آخر الأخبار

عن أي 'وسطية' نتحدث؟

2006-4-20 | محمد أبو رمان عن أي 'وسطية' نتحدث؟

يُعقد في عمان بعد أيام قليلة مؤتمر "الدور العملي لتيار الوسطية في الإصلاح ونهضة الأمة" بمشاركة عدد من المفكرين والمثقفين الإسلاميين المحسوبين على التيار المعتدل والإصلاحي، وبتنسيق وترتيب من منتدى الوسطية في عمان. ولعل مصطلحات الوسطية والاعتدال هي من أكثر المفاهيم المتداولة والمثيرة للجدل في الآونة الأخيرة، نظرا للدراسات الغربية والعربية المتعددة التي تتحدّث عن توظيف التيارات"المعتدلة" لضرب التيارات "المتطرفة" والمسلّحة، بما يخدم في المحصلة مصالح كل من الولايات المتحدة الأميركية والنظم العربية.

في الحقيقة القراءة السابقة لا تمت إلى الواقع والموضوعية بصلة، فالحكومات العربية لم تلجأ إلى الإسلاميين العقلانيين والمعتدلين في أي مرحلة من المراحل، وحتى الدراسات الغربية والأميركية تحدّثت عن توظيف للتيارات"التقليدية" في خلق حروب إسلامية- إسلامية لضرب التيارات المسلّحة. بل إنّ الحقيقة الجلية التي يمكن رصدها بسهولة أن التيارات والأصوات الإسلامية العقلانية- المعتدلة تتعرّض لحرب أخطر من الحرب التي تواجه التيارات"الجهادية" من الحكومات العربية من خلال تضييق مسارات العمل السلمي المشروع والمنابر الحرة والهواء النقي، ما يجعل الظروف والبيئة مهيأة تماما لنمو بذور التطرف الديني والسياسي.

وغني عن القول إن العنف والتطرف هو وليد مناخ السجون والكبت والمعتقلات، وهو ما يمكن أن نلمسه بوضوح في العديد من الحالات والمراحل، ولعل أبزرها ما حدث في مصر لحظة الصراع بين الإسلاميين والناصريين، منذ منتصف خمسينيات القرن المنصرم. فلا غرابة أن يملأ شكري مصطفى زعيم التكفير والهجرة الفراغ بعد أن أعدم عبد القادر عودة الفقيه الإسلامي الكبير وصاحب أهم المؤلفات في القانون الجنائي الإسلامي. ولم تظهر أفكار تكفير المجتمعات وتضليلها في ظل شروط من الحياة الديمقراطية والتعددية، وحتى لو ظهرت فستكون أفكارا محدودة غير مقنعة ولا مؤثرة.

ويساهم في حصار التيار الوسطي المعتدل السياسة الغربية- الأميركية التي تزيد مع مرور الوقت حالة العداء العربي والإسلامي لها والسخط عليها، في ظل انهيار حصون الدفاع الرسمية العربية، وهو ما يقوي حجج وخطاب التيار المتطرف ويوفر له المحاضن المناسبة للتجنيد السياسي والحركي للشباب الساخط والغاضب.

أمّا الضلع الأخير من الثالوث المعادي للتيار الوسطي(بالإضافة إلى الحكومات العربية والغربية) فهو الإعلام الغربي الذي يسلط الضوء على حفنة من المتطرفين والمتشددين ويفتح لهم المنابر الإعلامية، ويقدمهم وكأنّهم الناطقون باسم الإسلام، لخلق حالة من العداء للتيارات الإسلامية داخل المجتمعات الغربية.

التيار الوسطي- الإصلاحي يطرح سؤال الشرعية وحقوق الإنسان والحريات العامة ويخاطب الشعوب والمجتمعات العربية المسلمة بواجب العمل السياسي والمدني المثمر البناء، ويحرّضها على عدم السكوت والقبول بالظلم والفساد وبالعمل على النهضة والرقي وتوظيف الطاقات لبناء حالة حضارية فاعلة متقدمة، وهو ما تجد فيه كثير من الحكومات العربية، التي تحكمها النظرة الأمنية المغلقة للحياة السياسية، عامل إزعاج ومصدر تهديد لاستقرارها الهش المبني على تغييب دور المجتمعات والأحزاب والحياة السياسية الديمقراطية الصحية، لذلك فالتيار الوسطي المعتدل الحقيقي ليس مرحبا به في الواقع السياسي العربي اليوم.

وإلاّ؛ فهنالك مساحات واسعة ومجالات عديدة إعلامية وثقافية وفكرية يمكن أن تسمح بها الحكومات لتحرك التيار الوسطي، هذا إذا كانت الحكومات العربية الحالية تريد الإصلاح والتغيير فعلا، وهي"الإرادة" التي لو وجدت في الأصل لتغيرت كثير من الأوضاع العربية الحالية، ولما وصلنا إلى هذا المستنقع الخطير!

إذاً، ما سرّ حديث النظام العربي الدائم عن الوسطية والاعتدال الإسلامي؟ الجواب بسيط، وهو ذر الرماد في العيون، وركل المشكلات إلى الخطاب والحراك الإسلامي، بينما الأزمة الحقيقية هي في حضن هذه النظم، إن لم نقل في شرعية وجودها. وإذا كانت هناك مواصفات حقيقية للتيار الوسطي الذي يريده النظام العربي: فهي وسطية بالاسم والشعار بلا مضمون كفاحي حقيقي، تيار أو نخب مدجّنة مهزوزة لا نعثر عليها إلا في المؤتمرات والندوات، وعلى شاشات الإعلام الرسمي العربي لتقدم خطابا لا هو بالوسطي ولا بالمعتدل: خطاب ضعيف بائس لا تتجاوز قوته وحضوره غرف الفنادق التي تعقد فيها هذه المؤتمرات!

إذا كنا نبحث حقا عن دور عملي لتيار الوسطية والاعتدال اليوم؛ فمعركة هذا التيار في الشارع والمجتمع، يشتبك مع الناس وأفكارهم وثقافتهم، يواجه فساد السلطة واستبدادها ويدفع الأمة إلى الأمام لانتزاع حقوقها السياسية وأداء واجباتها. ويخاطب المجتمعات بالمقاصد الحضارية والأخلاقية والنهضوية للدين. فهو دور كفاحي حقيقي لا يخشى أصحابه أن يدفعوا ثمن مواقفهم وأفكارهم في سبل تحرير الشعوب والمجتمعات العربية من رق الواقع الحالي.

تيار الوسطية ليس غائبا بل مغيّباً. وهناك عشرات العلماء والمفكرين والمثقفين الإسلاميين الإصلاحيين الذين يمتلكون ناصية خطابٍ إسلاميٍ متقدم وتنويري، لكنهم محاربون ومحاصرون. بينما يتمتع بالمناصب والنفوذ أصحاب الألسنة المتلونة الملتوية المتقلبون الراقصون على كل الحبال، الذين لا يمتلكون مصداقية مع أنفسهم فضلا عن مصداقيتهم عند الشرائح المختلفة في المجتمعات العربية. فهذه "النخبة" عندما تتحدّث عن الوسطية والاعتدال والتنوير تسيء لهذه المفاهيم، كما يسيء أصحاب خطاب العنف والتطرف لمفهوم الجهاد في سبيل الله.

لا يأتي دور التيار الوسطي من"فراغ"، فهنالك شروط موضوعية وذاتية له، لكن امنحوه الفرصة أولا، اتركوه يعمل في الجامعات والمعاهد العلمية والشرعية وكليات الشريعة ووزارات الأوقاف والمحافل الإعلامية والثقافية والمؤسسات المدنية.. وستجدون النتيجة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

د: يحيى هاشم حسن فرغل

الوسطية المتطرفة
أد : يحيى هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com

1\\2
انتشر أخيرا التعبير عن الاتجاه الوسطي في عرض حقائق الإسلام عند أصحابه انتشارا واسعا إلى حد الذهاب إلى ما قد لا يقصدونه من إفراز فرقة جديدة تضاف إلى فرق الإسلام المعروفة تسمي نفسها فرقة " الوسطية " نسمع نغمتها في الأدعية ، والأحاديث والمحاضرات والأندية ، وفي بعض المحافل عند ما يتحدث بعضهم متباهيا عن أن مصر – مثلا – تعتنق " الإسلام الوسطي " ، وما أشبه ، كأنما هناك أنواع من الإسلام بعضها وسطي وبعضها غير ذلك أو كأنما ما عداها من أنواع ليس إسلاما . وكلا الافتراضين في غاية الخطورة ، وهو في تقديرنا ناشئ من التطرف في عرض فكرة الوسطية في الإسلام إلى الحد الذي يوشك أن يوقع مرة أخرى في دورة جديدة من التكفير يفترض أن أصحاب الوسطية إنما حرروا مذهبهم تفاديا لها

وعلى الهامش من كل ذلك نجد المصطلح قد صعد إلى مستوى الحكام عندما نجد الأمير عبدالله ولي عهد السعودية يتبنى المصطلح ويدعو إلى ما سماه الوسطية ( نشرة انباء الجزيرة في يوم الأحد 4\\1\\2004 وقد وجدناه من قبل ذلك قد تسرب أو يكاد من مائدة الفقهاء إلى دهاليز الأحزاب التي يتخذه بعضها سلاحا سياسيا ، وبعضها يتربص به أن ينزلق إلى متاهة ما يسمى تحديث الخطاب الديني ، وبعضها يتربص به أن يصبح مرمى لأسهم الكائدين ، أو هدفا للتجاذب بين أعداء الأمس أصدقاء اليوم ، مما يكاد يخرج بالموضوع من دائرة النظر الموضوعي إلى بورصة السياسيين قبل أن يتم نضجه – كما هو المفترض - في دائرته الأصيلة ولم يعد في الأمر : " يكاد " إذ خرج الأمر إلى بورصة السياسيين فعلا ، يتاجرون به في البورصة العالمية فأصبح السياسي العالمي الذي لا يريد أن يخلع عن وجهه قناع العلمانية ومطاردة الإسلام في وقت واحد ينادي بأنه يقبل في بلاده إسلاما مصنوعا لحسابها فالرئيس الفرنسي جيسكار ديستان وهو في حربه ضد شعار المرأة المسلمة " الحجاب " يعلن في الإليزيه 17\\12\\2003 - أنه يفتح الباب للإسلام الفرنسي ، ويذكرنا ذلك بما سمعناه سابقا من فخر مصر بإسلام مصري سهر الأزهرعلى تطريزه منذ سنين ، وغدا يجد الأمريكيون الحل فيما يكون إسلاما أمريكيا ، وربما السيد بيرلسكوني رئيس إيطاليا يضطر بعد غد إلى قبول " إسلام إيطالي " وربما تسهر اللجان المعنية بفتوى الأقليات على تصنيع هذه الأصناف عبر هذا الطرح الذي تسرب أولا من بين أيدينا عندما قلنا " الإسلام الوسطي " وقال آخرون" الإسلام المعتدل" ، " والإسلام السلفي"و " الإسلام الحركي " " وقال غيرنا " الإسلام السياسي " و"الإسلام الاجتماعي " " والإسلام الطقوسي " وهلم جرا .

ومعتصمنا من ذلك كله يتلخص في بداهة تسمية الإسلام باسمه ثم بتعريفه من خلال هذا الاسم في كل المستويات ، ولا نزيد ، إن الإسلام لا يحتاج إلى تعريف بغير اسمه الخالص ، وإنه لمن الخطأ أو من الخطر الانزلاق إلى تعريفه بما يبعد به عن اسمه القح ، حذرا من أن تمزق حقائق الإسلام – كما حدث ولا يزال يحدث - وتوزع على أكياس " جانبية " يسهل التخلي عنها وما أبعد ذلك عن قوله تعالى : ( ذلك الدين القيم ) ، إذ معنى ذلك أن لهذا الدين القوامة على غيره
معنى ذلك أنه ليس مجهولا لتعرف حقيقته بالقياس إلى غيره ، وإنما هو ( المعلوم ) الذي تعرف حقيقة غيره بالقياس إليه
وإنه لمن ظواهر الخروج على هذه الحقيقة الناصعة تقديم الإسلام باعتبار أن " الوسطية " هي القيمة الحاكمة فيه ، والمزعج في هذا الطرح ما يشتمل عليه من مغالاة وتطرف في قضية الوسطية إلى حد جعلها محور الإسلام ، وعدسته اللامة ونقطة التركيز فيه .
وهنا نجد أنفسنا أمام اتجاهات ثلاثة : الوسطية كجامع بين الطرفين ، والوسطية كنقطة فاصلة بينهما ، والوسطية باعتبارها التزاما بالأصل دون تزيد أو تنقص

صحيح أن بعض أعلامنا السابقين تحدثوا عن " الوسطية " كالغزالي والرازي من القدماء ، والدكتور محمد عبد الله دراز من المحدثين ، أنظر كتابه المختار من كنوز السنة ص 320 - 3321

وعموما فإن هناك فرقا بين أن يتخذ المفكر " الوسطية " مذهبا فكريا عاما يقيس الأشياء إليه ، في الفكر والفلسفة والدين والفن والسياسة والاقتصاد ، وربما رأى هذا المفكر أن الإسلام بشموله يقع في دائرته الفكرية المذكورة أو لا يقع ، وبين أن تطرح الوسطية كقاعدة للتمييز بين ما يقبل ومالا يقبل من اتجاهات إسلامية مختلفة .

وعلى كل حال فإن أحدا من أعلامنا السابقين لم يذهب إلى الحد الذي جاء في طرح بعض المحدثين ، مع شدة احترامنا لهم ، وإن خالفناهم الرأي في هذه المسألة ، فبعضهم لا يمل من ترديد مبدأ الوسطية كنقطة ضوء حاكمة كلما تحدث عن جانب من جوانب الإسلام ، أو قدم ما يراه فتوى من فتاواه ، وبعضهم يقرر أن هذه الوسطية الإسلامية بالنسبة للمنهج الإسلامي وحضارته هي عدسته اللامة لأشعة ضوئه ، وزاوية رؤيته كمنهج ، وزاوية الرؤية به أيضا .
وبعد أن ينفي أن تكون الوسطية في الإسلام هي النقطة الرياضية الثابتة والمستقلة والتي تفصلها عن القطبين مسافة متساوية ، يقرر أنها المنهج الذي يؤلف في التصور الإسلامي : بين الروح والجسد ، والدنيا والآخرة ، والدين والدولة ، والذات والموضوع ، والفرد والأمة ، والفكر والواقع ، والمادية والمثال ، والمقاصد والوسائل ، والثابت والمتغير ، والقديم والجديد ، والأصول والفروع ، والعقل والنقل ، والخصوصية والعالمية ، والحق والقوة ، والاجتهاد والتقليد ، والدين والعلم ، والعامة والخاصة ، إلى آخر هذه الثنائيات . مجلة " المسلمون " 9\\12\\ 1988
هكذا في كل مسألة من تلك المسائل وكل ثنائية من هذه الثنائيات يبحث المفكر عن الوسط لنطلق عليه اسم" الإسلام " ؟؟
ترى أين هو الإسلام أصلا ؟ وما دوره مع المفكر الذي يضع هو " الثنائية " ومن ثم يظهر له الوسط بينهما ؟

ويذهب البعض إلى أن الإسلام دين الوسطية : لأنه وسط بين اليهودية المادية والمسيحية الروحية بينما هما في الأصل شائعتان أطلقهما أشعب ؟!
1- إشاعة عن مادية اليهودية ، واليهودية إنما هي تحريف للدين وابتداع فيه ، واتباع لأديان البشر الوضعية بتأثير الرغبة في متابعة " الحضارة " : بابلية أو فارسية أو فرعونية !!
2- وإشاعة عن روحانية المسيحية ، والمسيح إنما جاء حسب اعتقاد المسيحيين :
لا لينقض الناموس : ناموس اليهودية ، ولكن ليكمله كما ذكر عنه في الإنجيل
وبولس الرسول الأشهر في المسيحية شاهر سيفه هناك على مدخل كنيسته بروما
وتاريخ المسيحية – منذ شبت عن الطوق – في أوربا حروب بغير نهاية
3- ولو أن الأمر كذلك –أي أن الإسلام وسط بين المادية اليهودية والروحانية المسيحية ؟ فماذا يليق بالملائكة الروحانيين من بين هذه الأديان الثلاثة ؟ أهو شيء غير الإسلام ؟ وكيف وقد قال الله عنه " إن الدين عند الله الإسلام " ؟

ويقول أحد الكاتبين في الموضوع : ( عن الدين الإسلامي هو دين الوسطية في كل شيء ) مجلة الأزهر : يونيو ، 1981ثم يذهب يطبق ذلك على العقيدة – مثلا – في عقيدة التوحيد في الإسلام ، وأنه وسط بين طرفين في التأليه : طرف المبالغة والإفراط الذي يتمثل في تجسيد الإله ؛ أي اعتقاد أنه جسم …وطرف المبالغة في التجريد الذي ظنته الفلسفة الإغريقية ومن نحا نحوها : تنزيها " فيصل عند فيلسوف إلى حد القول بأن الله لا يوصف بأنه موجود تنزيها عن الصفة التي تقابلها العدم وتشترك فيها الموجودات .. ، وهو عند أرسطو – مع أن أرسطو هو صاحب نظرية الوسطية : لاحظ هذا – لا عمل له ولا إرادة ، وهو لا يعلم عن العالم شيئا ، إذ العالم ناقص ، والكامل لا يليق به أن يعلم بالناقص … إلخ

والواقع أن الرد على أخطاء الفلاسفة في هذا الموضوع تكفل به الفكر الإسلامي دون أن يضطر إلى فكرة الوسطية ، إذ أن هؤلاء الفلاسفة خضعوا للمفاهيم البشرية في معنى "الوجود" و " العلم " ، أما في الإسلام فنحن نعتقد أن وجوده لا كوجودنا ، وعلمه لا كعلمنا ؛ انطلاقا من قوله تعالى " ليس كمثله شيء " وهذا النفي الوارد في هذه الآية لا يقترب من مفهوم الوسطية في شيء .
وكيف نقول عن عقيدة الألوهية في الإسلام : إنها وسط بين مذهب التجسيد ومذهب التجريد إذا كان كل منهما لا نصيب له من الألوهية بإطلاق ؟
كان من الممكن لمسلم أن يقول : إن الإسلام وسط لو اعترف بأن التجسيد ينطوي على شيء من الألوهية ، وأن التجريد ينطوي على شيء من الألوهية ، فيأتي من بعد هذين ليقول : وقف الإسلام موقفا وسطا ، أما وأن الدين الإسلامي حقيقة ثابتة قبل هذين ، ولا يعترف لأحدهما بألوهية ما ، فإنه لا يصح أن يقول : إن الإسلام وقف منهما موقفا وسطا ، ولكن عليه أن يقول : إن الإسلام ينفي صحتهما نفيا مطلقا .

ورجوعا إلى حقائق الإسلام :

(1) أين هي الوسطية في إسلام الوجه لله ؟
( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) 65 النساء
( أ فغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ) 83 آل عمران
( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ) 54 الزمر

(2) وأين هي الوسطية في إقدام إبراهيم على ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام ، ولم يكن إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ، ولا منحرفا عن جادة الإسلام ، ولكن كان حنيفا مسلما ، وما فعله لم يكن إلا ترجمة أمينة لعقيدة الإسلام ؟

(3) وأين هي الوسطية في الجهاد إلى درجة القتل والشهادة ؟ : (إن الله اشترى منى المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) أين هي الوسطية في " أنفسهم وأموالهم " وإنه ليستوي الإسلام في ذلك مع الرسالات السابقة على يد موسى وعيسى بنص الآية ؟

(4) وأين هي الوسطية في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي بسنده عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له )

(5) وأين هي الوسطية في لزوم الصوم لمن لم يجد الباءة للزواج ( من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) .

(6) وما معنى وسطية الشجاعة بين الجبن والتهور ؟ مثلا ؟ هل يعني أن قليلا من الجبن مع قليل من التهور يصبح هو الشجاعة ؟ فأي فضيلة تلك التي تجمع بين رذيلتين ولا تكتفي برذيلة واحدة ؟

(7) وأين هي الوسطية في مفهوم الخير ؟ مثلا ؟
وسط بين ماذا وماذا ؟ أيعني هذا أن يكون مفهوم الخير أخذا من الشر الذي على اليمين ، وأخذا من الشر الذي على الشمال ؟ ومتى – ولمَ- أصبح الشر شرين ؟ لمجرد أن يخدم نظرية الوسط ؟ فهلا كان أربعة أو ستا أو ثمانية ؟ وما بالنا لو كان عدده فرديا فاستعصى الأمر على التوزيع بين يمين وشمال ؟ وهلا كان مفهوم الخير متعددا كذلك فانقسم إلى نفسه وغيره ؟ !!
(8) وهل من الوسطية أن يقال في حلقة تليفزيونية في قناة " اقرأ " إن المسلم يجمع في عقيدته الإيمان باليهودية والمسيحية واٌلإسلام بينما كل من اليهودية والمسيحية لا يؤمن بالآخر ، ثم لينبري بعد ذلك القس أكرم لمعي ليصوب الأمر – في حضور فضيلة المفتي - مبينا أن المسلم لا يؤمن بالمسيحية التي هي عند أصحابها لا تكون بغير الإيمان بالتجسد والتثليث ؟

الوسطية كوسط جامع :
بعد أن يقرر الكاتب الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة – ونحن مع اختلافنا معه في موضوع الوسطية نكن له كل تقدير في مجموع ما يكتب – أنه لا يعني بالوسطية الإسلامية وسطية أرسطو التي كانت – كما يقول – ( أشبه ما تكون بالنقطة الرياضية الثابتة والمستقلة ، والتي تفصلها عن القطبين – أو الطرفين – مسافة متساوية تضمن لها الوسط والوسطية . إنه نقطة رياضية ، وموقف ساكن ، وشيء آخر لا علاقة له بالقطبين اللذين تتوسطهما ) ..
يعود فيقرر أنه ( ليست هكذا الوسطية الإسلامية الجامعة ، كما حددها منهج الإسلام ، : إن الوسطية في التصور الإسلامي موقف ثالث حقا ، وموقف جديد حقا ..
والتوسط بين النقيضين المتقابلين لا يعني أن هذا الوسط منبت الصلة بسمات القطيبن المتقابلين وقسماتهما ومكوناتهما .. إنه مخالف لهما لكن ليس في كل شيء ، وإنما خلافه لهما في رفضه الانحصار ، والانغلاق على سمات كل قطب من الأقطاب وحدها دون غيرها .
إن هذه الوسطية الإسلامية إنما يتمثل تميزها وتتمثل جدتها في أنها تجمع وتؤلف ما يمكن جمعه وتأليفه – كنسق غير متنافر ولا ملفق – من السمات والقسمات والمكونات الموجودة في القطبين كليهما ، وهي لذلك وسطية جامعة – تتميز في التصور الإسلامي والمنهج الإسلامي عن تلك التي قال بها أرسطو ؟ ) لكن هل تميزت عن جدلية هيجل وماركس ؟ أنظر مقاله بجريدة المسلمون 9\\ 12\\1988
وليسمح لنا الأستاذ الفاضل أن نتساءل هنا :
1- فهل تعني هذه الوسطية الجامعة خلطا بين النقائض ؛ كأن يكون لدى كلٍّ منا كوب ماء ، فيضع أحدنا ملعقتي سكر في كوبه ، والثاني ملعقتي ملح في كوبه ، أما الثالث فيضع ملعقة سكر وملعقة ملح فيكون الأخير هو الذي يمثل الوسطية الجامعة ؟
فيضع في مذهبه شيئا من الحق وشيئا من الباطل؟
أو يضع في لوحته شيئا من القبح وشيئا من الجمال ؟
أو يضع في فعله شيئا من الخير وشيئا من الشر ؟
فإذا قيل : نعم ، يحدث في الحياة – كواقع – خلط ومزج كهذا ، فهل يجوز سحب ذلك على المثال المنشود ؟
وهل ينطبق ذلك على النموذج في الوسطية الإسلامية ؟
وهل ينطبق على القرآن الذي هو الفرقان ؟
أم أن الإسلام ينظر إلى هذا الخلط باعتباره ابتلاء يقتضي المجاهدة ، ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ، وما كان الله ليطلعكم على الغيب ، ولكن يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) 176- 179 آ ل عمران .
وهو خلط صائر حتما إلى وضع لا خلط فيه ولا مزج في يوم استحق من أجل ذلك أن يسمى " يوم الفرقان " كما استحق أن يسمى " يوم الفصل " ( ليميز الله الخبيث من الطيب ، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم ، أولئك هم الخاسرون ، قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين ) 35- 39 الأنفال .

2- وإذا لم تكن هذه الوسطية خلطا أ فتعني " نقصا " ؟ كأن يملأ الواحد منا كوبه تماما ويفرغ آخر كوبه تماما ؛ أما الثالث فيملأ نصفه ؟ فيكون هذا الأخير هو الذي يمثل الوسطية ؟
وماذا يكون الإسلام عندئذ ؟ أيكون هو الكوب الناقص ؟ كيف والله سبحانه وتعالى يقول ( اليوم أكملت لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام دينا ) ؟!

الوسطية كنقطة فاصلة
من العلماء الذين ذهبوا إلى مذهب الوسطية الأخلاقية خاصة ، وأنها الوسط المعتدل بين طرفي الإفراط والتفريط الإمام الغزالي ، أنظر " تهافت الفلاسفة " ص 271 ، وميزان العمل ص 262 والرازي ، وبعض العلماء .
ومن المحدثين الدكتور محمد عبد الله دراز- .أنظر كتابه " المختار " ص 320 ، 321 -الذي يميل إلى الأخذ بمذهب الوسطية في شرحه لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم لمن سأله : قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ؟ ( قال : قل آمنت بالله ثم استقم ) خرجه ابن حبان في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، وأبو داود ، والنسائي في السنن الكبرى والطبراني في المعجم الكبير …إذ يفسر الاستقامة بالاعتدال ثم يفسر الاعتدال بما ليس فيه إفراط أو تفريط ، وهذا كما يكون في الأعمال يكون في الأخلاق ، ويكون في الآراء ، ثم يفسر هذا الاعتدال بأنه كل ما لا يصل إلى الأطراف ، و( يسمى توسطا واعتدالا ، والتوسط الحقيقي هو الأخذ بأوسط الوسط وأعدله وهو ما يكون بعده عن الطرفين بنسبة واحدة ، فلا يميل إلى أحدهما ميلا ما ، وهذه استقامة الخواص ، وإنها لعسيرة شغلا على النبيين والصديقين )
ولكن ما علمنا أن أحدا منهم ذهب إلى أن الوسطية هي جوهر الإسلام أو مقياسه الذي يرجع إليه .
ومن الغريب أن الدكتور دراز وهو يقرر ما يقرره في النظرية الأخلاقية يعترف بأن معرفة الوسط أمر عسير ، ولم يلتفت إلى أن هذا العسر يلقي بشبهة على الموضوع برمته .
إنه يقول مثلا عن هذه الوسطية : ( وليس العسر في سلوكها والتزامها فحسب ، بل إن معرفة الوسط الحقيقي الذي ينبغي سلوكه من أشد الأمور عسرا ، ذلك أن بين الطرفين مدى واسعا تضل فيه المقاييس ، وتطيش الموازين والحدود ، متاخمة للأوساط ملاصقة لها ، فيصعب ضبط هذه الأبعاد وتحديدها إلا على من هدى الله )

وفي رأينا :
أن الخير أو الحق أو الإسلام لا يمكن أن يكون جامعا بين أمرين كلاهما شر أو باطل أو كفر .
ولا يمكن أن يكون محض نقص في أمر هو شر أو باطل أو كفر
ولا يمكن أن نطبق عليه مبدأ الجدلية المادية القائلة بتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات نوعية أو كيفية .
ولا يمكن أن يكون نقطة في خط ممتد كله باسم الشر ما عدا هذه النقطة ، أو ممتد كله باسم الباطل ما عدا هذه النقطة ، أو ممتد كله باسم الكفر ماعدا هذه النقطة .
وإنما هو جوهر مختلف اختلافا ذاتيا .
يمكن أن نصفه بأنه مركب من عناصر ذاتية .
ويمكن أن نصفه بأنه مبرأ من عناصر غيرية .
ولكن لا يمكن أن نصفه – كما هو الذهب - بأنه الجوهر الذي ينقصه العفن ، أو أنه هو الجوهر المركب من التراب على يساره والعفن على يمينه ، أو أنه نقطة بين التراب والعفن.
كلا .
إن الشجاعة التي يقولون عنها إنها وسط بين التهور والجبن : ليس فيها شيء من التهور أو من الجبن ، ولا هي نقطة بينهما ، ولا يمكن ان نطبق عليها مبدأ الجدلية المادية القائلة بتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات نوعية أو كيفية ، إنها تختلف جوهريا عن كل ما حواليها .
إن الشجاعة مركبة ؟ ربما ، ولكن المؤكد أنها ليست مركبة من أضدادها ، ولا من يمين ويسار ، إنها مركبة من مجموعة من الفضائل ، ربما ، وقد نقترح أن تكون مركبة من الروية في التفكير ، والاستعداد للتضحية ، والإيمان بالهدف ، والتشبع بالمروءة … هي بذلك جوهر مختلف عن جوهر الجبن ، وهي بذلك أيضا جوهر مختلف عن جوهر التهور ..

الوسطية موقف مفتعل
وأنت عندما تتحدث عن الوسطية فإن هذا يعني أنك أنت الذي اخترت مقدما نقطة من بين نقاط كثيرة ثم نثرت الآخرين على الجانبين ، وكل مذهب يمكنه أن يفعل ذلك .
المسيحية مثلا في التثليث يمكن أن تطرح نفسها على أنها وسط بين الشرك الواسع والواحدية المطلقة .
واليهودية مثلا – في عقيدة الشعب المختار – يمكن أن تطرح نفسها على أنها وسط بين المسيحية التي تطرح الخطيئة على أكتاف البشر جميعا وبين الإسلام الذي يقرر أنه لا تزور وازرة وزر أخرى .
ويمكن للشيوعية – مثلا – أن تطرح نفسها على أنها وسط بين التملك الرأسمالي والتجرد الصوفي .
ويمكن للديموقراطية الجمهورية أن تطرح نفسها على أنها وسط بين الملكية والفوضوية ..
ويمكن للمذهب الفلسفي " اللاأدرية " أن يطرح نفسه على أنه وسط بين " اليقينية " و "العنادية " إلخ

الوسطية تفتقد الذاتية أصلا :
إن الوسطية – إذا سايرنا أصحابها – تعني انتظار ما يقوله الآخرون ، وابتناء موقفها - بالتبعية- على مواقفهم بالأصل .
إن الوسطية هنا مع كونها مخالفة في الظاهر للمذاهب التي على اليمين أو التي على اليسار هي في حقيقة الأمر رد فعل لهما ، وتعني التبعية لهما بوجه من الوجوه .
وفي هذا يحذرنا الله سبحانه وتعالى في تأكيده على مفهوم الحق ، وأنه مفهوم مستقل تماما . ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ) 81 المؤمنون .
( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) 105 الإسراء
( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) 81 الإسراء ز
ويؤكد قوامة دينه على كل شيء :
معنى ذلك أنه ليس المجهول الذي يعرف بالقياس إلى غيره ، وليس المنسوب الذي يرجع إلى نسب خارج عنه ، وإنما هو المعلوم الذي تعرف حقيقة غيره بالقياس إليه ، وهو الأصل الذي ترجع إليه الأمور : بالتصويب أو بالتخطئة . وما هكذا يكون منهج الوسطية.
وفيما يلي نتحدث عن " الوسط " في النصوص الإسلامية

********************
2\\2

الوسط في النصوص الإسلامية
له مقال آخر


د: يحيى هاشم حسن فرغل

الوسط في النصوص الإسلامية
ما يرجع إليه أصحاب منهج الوسطية من نصوص إسلامية يستندون إليها – مع احترامنا وتقديرنا لهم ولباعهم الطويل في البحث والاستشهاد – ليس فيها لفظ " الوسطية " أصلا ، نعم فإن فيها لفظ الوسط ، أما لفظ الوسطية فلا ، ولا يخفى عليهم الفرق بين الأمرين .
إذا أنت استهدفت النفع في شراء منزل فهذا لا يعني أنك صرت نفعيا .
وإذا أنت حصلت على رأسمال فهذا لا يعني أنك صرت رأسماليا .
وإذا قلت لا أدري في فتوى فهذا لا يعني أنك أصبحت لا أدريا .
وما جاء في النصوص الإسلامية من كلمة الوسط أو ما يدور حولها فإنه لا يخرج عن :

1- معنى الاستقامة والاعتدال وهو غير الوسطية .
2- أو معنى التوسط في المقام الاتصالي – المكان والزمان – وهو غير الوسطية .
3- أو معنى التكامل والتوازن وهو غير الوسطية .
4- أو معنى التوسط في الحركة والانتقال من حال إلى حال وهو غير الوسطية .
5- أو معنى المحافظة على الذاتية بغير تزيد أو تنقص وهو غير الوسطية .
6- أو معنى العدل والمنعة والقوة وهو غير الوسطية .

1: فمما يعني الاستقامة والاعـتدال ما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لمن سأله : قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ؟ قال : قل آمنت بالله ثم استقم ) خرجه ابن حبان في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، وأبو داود ، والنسائي في السنن الكبرى والطبراني في المعجم الكبير
وما رواه ابن ماجة في سننه بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنه خط خطا مربعا وخطا وسط الخط المربع وخطوطا إلى جانب الخط الذي وسط الخط المربع وخطا خارجا من الخط المربع فقال أتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا الإنسان الخط الأوسط وهذه الخطوط إلى جنبه الأعراض تنهشه أو تنهسه من كل مكان فإن أخطأه هذا أصابه هذا والخط المربع الأجل المحيط والخط الخارج الأمل.. ) وفي هذا الحديث نستدل على النجاة بالتزام الخط المستقيم ، والاستقامة لا تعني الوسطية ،التي ذهب إليها فضيلة الأستاذ الدكتورمحمد عبد الله دراز وجعلها نوعين : استقامة العوام التي يكتفون فيها بعدم الوصول إلى الأطراف ، ( واستقامة الخواص التي تأخذ بأوسط الوسط وأعدله وهو ما يكون بعده عن الطرفين بنسبة واحدة فلا يميل إلى أحدهما ميلا ما ) .. فالوسطية قد تعني تعرجا إذا ما تعرجت معا الخطوط التي على اليمين والخطوط التي على اليسار ، لأنك حينئذ تلتزم بأن تأخذ ممرا متوسطا بينهما .إنما الاستقامة تعني تحديد نقطة البداية ونقطة الهدف ، ثم تأخذ خطا مستقيما بينهما ، طارحا ما يكون على اليمين أو اليسار مهما كانت درجات البعد أو القرب هنا أو هناك .وفي الإسلام تم تحديد نقطة البداية ونقطة النهاية ، وتحديد الخط المستقيم الموصل بينها .
وتحديد نقطة البداية تم في قوله تعالى ( إني جاعل في الأرض خليفة ) : أي في إنشاء الحضارة على الأرض ، لأن معنى خليفة أي يخلف بعضه بعضا ، وهذا لا يقصد به مجرد الموالاة الزمنية ، لأنها متحققة في جميع المخلوقات ، وإنما يعني أن يبني الخلف على ما تركه لهم السلف ، وهذا هو معنى الحضارة ، وهو معنى قاصر على الإنسان .
وتحديد نقطة الهدف تم في قوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، وهذا يعني أن تكون الحضارة المطلوبة ذات هدف جوهري هو العبادة والطاعة والتسليم اختيارا ، ثم تحدد مسار الطريق بين البداية والغاية ، وهو إنما يكون تحت هدي الله وشريعته وترقب لقائه ومحاسبته في آخرته : ( إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) ، وعندئذ تتساقط الخطوط الأخرى على اليمين أو اليسار ، مهما كانت الالتقاء أو البعد أو التوسط .

2- ومما يعني " الوسط " في المقام الاتصالي قوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) 143 البقرة ،" فهي لا تعني الوسطية في شيء ، ذلك أنها جاءت في سياق طويل عن أخبار الزمان والمكان ، مما له مدخل في القيام بوظيفة الاتصال والشهادة " لتكونوا شهداء على الناس " إذ لا معنى للوسطية في الصلاحية للشهادة على الناس أو عدمها ، إذ كما يصلح المذهب الوسطي للشهادة على غيره ، فكذلك يصلح المذهب الطرفي ، إنما صلاحية الشهادة تكون لمن يكون وسطا اتصاليا يسمح باتصال الخبر وتتحقق فيه العدالة في الشهادة : يتصل بالغير ، ويتصل الغير به ، في المكان أوفي الزمان ، في الجغرافيا أو في التاريخ ، فتتم الشهادة لمن هم كذلك من أهل العدل ، ولا يتطلب المعنى أكثر من ذلك .
فقد جاء في صحيح البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم يا رب ، فتسأل أمته هل بلغكم ؟ فيقولون ما جاءنا من نذير ، فيقول من شهودك ؟ فيقول : محمد وأمته فيجاء بكم ، فتشهدون ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال عدلا ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا )
وفي مسند أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال عدلا
لم يقل محمد صلى الله عليه وسلم وهو يشرح الآية الكريمة شيئا عن الوسطية ، فهل جاء بعده – حاشاه – من هو أكثر فصاحة أو إفصاحا ؟
وفي هذا المعنى – الوسط الاتصالي في المكان والزمان - يقول الأستاذ الدكتور سليمان حزين عضو مجمع البحوث الإسلامية عالم الجغرافيا الكبير في بحث له بالمؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية : ( لقد كانت الجزيرة العربية منطقة وصل بين طرفي العالم عندها تلتقي القارات الثلاث في العالم القديم ، ومن شواطئها ومفارقها تمتد بحار الشمال بادئة بالبحر المتوسط وبحار الجنوب بادئة بالبحر الأحمر والخليج العربي ، وقد كان عدم اتصال المياه بين الشمال والجنوب سببا في أن شبه الجزيرة العربية كانت نقطة تغيير في وسائل المواصلات وفي ظهور دور الوساطة الذي كتب للعرب أن يقوموا به ، بل دور الرسالة الذي كتب الله بنزولهم في بلادهم أن يطلعوا به ، والواقع أن الحكمة الإلهية من نزول الإسلام في الأرض الوسط لا يمكن أن يعادلها إلا حكمة الله تعالى للأمة الأوسط ..ومن هذا الوسط انتشر الإسلام شرقا وغربا بالبر والبحر على السواء ، ولم تكن هذه الظروف الجغرافية مقوما وعاملا ميسرا لانتشار الطابع الإسلامي في الحياة فقط ، وإنما كانت كذلك عامل تواصل بين أطراف العالم الإسلامي بحيث إن جماعات المسلمين حتى في الجهات النائية من جنوب شرق شرق آسيا مثلا لم تنعزل في حياتها أو ثقافتها وتاريخها عن الوطن الأم لإسلام .. ومن هنا كان التماسك الحيوي والحضاري العام بين المسلمين في مختلف أقطارهم حتى في العصور التي لم يكن فيها تواصل سياسي أو اقتصادي ، ومن هنا كان التفاعل بين المسلمين تفاعلا أصبح قواما للطابع الحضاري الإسلامي على مر العصور .
وفوق ذلك فإن الوطن الإسلامي الكبير في مجموعه كان يمثل نطاقا متوسطا من العالم : بين المناطق الحارة والباردة وبين الجهات التي تقطنها العناصر البيضاء ، والشقراء ، وتلك التي تقطنها العناصر السمراء والسوداء ، من هنا كانت مكانة العالم الإسلامي في استنادها إلى موقع ذلك العالم من جهة وإلى تكوين سكانه وسطا بين الشعوب من جهة أخرى
وظاهر أن حكمة الأمة الوسط إن كانت تنطبق على الأمة العربية في خصوصا فإنها تنطبق كذلك وبصفة عامة على الأمة الإسلامية في مجموعها الكبير بين أمم العالم )

يضاف إلى هذا الوسط الجغرافي وسط فلكي أثبتته علوم الفلك والجيو لوجيا الحديثة عن كون موضع الكعبة وبالتالي مكة وبالتالي الجزيرة العربية نشأت أولا ثم تكونت الأرض فالعالم من حولها ، فمكة وسط الأرض والأرض وسط العالم ، وهي _ أي الأرض - قد بدأت بمحيط من الماء ثم برزت منها أكمة ( قشعة ) تكونت من حولها الجزر البركانية إلى أن تكونت الأرض بقاراتها التي تمت بعد ذلك ، وكانت تلك الأكمة هي النواة التي تكونت من حولها مكة ، فهي - كما يقرر العلم الحديث - وسط الأرض ، ثم هي وسط العالم ، يقرر ذلك الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين في أبحاثه التي قدمها الأستاذ الدكتور زغلول النجار في حلقة " بلا حدود " بقناة الجزيرة يوم الأربعاء 20\\11\\2003 .
وهو مصداق قوله تعالى " لتنذر أم القرى ومن حولها "

والخلاصة من هذا كله ألا مجال هناك لنقل " الوسط " إلى الوسطية " ثم نقل الوسطية إلى مذهب أرسطو ، أو إلى جدلية هيجل ، أو جدلية ماركس ، ولا مجال قط لجعل الوسط وسطية مرجعية حاكمة على ما يكون أو لا يكون في الإسلام .

3- ومما يعني التوازن والتكامل :
قوله تعالى ( الله أنزل الكتاب بالحق والميزان ) 17 الشورى
( والسماء رفعها ووضع الميزان ) 7 الرحمن
( وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ) 19 الحجر
( والوزن يومئذ الحق ) 8 الأعراف
( لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك وزلا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا )
( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما )
هي دعوة إلى مراعاة التوازن والتكامل ، ورعاية ضرورات النفس الإنسانية التي يمكن أن يؤدي بها عدم المراعاة إلى الوقوع في الخلل النفسي والاجتماعي والمعرفي
ومن هنا اختلفت معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لبعض صحابته في قبول ما يتبرعون به للجهاد ، وفقا لهذا المقياس لا لمقياس الوسطية
التكامل والتوازن شيء والوسطية شيء آخر .
التكامل والتوازن يعني احتواء عناصر متكاملة لا بد منها لمواصلة الحركة نحو الكمال إلى مالا نهاية .أما الوسطية فتعني : الوقوف عند نقطة ، أو جمع النقائض !!
فأين هي الوسطية في إسلام الوجه لله الذي هو جوهر الإسلام ؟ هل توجد نقطة هنا يقف المرء عندها ليقول كفى هذا القدر من إسلام الوجه ، ومواصلة السير بعدها رذيلة ، أو ليست بإسلام ؟
أما التكامل فيعني اصطحابا بعناصر متكاملة تكون زادا للسير في الطريق لإسلام الوجه لله إلى ما لا نهاية ؟!
وأين هي الوسطية في الجمع بين البصر الذي مثل به الغزالي للعقل ، والنور الذي مثل به للشرع ، أأنت وسطي إذا استعملت بصرك في إدراك النور ؟ فكيف إذا لم تكن وسطيا ؟ أن تستعمل بصرك وتغلق منافذ النور ؟ أم أن تفتح منافذ النور وتغلق بصرك ؟
أين هي الوسطية بين الطعام والفم ، أو بين الطعام والمعدة ؟ فكيف إذا لم تكن وسطيا ؟ هل يفترض أن بينهما تناقضا أصلا ؟ أم هو محض تكامل بين وظيفتين ؟
إن التكامل في حقيقته ليس تعبيرا عن وسطية أو جمع بين أشياء متناقضة أصلا ، وإنما هو أمور ننظر نحن إليها على أنها منفصلة اضطرارا في أسلوب التعليم الإنساني الذي يقوم على إدراك الأشياء بعد تمزيقها .. لكن الكل المتماسك هو الكائن الحقيقي، والإنسان المسلم هو المصنوع متكاملا قد أتاه العطب من بعد ( ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ، ثم رددناه أسفل سافلين ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) .
ومن هنا – ومن هنا فقط – جاء قوله تعالى لأهل الكتاب ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ، ) 77 المائدة :
الغلو في هذا السياق له معنى مساو لـ " غير الحق " وهذا يعني أن ما كان هو الحق فليس غلوا ، ولا يمكن أن يكون نفي الغلو هنا دعوة إلى الوسطية بأحد معنييها ، وإلا كان معنى ذلك أن المسيح الذي غلا فيه النصارى غير الحق يقف في نقطة الوسط – أو يجمع – بين أدنى الكائنات وبين الله ؟!
والله تعالى لا نسبة بينه وبين غيره في حقيقته
إنما المقصود هنا ما وضحته الآية في قوله تعالى ( لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ) 171 النساء أي لا تخرجوا به عن الحق ، وكل خروج عن الحق فهو غلو أي باعتبار ما فيه من اتباع الهوى والضلال ، فالحق هو الحق لا يرجع في تقريره إلى وسط أو وسطية ، ولا شأن له بالوسطية وحساباتها وأطوارها . ، وهذا الكلام يوجه بنفسه إلى كل من يؤله غير الله تعالى ، أو إلى غلاة بعض المذاهب في تاريخ الإسلام ، ليست القضية دعوة إلى تحري الوسط ، وإلا لتزاحم على نقطة الوسط من المنحرفين خلق كثير ، وما الرهبانية التي وقع فيها صوفية بعض الأديان إلا غلوا في جانب من جوانب الكيان الإنساني على حساب جانب آخر ، فهو غلو بفقد التوازن والتكامل ، وهذا معنى دقيق دونه الوسطية .

4- ومما يعني التدرج في الحركة والانتقال قوله صلى الله عليه وسلم : كما جاء في السنن الكبرى للبيهقي بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك فإن المنبت لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى فاعمل عمل امرىء يظن أن لن يموت أبدا واحذر حذر من يخشى أن يموت غدا ). هكذا يقول : أوغل ، نعم ولكن برفق ، وهذا معنى التدرج في الانتقال
ولأحمد في مسنده بسنده عن أنس بن مالك ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق )
وفي صحيح البخاري بسنده: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتجز حصيرا بالليل فيصلي ، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه ، فجعل الناس يثوبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيصلون بصلاته حتى كثروا ، فأقبل فقال : ( يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل ) ، وأخرجه مسلم وابن حبان والبيهقي في السنن الكبرى
وفي صحيح البخاري بسنده عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا )
وللبخاري في الأدب المفرد بسنده عن أبى هريرة قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه يضحكون ويتحدثون ، فقال والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، ثم انصرف وأبكى القوم ، وأوحى الله عز وجل اليه : يا محمد لم تقنط عبادي ؟ فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( أبشروا وسددوا وقاربوا )
في كل ذلك يتضح استهداف التدرج معالجة لواقع النفس البشرية ورفقا بها وحرصا على مداومة العمل بغير انقطاع ، انطلاقا إلى الغاية القصوى .
لاحظ قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله ) ولكن لاحظ قبل ذلك قوله ( فأوغل )
جاء في تهذيب اللغة للأزهري (282-370) في مادة " وغل" : ( وأوغل القوم إذا أمعنوا في سيرهم ، وكذلك توغلوا وتغلغلوا . وفي الحديث : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، " قال أبو عبيد قال الأصمعي : الإيغال السير الشديد والإمعان فيه ) وفي تاج العروس ( فصل الغين من الواو والياء ، قال : ابن الأثير : الغلو في الدين البحث عن بواطن الأشياء والكشف عن عللها وغوامض متعبداتها )

ثم لا حظ قوله صلى الله عليه وسلم ( برفق ) : إنها كلمة تقال في نطاق التحرك من حال إلى حال كأسلوب عملي في عملية الانتقال أو التغيير ، إذ يصبح من الضروري أن يتم التغيير على مراحل ، إذ لا بد للحالة الأولى أن يبقى منها شيء ولا يمكن الانخلاع منها طفرة واحدة ، والإصرار على الانخلاع منها طفرة واحدة مستحيل عمليا إذ يؤدي إلى كراهية النفس له ، ومللها منه ، ثم يؤدي في النهاية إلى التخبط وضياع الأمر كله ، ومن هنا جاء قوله صلى الله عليه وسلم ( إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ) .
إنه الأسلوب العملي في الانتقال بين أ ، وب ، وليس تحريضا على الوقوف في منتصف الطريق بين أ ، ب ، ولا جمعا جدليا بين أ ، ب
وعلى هذا الأساس جاء قوله صلى الله عليه وسلم ( يسروا ولا تعسروا ، وأبشروا ولا تنفروا وسددوا وقاربوا ) أخرجه البخاري ومسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم ( خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ، وإن أحب الأعمال إلى الله مادام وإن قل ) أخرجه الستة ، وجاء قوله صلى الله عليه وسلم : ( روحوا قلوبكم ساعة فساعة ) أخرجه أبو داود
أما قوله صلى الله عليه وسلم ( إياكم والغلو في الدين فإنما اهلك من كان قبلكم أنهم كانوا يغلون في دينهم ) فحديث صحيح أخرجه الحاكم عن ابن عباس واحمد في مسنده وابن ماجة في سننه ، لكننا نرى فرقا بين الغلو كقيمة فكرية تعني مجاوزة الحد كما جاء في القاموس المحيط حيث يشعر بمعنى الزيادة في الدين نفسه بإخراجه عن حدوده وذاته وكيانه وحقيقته كما فعلت المسيحية وغيرها ، وبين " التوغل" كقيمة سلوكية فيه تشعر ببقاء الدين على حاله ويكون التوغل فيه سلوكا من السالكين فيه بغير زيادة عليه في هذا التوغل ، لأنه أي هذا التوغل يحدث في دين متين قائم بكيانه قابلا للتوغل في داخله .

5- التزيد في الدين والتنقص منه
قد يقال إن الوسطية يستدل عليها من حقيقة أن الابتداع في الدين أو الخروج عليه إنما يأتي من ( التزيد فيه والتنقص منه ) الذي حذر منه الإمام المقبلي في كتابه " إيثار الحق " ، فهذا التزيد أو التنقص إنما يتصور بتصور الوسطية : فهي التي يطرأ عليها التزيد والتنقص .
ونحن نقول : لو كان الأمر كذلك لم يكن الدين الإسلامي وحده هو الذي يمثل الوسطية أو ينتمي إليها أو تعبر هي عنه ، وذلك لأنه من الواضح أن الأديان الأخرى والمذاهب والفلسفات يمكن تصور التزيد فيها والتنقص منها ، بحيث يكون الخروج عليها راجعا إلى ذلك التزيد أو التنقص . فالمسيحية يمكن الخروج عليها والابتداع فيها بالتزيد والتنقص ، واليهودية والبوذية والشيوعية إلخ ، وعندئذ لم يعد مقياس الوسطية مقياسا خاصا بالإسلام أو معبرا عنه .
ولم يعد قاعدة " البعد عن التزيد والتنقص " علامة على الوسطية كمذهب ، بمقدار كونها علامة على البعد عن التشويه والتحريف والخروج على الأصل والحقيقة ، أيا كان هذا الأصل وهذه الحقيقة ، ومن هنا يصدق على الوقوع في التزيد والتنقص كونه وقوعا في الابتداع والتحريف ، ولا يصدق عليه كونه وقوعا في الخروج على الوسطية .

6- وذهب بعض المفسرين إلى إظهار معنى العزة والمنعة والعدالة من معنى الوسط الوارد في الآية ، أخذا من أن الوسط الذي هو اسم للمكان الواقع بين أمكنة تحيط به يطلق على المكان العدل المنيع العزيز ( كوسط الوادي لا تصل إليه الرعاة والدواب إلا بعد أكل ما في الجوانب ، فيبقى كثير العشب والكل ، وكوسط المملكة يجعل محلّ قاعدتها ، ووسط المدينة يجعل موضع قصبتها ، لأن المكان الوسط لا يصل إليه العدو بسهولة ، وكواسطة العقد لأنفس لؤلؤة فيه ، فمن أجل ذلك صار معنى النفاسة والعزة والخيرية من لوازم معنى الوسط فأطلقوه على الخير النفيس كناية . قال زهير :
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم
إذا نزلت إحدى الليالي بمعظل
ويقال : أوسط القبيلة لصميمها وقال تعالى : " قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون " فالوسط في هذه الآية فسر بالخيار لقوله تعالى " كنتم خير أمة أخرجت للناس " وفسر بالعدول .
أما حديث " خير الأمور أوساطها " فقد ذكره الإمام السيوطي في الدرر المنتثرة وقال : إسناده فيه من لم يعرف حاله ، وقال : أخرجه ابن جرير في تفسيره من كلام مطرف السمعاني في تاريخه من حديث علي رضي الله عنه ، وهو من ثم حديث ضعيف ، اهـ والصحيح أنه من الأثر الذي يمكن أن نقبله كحكمة تصدق في نطاق محدود ، ولا يصح إيراده في مقام التفسير الكلي للإسلام ، أو تفسيرا كليا للخير والفضيلة .
&&&

كلمة الإسلام هي المبدأ وهي المرجع :
تلك هي الوسطية التي صاغها علماء ومفكرون لهم منزلتهم العالية ثم أضحت مضغة في أفواه الذين يعلمون والذين لا يعلمون فأين كلمة الإسلام من ذلك كله ؟ كيف تكون تلك الكلمة مرجعا وهي بغير مرجع ؟ كيف تكون تلك الكلمة الغامضة مرجعا لنفهم منه الإسلام وهو الواضح في القرآن الكريم والسنة الصحيحة ؟

وهنا قد يقال : إن وصف الوسطية لا يتم في فراغ ، ويمكن أن يحدد على أساس المعايير الإسلامية المقررة سلفا ، وعندئذ لا يكون هناك مجال للاعتراضات السابقة ، ثم إنه يصبح فعالا في مجال الدعوة ، وربما كان الدكتور محمد عمارة مشيرا إلى ذلك من بعيد في عبارته وهو يقدم الوسطية (.. بمعناها الإسلامي الخالص والأصيل )
ونقطع الطريق على ذلك بأن نقول : إن تحديد الوسطية أو مراجعتها بمعايير الإسلام يعود بنا إلى جعل الإسلام هو القيمة الحاكمة العليا ، ويصبح هو المعيار دون حاجة لمعيار سواه ،ويصبح هو وليس الوسطية الضوء الكاشف لما هو الإسلام سواء كان في الأمر وسط في حين ، أو لم يكن فيه وسط في أصله أو في حين أو أحيان ، ( إسلام الوجه لله ، بيع النفس والمال .. إلخ ) وعندئذ يصبح من قبيل اللغو .. الكلام عن الوسطية باعتبارها القيمة الحاكمة ، وأصل الأصول ، والعدسة اللامة ، والمرجع عند الخلاف ، والموقف بين جميع الثنائيات ، أو كانت هي المرشد في الفتوى – لا الرأي الراجح كما عهدنا من قبل - عند اصطراع المجتهدين كما نراه عند بعض أعلام المفتين . فإذا اتفقنا على كون الإسلام هو المرجع الأساسي فلا شان لنا بكلمة الوسطية ، وعندئذ ففي حال استعمال كلمة الوسط يجب أن نحذر من الياء والتاء ، ثم نقتصر عليها – بغير ياء وتاء - في المجالات الجزئية التي ورد فيها – إسلاميا – بنصه ، دون زيادة أو نقص.

الوسطية في مجال الدعوة :
وليس صحيحا أننا بحاجة إلى مصطلح الوسطية في مجال الدعوة ، والترغيب في الإسلام لأن الإسلام كفل لنا هذا الترغيب بعبارات أخرى قدمها لنا صريحة مثل " الاستقامة " ، والميزان ، والتيسير، والرفق ، والتكليف بما يستطاع ، ودين الفطرة إلخ ، فما معنى الإلحاح على تعميم مصطلح " الوسطية" بعد أن ظهرت لنا تجاوزاته وأخطاره ؟

على أن مصطلح " الوسطية بالتعميم المطروح لا يضمن الجاذبية والتحبيب كما يتصور البعض لأن هناك من يستعد للهجوم عليه باسم أنه يحتوي على شيء من المساومة أو الرخاوة أو الانتهازية .
وإقصاء كلمة الوسطية كمرجع لمعرفة الإسلام عقيدة وشريعة لا يعني الانحياز لما يسمى التطرف على الساحة اليوم ، لأن الإسلام يؤثم التطرف إن أريد به شيء مما يدخل تحت عنوان المعصية والإثم والكبيرة والفسوق والظلم ، وهذه الأنواع كلها لا تقاوم بمثل ما تقاوم بالتمسك بكلمة الإسلام في صفائها ونقائها وأصالتها ، لا بالبحث عن كلمات وصفات هي نفسها تقبل الطعن .
وهاهو الأستاذ الدكتور يحيى الرخاوي عالم النفس المصري الشهير يقول : ( نحن نحتاج أن نتطرف في موقفنا مع الحق ، مع الناس ن مع العدل ، نحتاج أن تكون معالمنا واضحة تجاه المبادئ والانتماء والقيمة ، وهذا يجعلنا نقف بعيدا عن ميوعة الوسط ، وخبث التسويات النصفية ) ثم يقول - ما نعتبره أخذا بما وضعه الإسلام من مبدأ التدرج في الانتقال ، من حال إلى حال ، أو مبدأ الرفق ، أو التيسير أو مبدأ عدم التكليف بما لا يستطاع ، وما فوق الوسع إلخ – إنه يقول : ( لكن هذا الوضوح بالنسبة للمبادئ والأهداف لا ينبغي أن يبرر الجمود بالنسبة للوسائل ، والمرونة اللازمة للمسيرة الواقعية نحو أهدافنا هي ضد التطرف حتما ، وليس معنى أن أكون متطرفا مع الحق أن أكون أنا الممثل الأول أو الأوحد لما هو الحق كما أراه شخصيا ، ودائما ، بل لا بد من حوار وسماح وإنصات ، وإعادة نظر ، طوال الوقت ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما معناه " والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه ما تركته ، وهو القائل " من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن " إذ قد يكون من الشرف والفخر أن أتطرف ، ومن الجبن والغرور أن أتعصب ) الأهرام 16\\10\\1986

ليس صحيحا أننا بحاجة إلى هذا المصطلح " الوسطية " في مجال الدعوة ، لأن الإسلام كفل لنا بمعاييره الذاتية ما نريد ، فهناك صفاته التي لا خلاف عليها من نحو " دين الفطر ة " و " الاستقامة " و " التيسير " والتكليف بما في الوسع " و" التدرج في الوصول " إلخ دون التورط في مصطلح متهم – على الأقل – بالرخاوة ، والانتهازية ، فضلا عن كونه متهما في فلسفته ومصدره ونتائجه .

الإسلام هو التسليم التام المطلق لله تعالى دون تحفظ أو حساب أو شروط وفقا لعقد الإيمان ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم)
ولو كانت الوسطية بما تتضمنه من أخذ من هنا وترك من هناك هي القيمة الحاكمة في الإسلام ، أو جوهر الإسلام : لكان من يدرج على الدرجات الأولى منه أقرب إلى الإسلام من إبراهيم وإسماعيل ومحمد – عليهم الصلاة والسلام – وكل من قارب الذروة والتسليم المطلق .
فإذا كان لبعض من ينضوون تحت لوائه أن يطلب أو يرجو فغاية ما هنالك ما تفضل الله تعالى به في عملية الشراء هذه ، تفضلا مطلقا – لأنه المالك – ( بأن لهم الجنة )
ولما كان الإسلام هو التسليم التام اختيارا ، فإنه مما يساعد على إبرام عملية الاختيار ملاحظة الحوافز في عملية التسليم والمجاهدة أثناءها ، لكن يظل هذا منحصرا في عملية الاختيار ولا يتطرق إلى فكرة التسليم وحقيقتها وجوهرها ، بمعنى أن المرء إذا أتم عملية الاختيار ودخل في الإسلام الذي هو التسليم فهو هناك التسليم المطلق ، وإذا كان من اختار التسليم المطلق قد حظي من جهته تعالى بالجزاء الأوفى فهذا محض فضل منه تعالى باعتباره المالك ملكا مطلقا ، الكريم كرما مطلقا . ومن هنا صح أنه " لا يدخل أحدكم الجنة بعمله " نعم يدخل الجنة بسبب منه الذي هو الإيمان والتسليم ، ولكن هذا السبب لا يكافئ جزاء الجنة العظيم
إن الإسلام يرفض فكرة الوسطية باعتبارها القيمة الحاكمة ، أو العدسة اللامة ، أو فكرة التمشيط – إن صح التعبير- التي يمشط كل شيء بحسبها ، أو يقاس كل شيء إليها ليعرف ما هو الإسلام : إن تحدثنا في السياسة بحثنا عن الوسط وقلنا : هذا هو الإسلام ، وإن تحدثنا في الاقتصاد بحثنا عن الوسط وقلنا : هذا هو الإسلام ، وإن تحدثنا في التربية بحثنا عن الوسط وقلنا : هذا هو الإسلام ، وإن تحدثنا في الفتوى بحثنا عن الوسط بين الآراء وقلنا : هذا هو الإسلام ، ذلك إلغاء لذاتية الإسلام .

وبالجملة : فإن الإسلام ليس هو الوسطية ، إذ ليس كل ما في الإسلام وسطا ، وليس كل ما في الوسطية إسلاما
إنه إن أريد – في بعض المواضع بالوسط الاعتدال والاستقامة فلا بأس مع التحفظ على عدم دقة التعبير ، وإن أريد بالوسط التكامل والتوازن فلا بأس مع التحفظ أيضا ، وإن أريد بالوسط في بعض المواضع القوة والمنعة والصيانة فلا بأس ، وإن أريد بالوسط قابلية التبليغ والاتصال المؤدي للشهادة فأهلا وسهلا . وفي جميع هذه الحالات فهذا لا يعني الوسطية : كما أن النفع لا يعني النفعية ، والاشتراك لا يعني الاشتراكية ، والتوازن لا يعني التوازنية ، والتكامل لا يعني التكاملية ، والسر في الياء والتاء ، تلك التي تصنع مصدرا صناعيا من معانيه نقل الكلمة من الدلالة على معنى معين إلى التمذهب حول مذهب جديد يتمحور حول الكلمة الجديدة .
وذلكم – أي الوسط - على وجه الخصوص لا يعني الوسطية باعتبارها محور الإسلام أو أصل الأصول فيه أو القيمة الحاكمة سواء كانت وسطية أرسطو ، أو وسطية الجمع بين النقائض ، أو وسطية الوقاية من التزيد أو التنقص .
ومعنى ذلك أن نلزم الأصل : أن لهذا الدين القوامة على غيره ، معنى ذلك أنه ليس مجهولا لتعرف حقيقته بالقياس لغيره ، وإنما هو المعلوم الذي تعرف حقيقة غيره بالقياس إليه ، فالإسلام لا يفسر بمرجعية غير مرجعية الإسلام ، إسلام النفس ، إسلام الوجه ، إسلام الذات لخالق النفس والوجه والذات ، فتكون الكلمة كلمته ، و الأمر أمره ، والشرع شرعه ، والملك ملكه ، والقوة قوته، والحول حوله : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) 13 فصلت ( وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم ، وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ، وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ) الحج 87

وأخيرا فإن من حق أصحاب الوسطية سواء كانت متطرفة أو غير متطرفة ( وقد يكون من أهدافهم أيضا ) أن يقدموها باعتبارها اتجاها فكريا أو فقهيا أو عقديا أو حضاريا ، فيتحدثون عن الوسطية لا عن الإسلام الوسطي ، فتكون لدينا فرقة جديدة ، ولتتجمع في منتدى للوسطية كما حدث أخيرا وكيف شاءت - وقد فعل مثل ذلك أصحاب المذاهب والفرق من قبل ، عندما تحدثوا عن الأشعرية – مثلا – لاعن الإسلام الأشعري ، وعن الماتريدية لا عن الإسلام الماتريدي ، وعن المرجئة لا عن الإسلام الإرجائي ، وعن السلفية لا عن الإسلام السلفي ، وعن الحنفية لا عن الإسلام الحنفي ، وعن الحنبلية لا عن الإسلام الحنبلي ، إلخ ..
وإلا نكون قد وقعنا في فخ قاتل ، صنعته العلمانية وصنعه المستشرقون وصنعه التغريبيون من قبل ، عند ما أخذوا ينتجون هذه المصطلحات الزائغة ويطرحونها في أسواقنا لنستهلكها بدورنا ضمن ما نستهلك من أنواع صادراتهم إلينا من الطعام والثقافة والعلوم على السواء : عن الإسلام السياسي ، والإسلام الصحراوي ، والإسلام السلفي ، والإسلام الشيعي ، والإسلام السني ، والإسلام المعتزلي ، والإسلام الصوفي ، والإسلام الظاهري ، والإسلام الباطني ، وأخيرا الإسلام الوسطي ، وهو فخ ينتهي من بعد إلى نوع من النسبية الهدامة في طرح ما هو الإسلام ، عند ذاك ينتشرون في أسواقنا نحن المستهلكين - وقد أخذوا بالفعل ينتشرون - يتساءلون عن : أي إسلام نريد ؟ كأنما الإسلام لا يزال مجهول النسب بعد أكثر من أربعة عشر قرنا من ظهوره ، أو بسبب مرور أربعة عشر قرنا !! وتلك أم الكوارث .
والله أعلم
أد : يحيى هاشم حسن فرغل


ناصر الناصر

شكرا للكاتب00لكن لابد ان نبين انه لاوسطية الا في المنهج النبوي 00لن يتحقق المراد اذا لم يقد مسيرة الأصلاح ( العلماء الربانيون)وفق منهج أهل السنة والجماعه لتتكون الوسطية الحقة 00من اكبر الأخطاء أنه جرى أهمال تعليم الأجيال (العلوم الشرعية )فيخرج من ينادي بالوسطية وهنا مؤتمر وهنا ندوة وهناك مظاهرة وصياح ونياح مع ضعف في الفقه00مثل من ينادي (بالديمقرطية ) ويسمي نفسه اسلامي !!لأنه لايدري أن الشريعة كاملة صالحة لكل زمان ومكان لاتحتاج لزيادة ولانقص00ولايعرف نواقض الأسلام 000ولاعقيدة التوحيد00ومايدري ماالولاء والبرا00ولاالسنن الكونية 00بل همه ينتظر متى يصبح له حزب يحكم ومتى تحرر فلسطين والسلام ختام!!
من لم يعرف الخطوات من كتاب الله 00ويفقه الطريق في من خلال السنة النبوية
يقوده عالم رباني يشرح له هذين الأصلين ثم يعمل الأسباب الصحيحة 00ثم يدرك انه لايلزم نزول النصر والتمكين في حياته فلن يصل الى مايأمل 0لنربي الأجيال على الشريعة والعمل بها عندها نسعد في الدنيا والآخرة 0