آخر الأخبار

العلاقات الروسية الصينية تحت المجهر

2006-3-22 | علي حسين باكير العلاقات الروسية الصينية تحت المجهر

"إن العلاقات بين روسيا والصين لا تعتبر عاملا من عوامل الاستقرار الجغرافي السياسي فحسب، بل وتقدم نموذجا للشراكة الدولية المفتوحة غير الموجهة ضد بلدان أخرى، والتي تدعم تطوير نظام عالمي أكثر عدلا, وعلى الرغم من المنعطفات التاريخية الصعبة، إلا أن شعبي روسيا والصين حافظا على علاقات طيبة أحدهما مع الآخر، كما ندرك اليوم بشكل أكبر الأفضلية الإستراتيجية لاتصالاتنا الثنائية، ونعتزم توسيعها لما فيه فائدة شعبي البلدين".

هذا ما ألقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الصين في افتتاحه الرسمي "لعام روسيا في الصين" لدى وصوله إلى بكين في 21-3-2006 في إطار زيارة تستغرق يومين يرافقه فيها فريق من حوالي 90 شخصا من رجال أعمال ورجال دولة.

وقبل أن نقدم تحليلا لهذه الزيارة، وما حققته عند انتهائها في مقال لنا, نود أن نعرض في هذا المقال لطبيعة العلاقات الروسية-الصينية مؤخرا، والتفاعلات الحاصلة بين الطرفين وتأثيرها الإستراتيجي.

فالمتابع للتحركات الروسية والصينية في السنوات الأخيرة، يلحظ تناميا ملحوظا في الشراكة الإستراتيجية بين البلدين. وما يميز العلاقات الثنائية الروسية-الصينية حاليا هو أنها تستند إلى مبادئ التكافؤ الحقيقي والمنفعة المتبادلة، ووحدة المصالح في أوسع دائرة, وهي تخلو من الأشكال والقوالب الإيديولوجية، مما يمنحها قوة في المستقبل المنظور.

لا شك أن العديد من العوامل لعبت دورا في تنمية هذه العلاقة، ودفعت الطرفين باتجاهها, ومما لا شك فيه أيضا أن لهذه العلاقة نتائج ومنافع متبادلة لدى الطرفين.

* خلفية عن العلاقات الثنائية:

بدأت العلاقات الثنائية بين البلدين في العام 1949 إبان وجود الاتحاد السوفيتي في المنظومة العالمية, ثم شهدت هذه العلاقات توترا كبيرا في المراحل اللاحقة أدت إلى انفصام بينهما, ثم ما لبث الوضع أن تغير خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وظهور روسيا الاتحادية.

وقد لعب الرئيس الروسي بوريس يلتسن آنذاك دورا قويا في تقوية هذه العلاقات منذ العام 1992حيث اتخذت العلاقات الثنائية حينها أبعادا عديدة منها: موقف البلدين من السياسة الأمريكية السلبية ورفضهما المشترك لمبدأ هيمنة قوة واحدة على النظام العالمي، معارضة مشروع الدرع المضادة للصواريخ, التعاون في مجال التقنيات العسكرية, التنسيق الأمني بين البلدين في منطقة آسيا الوسطى, تأكيد عدم تدخل كل طرف في الشؤون الداخلية للطرف الآخر واحترام الوحدة والسلامة الإقليمية له.

ثمّ جاء الرئيس بوتين إلى الحكم, ومع أن العلاقات مع الصين كانت متوترة في أوائل عهده نظرا لتوجهه إلى الغرب, إلا أن الأمر كان مجرد سحابة عابرة، حيث تحولت العلاقات مع الصين إلى خيار إستراتيجي.

* معاهدة التعاون وحسن الجوار:

في تموز من العام 2001، قامت الصين وروسيا بتوقيع اتفاق تعاون ثنائي لتوثّق من علاقات الدوليتين خلال العشرين سنة المقبلة. وتأتي هذه الاتفاقية الجديدة بديلا عن تلك التي تمّ توقيعها أيام "ماو تسي تونغ" وستالين، والتي شكلت الحلف المشئوم في عام 1950، وأصبحت غير واقعية فيما بعد في نهاية الستينات إثر التوتر الذي حصل بين البلدين وانفصال علاقاتهما الثنائية.

وقد جاءت هذه الاتفاقية الجديدة آنذاك لتدعم "الشراكة الإستراتيجية" بين البلدين، والقائمة منذ نهاية التسعينيات خاصة من جانب قلق الدولتين من التحول في النظام العالمي الجديد الذي تسيطر عليه الولايات المتّحدة وحلفاؤها الأوروبيون.

وعلى العموم، فقد ركزت هذه الاتفاقية المؤلفة من 25 بندا على ما يلي:

1- معارضتهم المشتركة لبرنامج الدفاع الصاروخي الأمريكي.

2- رفضهم للمفهوم الغربي عن "التدخل الانساني"، والذي تبناه حلف الناتو في عام 1999 في كوسوفو.

3- معارضتهم للخطط الأمريكية بالتوسع العسكري, و التي لا يمكنها الاّ ان تضرّ بمصالح الأمن العالمي.

4- الدعم الروسي لمفهوم "صين واحدة" و الاعتراف بحق الصين في تايوان كجزء منها.

5- تدعيم التعاون العسكري بين الطرفين.

* العلاقات الاقتصادية الثنائية

تعتبر روسيا شريكا تجاريا قويا للصين, فهي تحتل دائما موقعا بين الشركاء العشر الأوائل لها, وقد احتلت سنة 2005 المرتبة التاسعة بعد أمريكا, اليابان, هونغ كونغ, كوريا الجنوبية, تايوان, ألمانيا, ماليزيا وسنغافورة. وتعد روسيا المصدر الأول للأخشاب إلى الصين، (64,7% من جميع واردات الصين من الخشب, المخصّبات 47,5%, المأكولات البحرية 44,5%, النفط 8,75%, معادن حديدية 13,9%).

أما بالنسبة إلى الصين, فتكاد صادراتها إلى روسيا تنحصر في المواد والسلع الاستهلاكية, فيما تطمح الأخيرة في أن تزيد الصين من استثماراتها المباشرة في الاقتصاد الروسي, والتي بلغت في العام 2004 حوالي 5% من حجم الاستثمارات الصينية الخارجية الكلية.

وقد بلغ حجم هذه العلاقات الاقتصادية بين البلدين في العام 2004 حوالي 21,2 مليار دولار بزيادة نسبتها 35% عن السنة السابقة لها. ومن المنتظر مضاعفة هذه الأرقام خلال العشر سنوات القادمة بين الطرفين.

* العلاقات العسكرية الثنائية:

حتى فترة الثمانينات كانت المبيعات الروسية العسكرية للصين تكاد لا تذكر لصغر حجمها. أما اليوم, فتعد الصين المصدر الأول لصادرات الأسلحة الروسية، والتي تستأثر لوحدها بحوالي 45% من صادرات السلاح الروسي إلى الخارج.

ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي, قامت الصين بصرف مليارات الدولارات لشراء طائرات نفاثة, صورايخ, غواصات وكاسحات ألغام من روسيا. وقد أدى هذا إلى أن تصبح الصين المخلص الأول لصناعة السلاح الروسية التي كانت تعاني منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

واستطاعت الصين أن تحصل على أسلحة من روسيا خلال السنوات الثلاث الماضية بما قيمته خمسة مليارات من الدولارات، كان نصيب العام (2005) منها مليارين من الدولارات، وقد شملت تلك الصفقات: معدات، وصواريخ، وغواصات ديزل، ومقاتلات سوخوى 27 و30، ومعدات حربية متنوعة، وصرح الجنرال "فلاديمير ميخائيلوف" -قائد القوات الجوية الروسية- بأن روسيا تنوى تزويد الصين بطائرات إستراتيجية قاذفة للقنابل من طرازي SU-27Mو SU-29M، وقاذفات بعيدة المدى من طراز TU-22M-3، وكذلك حاملات صواريخ من طراز TU-95MS.

وتلعب العلاقات العسكرية الروسية-الصينية اليوم دورا في دعم توجّه الصين التسلحي الذي يزعج العديد من الدول وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.

* التطورات الأخيرة في العلاقة بين الطرفين:

التطورات الأخيرة المهمّة في العلاقات الثنائية بين البلدين مرت بثلاث محطات هي:

البيان الصيني-الروسي المشترك لإنشاء نظام عالمي جديد في 1/7/2005 موقفهما المشترك حول قضايا دولية رئيسية؛ مثل إصلاحات الأمم المتحدة، والعولمة، والتعاون بين الشمال والجنوب، والاقتصاد، والتجارة العالمية.

المناورات العسكرية المشتركة بين الصين وروسيا باسم "رسالة السلام 25" في الفترة ما بين 18-25 آب 2005، والتي أثارت مخاوف العديد من القوى الدولية, سيما الولايات المتحدة الأمريكية.

رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الرئيس الصيني في 5/1/2006، والتي تحدث فيها عن المستوى غير المسبوق الذي بلغته علاقات الدولتين على كافة الصّعد، مشددا على ضرورة تعزيز هذه الشراكة في إطار اتفاقية التعاون المشترك, معتبرا أن العام 2006 سيكون منقطع النظير في إطار التعاون المشترك.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر