آخر الأخبار

ما وراء أزمة السجون الأردنية

2006-4-15 | محمد أبو رمان ما وراء أزمة السجون الأردنية

تعد الأحداث الأخيرة في سجن قفقفا في الأردن مؤشرا رئيسا على ضرورة المراجعة البنيوية لأوضاع السجون ومدى تحقق غايتها. ويؤكد على ذلك أن هذه الأحداث أتت بالتزامن مع صدور تقرير لجنة الحريات في النقابات المهنية، الذي ينتقد أوضاع السجون من نواح عديدة وبعد أسابيع على أحداث سجن جويدة الشبيهة بها.

سؤال السجون ذو أبعاد مختلفة، يتمثل البعد الرئيس في مدى تحقيق أوضاع السجون الحالية للشروط الإنسانية والقانونية المعتبرة من جهة، وقيامها بوظيفتها المتوقعة بإعادة تأهيل السجناء سلوكيا واجتماعيا ليكونوا أفرادا صالحين عند خروجهم من السجن، وليعتبروا حقا بأخطائهم السابقة من جهة أخرى. إلا أن الأمانة الوطنية والأخلاقية تقتصي منا الاعتراف الصريح والمباشر أن هذه الغاية غير متحققة إلى الآن، وأن المناخ العام في السجون الأردنية لا يدفع باتجاه التأهيل الأخلاقي، بل ربما تكون له أثار عكسية على عدد كبير من النزلاء، إذ قد ينتقل عدد منهم إلى مرحلة "الاحتراف" في الجريمة والسلوك الخاطئ خلال فترة السجن التي يقضيها.

لا يمكن في ظل الظروف الحالية الحديث عن توافر إمكانية الإصلاح والتأهيل، فهناك حالة من الفوضى والاكتظاظ وغياب حقيقي لمراكز التوجيه السلوكي داخل السجون، ويُترك الفرد لحظة دخوله السجن إلى السجناء الآخرين يلتقطونه، وكل صنف من الجرائم له ما يسمى بـ"المهجع" الخاص، وكثيرا ما نسمع من سجناء سابقين عن قسوة حياة السجون وصعوبتها، وغياب الرقابة السلوكية فيها.

ما سبق يمثل الخيط الذي يمكن أن نصل منه إلى وضع سجناء "التنظيمات الجهادية" بالتحديد، الذين يتمتعون بخصوصية كبيرة، فهم يتبنون أفكارا "ثورية" يسعون إلى نشرها حتى بين سجناء المهاجع الأخرى، ويمتازون بالتنظيم الشديد والقوة في الدفاع عن مصالحهم وأفكارهم، ويحملون نداء روحيا، وهو ما يدفع أصحاب الجرائم الأخلاقية، بالتحديد، للالتفاف حولهم للتعويض عن المرحلة السابقة في حياتهم.

إن رصد تطور الجماعات الجهادية -في الأردن- يظهر بوضوح الدور الذي يلعبه "السجن" كمحضن فكري وسلوكي لأبناء هذه الجماعات، إذ تتوافر لديهم الفرصة الكافية للتدريس والدراسة والتواصل السلوكي وتعزيز العلاقة بين الأفراد القدامى ومن ينضم إليهم من "مهاجع" أخرى في السجن. وتستثمر هذه الجماعات حالة "الفوضى" الداخلية لنشر خطابها إلى الخارج، وهو ما يمكن أن نستدل عليه من شواهد واضحة، فأبو محمد المقدسي كانت كتبه وآراؤه تسرب وتنشر في مختلف أنحاء العالم وهو في سجن قفقفا الصحراوي، كما أن الصور التي نقلتها الفضائيات خلال أزمتي السجون (الجويدة وقفقفا) هي دليل آخر على الفوضى التي نتحدث عنها.

في هذا السياق، فإن جزءا رئيسا من مطالب سجناء التيارات الجهادية غير مقبول حتى في أكثر دول العالم الديمقراطية، فلا يمكن للسجناء فرض شروطهم على الحكومة والدولة، بما يخدم بقاء السجون أداة فاعلة من أدواتهم في التجنيد والتربية التنظيمية.

في المقابل، هناك مطالب أخرى إنسانية وشرعية تتمثل بتجريم التعذيب وبالحق في المعاملة اللائقة الحسنة، بل هي من شروط أداء السجون للوظائف الحضارية والاجتماعية المطلوبة.

لكن حتى لو كانت بعض مطالب هؤلاء السجناء إنسانية ومشروعة، إلا أنّهم أساءوا لها ولعملية عرضها على الرأي العام، فليس بالاعتداء على رجال الأمن وتخريب موجودات السجن وتحويلها إلى أسلحة يكون التعبير عن القضايا، بل بالمظاهر السلمية والتواصل مع منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني لتأخذ هذه القضايا مسارها الشرعي الصحيح.

في المقابل، فإن إدارة السلطات الأردنية للأزمة أثبتت فشلا ذريعا أدى إلى مقتل أحد السجناء وإصابة آخرين من السجناء والشرطة، وكان بالإمكان حل المشكلة وديا من خلال وساطة مؤسسات المجتمع المدني، بتقديم ضمانات للسجناء بالمعاملة اللائقة وتنفيذ المطالب المحقة، أما الدخول إلى السجن بمئات الشرطة المسلحين وكأننا أمام حرب انتقامية، فهو الخيار الذي كان هناك أمام إدارة السجون ما هو أفضل منه، ولا ينتقص من هيبة الدولة والسلطة.

بالنتيجة، فإنّ الأزمات الأخيرة وتقارير حقوق الإنسان تكشف عن أبعاد المراجعة المطلوبة، والتي يبدو أنها أصبحت بمثابة القناعة لدى المؤسسات الرسمية وغير الرسمية. وأول ملامح هذه المراجعة هو توفير الشروط الإنسانية الصحية في السجن، والتخلص من حالة الاكتظاظ الحالية وتحسين طبيعة الحياة الداخلية، وإيجاد أو تفعيل المرافق المختلفة كالمكتبات والملاعب، وبناء قواعد لممارسة ثقافية داخل السجن ترتقي بسلوك السجناء وتصوراتهم.

والملمح الآخر يتمثل بالدور الذي يمكن أن يؤديه علماء ووعاظ وتربويون -على قدر من الحجية والإقناع-، وهو دور "مزدوج" يعالج الخلل الفكري —لأفراد الجماعات المتطرفة- في فهم الإسلام وهدايته ومقاصده وأحكامه ودور سلوكي مع سجناء القضايا الأخلاقية والجنائية.

وتمثل التجربة السعودية واليمنية والمصرية دليلا حيويا وكبيرا على أهمية هذا الدور، ففي السعودية خضع المعتقلين من أفراد "القاعدة" لجلسات مكثفة من قبل علماء ودعاة، مما أدى إلى تراجع عدد كبير من هؤلاء الأفراد عن أفكارهم وقناعاتهم، ما ترشّح عنه قبل أيام بالإفراج عن المئات منهم، بعد أن أعيد تأهيلهم فكريا. وفي اليمن تجربة شبيهة بها، أما في مصر فقد فتحت السلطات المجال واسعا أمام قيادة الجماعة الإسلامية في السجون للمراجعات الفكرية والتواصل مع آلاف من أفرادها في هذه السجون، وكانت المحصلة إعلان الجماعة تخليها عن منهج العنف والعمل المسلح واعتذارها للشعب المصري عن الدماء التي أريقت.

أمّا الملمح الأخير في المراجعة المطلوبة، فيتمثل في وجود دور رقابي إلزامي للمركز الوطني لحقوق الإنسان، وأن يتم التعامل مع تقاريره وتوصياته بجدية تامة، وأن يكون، كذلك قنوات من التعاون والتواصل بين إدارة السجون ومؤسسات من المجتمع المدني للقيام بتطوير أوضاع السجون وتحسينها وإجراء الدراسات الاجتماعية اللازمة لذلك.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

الناصح

اذا خفت من قول الحق فلا تزين الباطل
يا أخي اكتبوا عن أخطاء الحكومات الطاغية ودعاة الفساد بدل ان تبقى داخل اطار الجماعات الاسلامية ، الموضوع الساخن الذي يتسلق عليه الكيثر ومنهم الاخ الكاتب هداه الله


أبوعبدالله

الكاتب أبو رمان يتحدث باستعلاء عن الجماعات الجهادية ويعتبر أنّ أعضاءها بحاجة إلى \\"إعادة تأهيل فكري وسلوكي\\" , وهو بهذه الخفّة الفكرية يقرر عدة أمور:-

الأول: أن الخلاف بين الجماعات الجهادية وبين ما تسمى بالجماعات المعتدلة هو خلاف جوهري حقيقي أي خلاف تضاد بمصطلحات الإمام ابن تيمية, بعكس ما يصرح به كثير من أعضاء تلك الجماعات المعتدلة حينما يتم محاصرتهم \\"في الزاوية\\" في النقاشات حيث يطالبون حينها بالكف عن تسفيه اجتهاداتهم بل القبول بها كاجتهادات لها مستند شرعي والاتجاه بدلا من ذلك لبناء جبهة موحدة ضد \\"العدو المشترك\\".

لكننا هنا نرى الكاتب أبو رمان يصرح بأن الامر ليس كذلك, فهو يعتبرالانتماء للتيار السلفي الجهادي- لنخرج منه ما ليس سلفيا- لوثة فكرية.

ومن الجدير بالذكر أن الاعتدلال الذي توصف به بعض التيارات الإسلامية ليس هو الاعتدال الشرعي الإسلامي وإنما هو القدرة على التأقلم مع السياسة الأمريكية ومع تيار التغريب الذي أعادت أمريكا إحياءه بلباس جديد واختارت طليعته هذه المرة من التيار الإسلامي, بعد أن فشلت طليعة التغريب القديم الذي رعتها بريطانيا وفرنسا مثذ القرن التاسع عشر الميلادي في تأصيل الثقافة الغربية ونمط الحياة الغربي في العالم الإسلامي وبالتالي فشلت في الحفاظ على المصالح الغربية.

ثانيا: الكاتب يعتبر السجون العربية الرهيبة \\"السلخانات\\" مكانا تتوفر فيه الشروط المناسبة لقيام عمليات \\"غسيل الدماغ\\" للسجناء الجهاديين, وهم الفاقدون لحريتهم, وبين العلماء الوعاظ والتربويون \\"من الذين هم على قدر من الحجية والاقناع\\" كما يصفهم, فالكاتب يؤيد قيام تحالف بين الأنظمة العربية \\" أس البلاء في العالم الاسلامي\\" وبين المشائخ والوعاظ والتربويون , وهذا يكشف عن مدى الانحدار الأخلاقي الذي ضرب بعضا أعضاء ما يسمى بالتيار الإسلامي السلمي , ففي أي دين واي ملّة بل وفي أي فطرة سليمة يمكن أن يعتبر مثل هذا النقاش أو \\"اعادة التأهيل\\" كما يسميها في مثل هذه الظروف مقبولة شرعيا وأخلاقيا؟! هل بلغ الإنحطاط بالدعاة ان يجعلوا عملهم مكملا لعمل الجلادين؟!

بل إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما أراد اقناع الخوارج بانحرافهم أرسل اليهم عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ليناقشهم وهو تحت سلطانهم, وبين جنودهم , ولم يأمر بسجنهم وتعذيبهم ثم نقاشهم رغم انه كان على الحق المبين والخوارج كانوا على الباطل المستبين , فهل يعتبر الكاتب أبو رمان أنّ الأنظمة العربية أعلى منزلة من الخليفة الراشد علي, والجهاديين أدنى منزلة من الخوارج؟!

بل حتى لو كان يعتبرهم كذلك لما صح مثل هذا العمل المشين.

من يجد في نفسه القدرة على إعادة تأهيل أبناء التيار الجهادي فليمتلك حدا أدنى من الرجولة وليطالب بمناقشتهم خارج السجون وإعطائهم الأمان والحرية ليقولوا ما يريدون, أما أن يوضعوا بين فكي كماشة: إما الخضوع \\"لإعادة التأهيل\\" أو الاستمرار تحت السياط, فهذا لا يقبله من عنده أدنى مقدار من المروءة !

ثالثا الكاتب يعتبر الجماعات الجهادية التي تقارع بمفردها الهجمة الإجرامية الهمجية التي تشنها الأمم الغربية المتصهينة على العالم الإسلامي بوحشية لم يعرف لها التاريخ مثيلا أقول يعتبر أعضاء تلك الجماعات بحاجة الى \\"إعادة تأهيل\\" ! أقول هذه النظرة الكارثية هي نموذج على مستوى الانحطاط الأخلاقي الذي وصلت إليه بعض قطاعات المثقفين , فبدلا من أن يَنظر اليهم كأبطال كما تفعل حتى أدنى الدول والحضارات منزلة بأبنائها الذين يدافعون عن كرامتها واعراضها, نجد أن الانتكاس الذي اصاب بعضا من المسلمين قد جعلهم يرون الابطال مصابون بلوثة فكرية تستحق العلاج!

وأخيرا هذه نصيحة للكاتب أبو رمان بأن يتقي الله ويكف عن الكتابة لأنه ليس أهلا لها, كما توضح من أكثر من مقال له, وليتفرغ للعبادة لترتقي روحه ويخرج من حالة الهزيمة النفسية التي تنضح كتاباته بها, وإلا فالموعد بين يدي العزيز القهّار.


عضو تنظيم الإخوان

السلام عليكم
والله لا أدري من أين أبدأ هذه الكلمات....
يعني صاحبنا أبو رمان لا ينظر إلى جرائم الحكومات العربية المتهالكة ، والتي حتى لم تنصر التيار السلمي المعتدل كحماس ـ مثلاً ـ ولم تنظر إليه ، وهو يحاول أن يكرس مفهوم أن جماعات العنف يحتاج لها غسيل فكري ودماغي كي تخرج من أزمتها الفكرية الثورية !!!
لوكنه في الوقت نفسه ينسى أن من يجري معهم عمليات غسيل الدماغ هم الاولى بأن تجرى لهم تلك العمليات ، ماذا ترجو يا أبو رمان من حكومات الدول العربية والإسلامية التي سامت المسلمين سوم العذاب.
شوف يا حبيبي أنا لست إرهابيا ، ولست من جماعة الزرقاوي ولا المقدسي ولا من أصحاب العنف المسلح بل أختلف مع هذا الكفر ، ولكني أراك لا تفتؤ تظلم هؤلاء العصابة ، وتكيل لهم اللمز ، وتظن نفسك بذلك مفكراً إسلاميأص....
أظن أنك ما تصدق يأتي خبر جديد عن هؤلاء القوم حتى تهرع لتكتب مقالاً تنشره هنا أو هناك لتأخذ أجره ، ثم تنام نومة هانئة وإخوانك في السجن يسامون سوم العذاب ، لو كنت تتقي الله ، لناقشت أفكارهم بهدوء في الطرح ، أو بعلم شرعي ، ولكن للأسف الهدوء في الطرح وتلقط الأخطاء لا يكون إلا لهؤلاء الجهاديين ، أما الحكام وعلى رأسهم ملك الحكومة الأردنية ، فلابد من الحوار معه بلطف وهدوء وووووووو
ولا أوقل إلا هداك الله يا أبو رمان.....


أبو أسامة

لعل الكاتب "محمد أبو رمان" غفر الله لنا و له هو من يحتاج إلى إعادة تأهيل. فأنا لم أتصور للحظة إمكانية وجود كاتب ينتمي للتيار السلفي يكتب المقالات الطويلة فلا تكاد تلمح فيها استدلالا بآية أو حديث بل تكاد تخلو من أي تأصيل شرعي