حلقات مترابطة متداخلة ومتواصلة كل منها تؤدي إلى أختها، ولا فصل بين سياقاتها واستحقاقاتها المتعددة المختلفة، ودور النخب المثقفة فيها يأتي في سياق سياسي نضالي، قد يدفع المثقف والسياسي كلفة ذلك من أمنه وخبزه وحريته، لكنه لا يستقيل من مهماته بذريعة تخلف الواقع الاجتماعي والثقافي!


تم غلق التعليقات على هذا الخبر