آخر الأخبار

ديمقراطية 'الخوف'!

2006-4-17 | محمد أبو رمان ديمقراطية 'الخوف'!

مرَ قرار الحكومة الأردنية يوم الجمعة (7 ابريل) برفع الدعم عن المحروقات، تحريرا للموازنة من "عبء" مالي كبير، وفقا لتوصيات المؤسسات المالية الدولية وبرنامج "الإصلاح الاقتصادي"، بلا أية كلفة سياسية أو أمنية. واقتصرت مظاهر الاعتراض على القرار بإعلان جبهة العمل الإسلامي، أكبر أحزاب المعارضة، عن إضراب لمدة ساعتين لم يكن فاعلا، وعن اعتصام رمزي لأحزاب المعارضة تراجعوا عنه بعد رفض الحكومة السماح له، وفي المقابل أعلنت جبهة العمل عن اعتقال عشرات من أعضائها على خلفية توزيع ملصقات تدعو للإضراب.

بينما خرجت أعمدة الرأي في الصحف اليومية لا علاقة لها بهذا القرار، وكأنها تصدر في دولة أخرى وتخاطب رأيا عاما مختلفا، يتناقش كتابها في الشؤون الإقليمية والدولية وينهالون شتما على أميركا وعلى التواطؤ الدولي ضد الفلسطينيين، ولا تجد مقالا واحدا يعترض على قرار الرفع الذي يمس المواطنين ويشغل المجتمع منذ شهور!

هذا المشهد يمثل صورة مصغرة تعكس طبيعة المعادلة السياسية الداخلية الأردنية التي تشكلت منذ سنوات، وتبدو كمثلث "متساوي الساقين" يتحكم في قراراته السياسية وحدود الإصلاح والديمقراطية المسموح بها الحرس القديم وقوى الشد العكسي، بينما ينفرد الليبراليون الجدد برسم مساره الاقتصادي الليبرالي (وفقا لتعليمات المؤسسات المالية الدولية)، من خلال تطبيق الصيغة المتطرفة لليبيرالة، شاغلها الرئيس خصخصة الدولة وتخفيف ميزان المدفوعات، وتشجيع الاستثمار وسن التشريعات الملائمة للاندماج في العولمة الاقتصادية، دون تخطيط استراتيجي لتنمية وطنية ذات قاعدة إنتاجية متوازنة، وهو ما ينعكس بآثار وخيمة على شرائح واسعة من المجتمع وعلى بنية الطبقة الوسطى.

وعلى الطرف الآخر من المعادلة، تمثل أحزاب المعارضة وعصبها الحيوي جماعة الإخوان "قاعدة المثلث" التي تبدي تذمرا من الوضع الحالي، لكنها أقرب إلى الظاهرة "الاحتجاجية" لا تمتلك أي تأثير حقيقي على القرارات السياسية الإستراتيجية، بعيدا عن "المناورات" السياسية الاستعراضية مع الحكومة وأجهزة النظام.

ويلاحظ الانخفاض الحاد في سقف المعارضة الأردنية، وفي مستوى الاحتجاج الشعبي، في السنوات الأخيرة مقارنة بأحداث وظواهر سياسية في المراحل السابقة. ففي عام 1989 قامت انتفاضة شعبية كبيرة في عدة مدن على أثر ارتفاع سعر الخبز، أطاحت بحكومة زيد رفاعي، وهو ما تكرر عام 1996 على خلفية الظروف الاقتصادية المتدهورة، في حين كانت شخصيات مثل ليث شبيلات وتوجان فيصل تمثل صوتا معارضا لا سقف له، يتجاوز كل الخطوط الحمراء في السياسة الأردنية وينتقد "الفساد" في أعلى مستوياته. إلا أن هذه الصيغة من المعارضة السياسية والاحتجاج الشعبي اختفت من المشهد الحالي.

بالتأكيد، إن ضعف المعارضة، والهدوء المزيف لا يمثل حالة "صحيّة"، فالأمن القائم على شروط قسرية في الحياة السياسية، لن يولد في المحصلة إلا أكثر مظاهر العنف والتطرف المقابل، وهو ما يتمثل -في حالة الأردن- بخلايا ومجموعات التيار السلفي الجهادي، وهي أقرب إلى "حركات اجتماعية بأيدلوجيا إسلامية".

وليس غريبا أن تكون البيئات الفقيرة والمهمشة هي المحضن الاجتماعي لهذا التيار، في ظل ضعف وهشاشة الحياة السياسية والمدنية وعدم قدرتها على تفريغ حالة الاحتقان الاجتماعي.

أحد المؤشرات الرئيسة على تراجع الحياة السياسية، يظهر في استطلاعات الرأي التي ترصد تقييم أداء الحكومات. ويعكس الاستطلاع الأخير -الصادر عن مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية، بمناسبة مرور مائة يوم على تشكيل حكومة البخيت- هذه الملاحظة بأمانة، إذ يتحدّث الاستطلاع عما يسميه بـ"فجوة الثقة المتزايدة" بين الرأي العام والحكومة، ما يعني حالة من الاغتراب وضعف الفاعلية السياسية وانتشار مشاعر الإحباط وخيبة الأمل، والإحساس بعدم وجود عقول مفكرة في مؤسسات النظام، قادرة على إحداث "قفزات نوعية" والخروج بالواقع السياسي من المربع الأول والحلقة المفرغة إلى خطوات ملموسة للأمام.

المراقبون والخبراء الغربيون والأميركيون يقولون إن النظام الأردني يجيد التحدّث عن الإصلاح وتسويق نفسه خارجيا لكنه لا يعمل به. وربما الوصف الأدق هو أنّ النظام يتحدث عن الإصلاح السياسي، لكنه يسير باتجاه معاكس تماما له! فبعيدا عن الشعارات السياسية الرنانة ودعوى الإصلاح والتنمية واللجان المختلفة (لجان الأردن أولا، لجنة الأجندة الوطنية..) فإن الحركة السياسية الواقعية محدودة ينطبق تماما عليها المثل القائل "تسمع جعجعة ولا ترى طحنا".

صحيح أنّ الليبراليين الجدد والحرس القديم يتنافسون على تقاسم النفوذ في عملية صنع القرار، إلا أن هناك اتفاقا ضمنيا بين الطرفين على المسار الذي تطلق عليه الأدبيات السياسية مصطلح "الليبرالية السلطوية"؛ التي ترسم الملامح العامة للسياسة العامة الداخلية.

تقوم الليبرالية السلطوية على المنظور الأمني للإصلاح وعلى "تقزيم" دور المؤسسات السياسية والأحزاب والمعارضة والمجتمع المدني، وانخفاض سقف الحريات العامة والصحافية. وبعيدا عن كل الدعاوى الرسمية فمن الواضح أنه لا يوجد هناك إرادة حقيقية في التغيير والإصلاح السياسي البنيوي.

وفي حين يعاني النظام السياسي من خلل خطير يتمثل بضعف البرلمان وعدم قدرته على تشكيل رافعة حقيقية لدوره التشريعي والرقابي، يتوازى مع ضعف في الأحزاب السياسية ودورها وقدرتها على بناء برامج سياسية واقتصادية حقيقية وإثراء الحوار الوطني والسياسي العام. في المقابل فإن العلاقة بين المؤسسات السياسية وقوى المجتمع المدني تبدو كالجزر المنفصلة التي لا تواصل فيما بينها.

يتذرّع الحرس القديم، للحيلولة دون أية خطوات حقيقية نحو الإصلاح السياسي، بإشكالية "المعادلة الديمغرافية"، إذ يرون أنّ تغيير قانون الانتخابات وإلغاء مبدأ الصوت الواحد سيؤدي إلى تغيير في بنية البرلمان وهويته، وسيضعف "الأردنيين من أصل أردني" لصالح "الأردنيين من أصل فلسطيني"، وهو ما سيضع الأمن الاجتماعي وهوية الدولة على "المحك"، ويرون أن اعتماد مبدأ القائمة الحزبية سيكرس سيطرة الإسلاميين على البرلمان، بما يحملونه من برنامج سياسي وفكري غير واقعي ومضر بمصالح الأردن الحيوية.

هذه الذريعة تؤدي إلى تأجيل الإصلاح واستحقاقه، وإلى تبني إستراتيجية "شراء الوقت" في مواجهة الضغوط الخارجية. لكن الأهم من ذلك أنها تقوم على رؤية مختزلة مشوهة لمضامين الإصلاح السياسي والديمقراطية؛ فالهدف من الإصلاح هو تكريس الحياة المدنية- السياسية التي تتجاوز التعبيرات الأولية والإشكاليات الديمغرافية، وتعزز مفاهيم المواطنة، وتعيد تأسيس العقد الاجتماعي على أسس واضحة من الحقوق والواجبات الدستورية. والبرلمان القوي هو الذي يتشكل من أحزاب سياسية يدفعها التنافس إلى ترسيخ قواعد التعددية والبرامج، أما قانون الصوت الواحد والاعتبارات الديمغرافية، فتخلق برلمانا مشوها يمثل عبئا على النظام وعلى موازنة الدولة التي تجبى من ضرائب المواطنين.

إلا أن البعد المسكوت عنه في تأجيل الإصلاح هو "الفساد"، الذي يستنزف الموارد ويأكل من الاقتصاد الوطني، وهو العقبة الحقيقية في وجه الإصلاح السياسي المنشود، لأن الإصلاح مقتضاه الرقابة الدائمة على الأموال العامة والمؤسسية والمحاسبة وتمكين المواطنين من مناقشة شؤونهم العامة والتأثير فيها وحماية مصالحهم. وهذه كلها تتتناقض مع مصالح النخب المتنفذة وتحد من سلطتها وصلاحياتها، لذلك ستبقى دائما تدفع بقطار الإصلاح ليخرج عن مساره إلى اتجاهات خاطئة.

في ظل المعادلة الحالية، لا بد لقوى الإصلاح ومريديه من البحث مرة أخرى عن البداية الحقيقية لوضع القطار على السكة الصحيحة، أو استمرار الرهان على انتظار إرادة سياسية حازمة بالوصول إلى إصلاح سياسي بنيوي، لا أحد يجزم متى تتحقق!


تم غلق التعليقات على هذا الخبر