الإرهاب، المجتمع والدولة

2006-3-31 | محمد أبو رمان الإرهاب، المجتمع والدولة

في الوقت الذي كان مؤتمر "ظاهرة الإرهاب جذورها وأسبابها ومواجهتها" ينعقد في عمان، تسرب خبر إلى صحيفة الحياة اللندنية عن إحباط عملية انتحارية في أحد السجون الأردنية، وهو الخبر الذي أكده الناطق الرسمي باسم الحكومة فيما بعد، وخلاصة العملية الانتحارية تقوم على ترتيب بين الجيوسي -المتهم الأردني فيما سمي بقضية "كتائب التوحيد" (الذين اتهموا بمحاولة تفجير المخابرات العامة)- وبين أنصار له من الخارج على القيام بعملية انتحارية داخل السجن من خلال أحد المحكومين بالإعدام من التيار السلفي الجهادي، الذي سيفجر نفسه فيما سيتولى المساندون في الخارج الاشتباك مع الشرطة وتسهيل هروب الجيوسي.

الملفت في العملية هي اعتمادها على إمكانيات بسيطة والعمل على تطويرها، إذ كان الجيوسي قد طور المواد الأولية اللازمة لعملية التفجير من غاز الميثان من خلال "براز المعتقلين"، ما يعني أن هذا التيار لا يستسلم ويأخذ معركته مع النظام الأردني يمنتهى الجدية.

بالعودة إلى مؤتمر عمان وتزامنه مع هذه العملية، تبدو لنا المفارقة واضحة بادية للعيان، إذ بينما ينشغل الوسط السياسي والإعلامي الأردني بمؤتمرات وندوات وفعاليات، فإنها لا تمس الواقع الحقيقي لمعركة الدولة والمجتمع مع الإرهاب، باختصار لأن هذه المؤتمرات والندوات تسير بالاتجاه الخاطئ وتستغرقها النقاشات السفسطائية التي لا تخرج عن دائرة المربع الأول دوما!

والحوار، الذي استغرق جزءا كبيرا من مؤتمر عمان ووقته، كان يدور حول "حلقة مفرغة" بشأن دور العوامل الخارجية والداخلية في نمو الإرهاب، وفي الأشكال الأخرى والأخطر من الإرهاب التي تمارس بحق الشعوب العربية سواء الإرهاب "الدولي" أم إرهاب "الدولة". وهذه القراءة صحيحة تماما، لكنها أصبحت بمثابة البدهيات التي نكرر أنفسنا خلالها في كل مؤتمر أو نقاش ولا نتجاوزها. لذلك لا بد من الاتفاق على المسلمات الأساسية للخروج منها إلى ساحة ما يمكن أن نقوم به من دور فاعل وحقيقي، وعدم الركون إلى فضيلة هجاء الواقع، ونحن نسير من نكوص إلى آخر.

دعونا نتفق، ابتداء، أن ما يسمى بالإرهاب الإسلامي هو نتيجة، وليس سببا، وابن شرعي لبؤس الواقع الراهن، وأن الاحتلال الصهيوني لفلسطين واحتلال العراق والسياسية الخارجية الأميركية، وضعف حالة الحريات العامة والديمقراطية في العالم العربي، والظروف الاقتصادية والسياسية والثقافية السائدة كلها عوامل ومحفزات تساهم في نمو مشاعر الغضب والإحباط لدى أجيال الشباب، الذين تستقبلهم جماعات عدمية متطرفة تهدر طاقاتهم وإمكانياتهم بلا ثمن، وتغسل عقولهم -لتنقلب بوصلة النشاط والعمل من الدور البناء والجهاد المشروع الممكن إلى قتل المدنيين والأبرياء-، وتبني تفسيرات متشددة للإسلام تنزع عنه سمات الرحمة والتسامح والقيم الأخلاقية الكبرى، ولا تستوعب روحه ولا مقاصده العامة، ولا تميز بين مستويات الجهاد وميادينه ولا مفاهيمه الكبرى.

ودعونا نتفق، كذلك، على أن "المقاربة الأمنية" غير قادرة على مواجهة الإرهاب وحدها، وأنها في كثير من الأوقات قد تفاقم من الظاهرة ومن تداعياتها السلبية على المجتمع وأمنه واستقراره، وأن الإستراتيجية الأمنية المطلوبة يجب أن تستند إلى "الثقافة" التي تضع طاقات ونشاط الشباب العربي والمسلم في الاتجاه الصحيح والمناسب.

لكن في المقابل، لماذا نتغافل عن دور المجتمع والمثقفين والكتاب والعلماء والأدباء والإعلاميين والفنانين في مواجهة الإرهاب وتداعياته المختلفة على المجتمع والدولة؟ لماذا نقدم استقالتنا ونتخلى عن مسؤوليتنا ونصنع حالة من الفراغ لكل محدود الأفاق كي يملأها ويهدر مستقبل عدد كبير من الشباب الذين يؤثر فيهم!

ولعل ملاحظة الصديق مراد الشيشاني (في المؤتمر) تصيب بيت القصيد عندما ضرب مثالا في دولة عربية عندما كان يقود المعارضة فيها، في منتصف التسعينيات، نخبة من التكنوقراط وأساتذة الجامعات والمثقفين، الذين يوجهون الشباب باتجاه الإصلاح السياسي والعمل الخيري، وعندما قمعتهم الدولة ظهرت نخبة من المتطرفين المأزومين، الذين لا تتجاوز دراسة أغلبهم مرحلة الثانوية العامة! وتولوا هم قيادة جيل الشباب فخلقوا حالة أمنية خطيرة أضرت كثيرا بمصالح تلك الدولة وأودت بمستقبل الآلاف من شبابها، فالفراغ الذي يتركه قادة الرأي والتفكير يملأه قادة التكفير.

صحيح أن الحكومات العربية تتحمل مسؤولية كبيرة عما آلت (وتؤول إليه) الأوضاع، وأنها لا تعطي الفرصة كاملة للنخبة المثقفة والتكنوقراط ليؤثروا في الرأي العام، كما أنها تضع خطوطا حمراء في كثير من الأوقات على حرية التعبير والرأي. لكن صحيح أيضا أن أغلب الحكومات العربية لا تقف في وجه هذه النخبة لتقوم بدور فاعل في توجيه الشباب في كثير من مجالات الحياة المختلفة، ليمثلوا لدى الشباب "القدوة الاجتماعية" التي تقدم خطابا تربويا وتنويريا تصون مستقبلهم.

فالمشكلة الحقيقية تتمثل في جزء كبير من اهتمامات النخبة العربية; إما أنها تتجه إلى نقد الحكومات والسياسات الغربية دون بناء مقاربات اجتماعية- ثقافية عملية لمواجهة الواقع وتوظيف الطاقات، وإما أنها مستنزفة في اللحاق بمصالحها الخاصة.

لا مبرر حقيقيا تمتلكه النخب المثقفة العربية لحالة الكسل والجمود التي تعيشها، ولا يفيد أن نلقي دوما المسؤولية على الآخرين. فقد آن الأوان كي ندرك أن فاتورة الإرهاب ندفعها نحن -المجتمعات والشعوب العربية- من مستقبل أبنائنا (آلاف الشباب العربي المحسوب على القاعدة في سجون الاحتلال الأميركي، أو على خلفية قضايا أمنية في السجون العربية، وآلاف تطوعوا للقتال في أفغانستان والعراق وسقطوا بلا أي مقاومة حقيقية).

أما معركة الجماعات التي ينتمي لها هؤلاء الشباب مع الولايات المتحدة فخاسرة، لا تقوم على أسس صحيحة، ولا تخدم مشروع المجتمعات العربية بالحرية والنهضة، كما أن الحكومات والنظم العربية توظف اليوم ما يسمى بـ"الإرهاب" للتلويح به في وجه الضغوط الأميركية من أجل الإصلاح ولتأجيل مشاريع الإصلاح السياسي.

مسؤولية النخب المثقفة العربية تقوم على الاقتراب من الشباب العربي ومخاطبتهم، بما في ذلك دور المثقف والعالم والمفكر المسلم المطالب بأن يقدم رؤى إسلامية تستنطق الوظيفة الكفاحية للإسلام في سياقاتها الإيجابية البناءة.

معنيون اليوم ببناء مفهوم "صناعة الحياة" في مقابل الإحباط الذي تكرسه في واقعنا سياسات النظم العربية والهيمنة الأميركية والمشروع الصهيوني. ومعنيون أيضا ببناء مقاربات فكرية عملية للدور المطلوب للشباب في مواجهة الأزمات والمشكلات التي تعترض حياتهم ومستقبلهم، ويكفي الإشارة في هذا السياق إلى مداخلة الأستاذ زكي الميلاد، المفكر والمثقف السعودي، الذي استحضر التجربة اليابانية والألمانية بعد الحرب العالمية الثانية، فألمانيا تفوقت على أوروبا بالاقتصاد واليابان نقلت معركتها إلى المعمل. ويمكن أن نضيف إلى ذلك تجارب كل من كوريا الجنوبية وماليزيا والعديد من الدول الأسيوية التي تمكنت خلال عقود قليلة من بناء نهضة وتنمية تمثل مصدر قوة وتمكين لها، وقنوات لمستقبل أبنائها.

باختصار المسألة مترابطة، والخروج من مناخ الإرهاب والقمع والإحباط..، يتطلب دورا فاعلا للمثقفين والمجتمعات والقوى العربية، فقبل "أن نكنس الامبريالية من بلادنا، لا بد أن نكنس أبواب بيوتنا" على حد تعبير المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر