الانتخابات الإسرائيلية 'قراءة أردنية

2006-3-24 | محمد أبو رمان الانتخابات الإسرائيلية 'قراءة أردنية

تتجمع الكثير من المؤشرات والأحداث والتطورات السياسية الإقليمية والداخلية (الإسرائيلية) لتجعل من الانتخابات الإسرائيلية، بعد أيام قليلة، بداية لمرحلة جديدة فارقة وخطيرة في تاريخ القضية الفلسطينية أولا، ودول الجوار العربي ثانيا.

ويخطئ من يظن أن هذه الانتخابات، كسابقتها، لا تمثل شيئا جديدا في المنطق السياسي الذي يحكم إسرائيل، كما يخطئ من يتعجل في اعتبار أن انتصار حماس هو مقدمة لتصالح بين يمينين فلسطيني وإسرائيلي مستندا إلى تصريح هنا أو إشارة هناك.

خطورة هذه الانتخابات تأتي أولا من سياقها الإسرائيلي- الداخلي، وإذا كانت استطلاعات الرأي تشير إلى انتصار نسبي متوقع لحزب كاديما، فإن تداعيات الانتخابات، لا يمكن حصرها في هوية الحزب الفائز، على أهمية ذلك، بقدر ما يجب الانتباه إلى الحالة السياسية الإسرائيلية بأسرها اليوم وبؤرة المناظرات القائمة حاليا هناك، وتشير، جميعها، إلى أن إسرائيل تتجاوز الفلسطينيين تماما في تقرير طبيعة المرحلة السياسية القادمة، ليس على صعيد التنظير الاستراتيجي فقط، بل وفي بناء واقع جديد يفرض على الفلسطينيين.

مشروع كاديما أصبح يمثل الخيار الاستراتيجي الرئيسي لإسرائيل، ويلقى قبولا لدى مختلف ألوان الطيف السياسي، مع اختلافات جزئية بسيطة، ويقوم هذا الخيار على المضي قدما في ترسيم حدود إسرائيل النهائية مع الفلسطينيين، وإتمام بناء الجدار العازل، وتحديد الأراضي التي تدخل ضمن الحدود الإسرائيلية، بما يضمن وجود محيط استراتيجي داخلي يحقق الشروط الأمنية، فيما ستتخلى إسرائيل عن الكتل البشرية الفلسطينية لأي حل محتمل لدولة فلسطينية، غير قابلة للحياة الحقيقية. ويمثل قيام إسرائيل بضم غور وادي الأردن خطوة على طريق هذا الحل النهائي.

من جهة أخرى، استغلت إسرائيل انتصار حماس في الانتخابات الفلسطينية، لتتخذ منه ذريعة في تأكيد ادعائها بغياب "الشريك الفلسطيني". والغريب أن العالم الغربي والحكومات العربية لا يزال يطالب "حماس" بالالتزام بالعملية السلمية دون أن نفهم ماذا تبقى من هذه العملية، سوى "سلطة" لم تعد تحمل من السلطة إلا مصاريف باهظة وقضايا فساد وصراعات داخلية، وقوى أمنية لا تعطي أي مقومات حقيقية لدور أمني في التعامل مع القضايا الداخلية.

فالحالة الفلسطينية تسير نحو المرحلة الأسوأ في تاريخها، ويتحول المجتمع الفلسطيني إلى جزر جغرافية محاصرة ومكتظة بالسكان، تعتمد في جزء كبير من اقتصادها على المساعدات الخارجية، وعلى المدى البعيد ستكون "بيئة طاردة" تدفع إلى الهجرة الاختيارية بحثا عن شروط أفضل للحياة. هذا السيناريو تحدث عن صيغة قريبة منه هنري كيسنجر في مقاله حول ملامح السلام القادم بين حماس وإسرائيل، وطرح فيه قضية المقايضة: أن تستبدل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية بعرب الـ48، لحل المشكلة الديمغرافية والأمنية الإسرائيلية في آن معا.

الأردن، بدوره، يمثل طرفا مباشرا معنيا بالتطورات الراهنة، وبمخرجات الانتخابات الإسرائيلية، وإذا كان هناك من يحاجج بأن اتفاقية وادي عربة قد كفلت الحد من تهديد إسرائلي للأردن, وأي محاولات "تهجير" للفلسطينيين، فإن الحل الأحادي الجانب وما سينتج عنه من تدهور الوضع الفلسطيني قد يؤدي بتداعيات عملية خطيرة، خاصة أن الجدار العازل سيقلل من الكلفة الأمنية الإسرائيلية من العمليات الفلسطيبنية، وسيغير من قواعد الصراع إذ سترد إسرائيل بقوة وعنف على أية محاولات فلسطينية، بمعنى أن محصلة خيار الفلسطينيين بالعودة إلى الكفاح المسلح ستكون أضعف من السابق، وهو ما يمثل دافعا آخرا للفلسطينيين للبحث عن فرص حياة أفضل في الخارج.

ما هو أخطر من ذلك, أنّ أطروحات سياسية فلسطينية ظهرت مؤخرا تسير باتجاه تأزم الوضع الفلسطيني، وأبرز هذه الأطروحات ما يتردد من أطراف في حركة فتح تطالب بحل السلطة الفلسطينية بدعوى وضع العرب والمجتمع الدولي أمام مسؤولياتهم، وانهيار السلطة، بالتأكيد، سيكون له في الظروف الحالية آثار خطيرة على الأردن.

والمفارقة الغريبة، أن هنالك دعوات بدأت تتردد بالعودة عن قرار فك الارتباط، وهو ما يصب, في هذه الظروف التاريخية ومع تدهور مفاوضات السلام، في صالح إسرائيل، ويدفع باتجاه أن يكون الأردن هو الدولة الفلسطينية عمليا، إن لم يكن رسميا، التي سيصبح مركزها في الأردن وبعض الملحقات بها في الضفة الغربية.

الموقف الرسمي الأردني واضح تماما، ويتمثل بأن قرار فك الارتباط هو لصالح الفلسطينيين، وان العودة عنه غير واردة قبل أن يمتلك الشعب الفلسطيني دولته الحقيقية المستقرة المستقلة القابلة للحياة. لكن بقي أن يتبع الموقف الرسمي مواقف شعبية وسياسية وورشات سياسية وفكرية أردنية, تقرأ جيدا تطورات الوضع الفلسطيني وتداعياته ومجالات الحركة الأردنية والعربية القادمة لدعم الفلسطينيين من جهة، ولمنع دفع الأردن ثمن المرحلة القادمة من جهة أخرى.

ما يثير الاهتمام هو موقف حركة حماس التي تعلن رفضها لقرار فك الارتباط، وهو الموقف الذي يشير عدد من قيادات "الإخوان" في الأردن إلى تبنيه أيضا، بدعوى عدم دستورية القرار، إذ ينص الدستور الأردني على عدم جواز التنازل عن أي شبر من الأراضي الأردنية وأن الضفة الغربية هي "جزء من الأردن" وفقا لقرار الوحدة 195، إلا أن هذا الرأي خطير جدا في دلالاته السياسية الآن، ويمس مفهوم الدولة الفلسطينية المستقلة، كما أنه يتجاهل أن قرار الوحدة كان على أساس أن تكون الضفة الغربية "وديعة" لدى الأردن، إلى حين استعادة التراب الفلسطيني الكامل.

على أي حال "الإخوان" وحماس معنيان اليوم ببناء مقاربة ذات أبعاد سياسية واضحة للمرحلة الحالية، وعدم الوقوف عند لغة الشعارات "المهاجرين والأنصار" أو "الوحدة الإسلامية" فهذه الشعارات للتسويق الاجتماعي والثقافي وليست لتحديد قضايا سياسية خطيرة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

saeed

لم يشر الكاتب لا من قرب ولا من بعيد إلى موقف الحكومة الأردنية العدائي من حركة حماس

بينما وللمفارقة على الجانب الآخر يعوّلون كثيرا على أحزاب إسرائيلية تكيد للأردن وتخطط ضده .. وما تصريح الجنرال الإسرائيلي قبل فترة أيام من أن الملك عبد الله سيكون آخر ملك هاشمي للأردن عنا ببعيد

فمتى سيفيقون ؟