إستراتيجية 'الحرب على الإرهاب' وديمومة 'الجهاد' 2/2

2006-2-12 | إستراتيجية 'الحرب على الإرهاب' وديمومة 'الجهاد' 2/2

* تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين

بدأ تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين نشاطه في العراق عقب انتهاء العمليات العسكرية الأمريكية الرئيسية واحتلال العراق في نيسان 2004 بشكل متواضع بزعامة أبو مصعب الزرقاوي، الذي عمل على جمع شتات المتطوعين وعمل لفترة بدون أي مسمى، ثم تحول إلى اسم "جماعة التوحيد والجهاد" بمشورة من المسئول الشرعي للجماعة أبو أنس الشامي، وفي 8\\1\\2004 بايع الزرقاوي بن لادن أمير تنظيم القاعدة وتحول اسم الجماعة بشكل نهائي إلى "تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين".

* الهيكلية والتنظيم:

تتميز هيكلية تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بالمرونة، فلا يوجد ثبات بالمطلق، ويجمع الزرقاوي جميع خيوط التنظيم بقبضة حديدية، وقد بدأ الزرقاوي بعد إصابته، واحتمالات قتله في المستقبل يفكر بشكل جدي بنقل قيادة التنظيم إلى أحد الأعضاء العراقيين، وهذا ما حدث مؤخرا، إذ أعلن التنظيم عن اسم نائب أمير التنظيم: أبو عبد الرحمن العراقي، والذي وجه بدوره رسالة إلى أبي مصعب الزرقاوي بعنوان "لبيك لبيك يا أبا مصعب"، وسلم قيادة التنظيم إلى العراقيين، وأبقى تشكيلاتهم كاملة كما هي للعمل تحت مظلة الجناح العسكري في الجماعة، وأصبحت هيكلية التنظيم أكثر وضوحا من السابق، حيث كان يكتنفها الغموض.

فالزرقاوي لا يزال أميرا للتنظيم وواجباته تبدأ بتوجيه اللجان المختلفة للتنظيم، فهو الذي وضع إستراتيجية المقاومة بشكل عام، من خلال استهداف القوات الأمريكية وقوات التحالف، بالإضافة إلى استهداف الشيعة والأكراد، والبنية التحتية للدولة، والمنشآت الحيوية في البلاد، وبالتالي فإنه يوجه معظم عمليات التنظيم الكبرى، ويرسم إستراتيجيته وسياسته، ومن هنا فإن كافة التشكيلات العسكرية تتبع نهجا محددا في اختيار الأهداف، وفي معظم العمليات الصغيرة لا تحتاج المجاميع المنتشرة —من سرايا ومجموعات- في مختلف المناطق إلى أمر مباشر، وهي متروكة لاجتهادات القادة الميدانيين بالتنسيق مع قادة الكتائب وأمراء المناطق، ويعتبر منصب نائب الأمير الذي تولاه أبو عبد الرحمن العراقي، تطورا جديدا تطلبته ضرورات الواقع وحفاظا على سلامة التنظيم، وهو يقوم بكل الأعمال مع الزرقاوي، ويطلع على كل الأمور المتعلقة بالتنظيم وسير عمله، وقد أوكل إليه الزرقاوي مهمة الاتصال بالعراقيين بشكل مباشر، وحافظ هو على الاتصال مع المقاتلين المتطوعين من خارج العراق، ويقوم نائب الأمير بالإشراف على احتياجات اللجان المنبثقة عن التنظيم، وخاصة الجناح العسكري بقيادة الأمير أبو أسيد العراقي، وهو المسئول الأول عن الكتائب والسرايا والمجموعات، العاملة والتنفيذية والمساندة، التابعة للتنظيم، وكذلك تم الإعلان عن تشكيل فيلق عمر في مواجهة فيلق بدر الشيعي.

وهناك عدة كتائب رئيسية وعلاقتها مع القيادة العليا للتنظيم، مثل كتيبة الأمن والاستطلاع، والتي تقوم بفحص دقيق للأعضاء الجدد المنتسبين للتنظيم، وتقوم بجمع المعلومات عن الأشخاص والأماكن والأهداف المنتخبة للعمليات، وطرق قوات الاحتلال، والشركات المساندة لها من ناحية أمنية أو لوجستية، وتوجهات القوات الأمريكية، وتكتيكاتها العسكرية، والخطط المستقبلية لها وللحكومة، وتعمل على تجنيد العملاء داخل قوات الحرس الوطني والشرطة وشركات المقاولات العاملة، وشركات النقل.... وغيرها من الوظائف الهامة الحساسة، وتنشر جماعات الاستطلاع بين الناس، وتقوم بتسجيل انطباعاتهم وتلمس حاجاتهم، وتعمل على جمع المعلومات حول الأشخاص المستهدفين بعمليات التصفية والاغتيال، سواء أكانوا من أعضاء الحكومة أو البعثات الدبلوماسية، أو قادة الجيش والشرطة وغيرهم، فضلا عن استكشاف المناطق الحساسة والحيوية ومعرفة نقاط الضعف للاستفادة منها، وترفع جميع التقارير وبشكل دائم ومستمر إلى قيادة التنظيم، التي تقوم بدراستها والتشاور حولها وانتقاء الأهداف وأوقات التنفيذ، وتوجيه أوامر التنفيذ إلى الجناح العسكري وتشكيلاته للتنفيذ والإعلام بالنتائج لكل عمل تقوم به تلك التشكيلات .

وينبثق عن الجناح العسكري عدة كتائب وسرايا ومجموعات، تسمى بمسميات مختلفة بعضها تحمل أسماء الخلفاء الراشدين مثل كتيبة أبو بكر الصديق، وفيلق عمر، وكتيبة ابن الخطاب، وبعضها يحمل اسم بعض قادة القاعدة في جزيرة العرب مثل كتيبة عبدالعزيز المقرن، وأبو أنس الشامي وأبو عزام العراقي (عبدالله الجوري) وتم إطلاق اسميهما على كتائب الاقتحام، أما الكتائب الأخرى فهي تحمل نفس الاسم الذي حملته قبل الانضمام إلى تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين في العراق، مثل كتيبة الرجال، وتعتبر كتيبة الاستشهاديين أحد أهم الكتائب في تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين وهي "كتيبة البراء بن مالك" وأميرها "أبو دجانة الانصاري"، وينفذ المنتمون لهذه الكتيبة —الاستشهاديين— بشكل واسع وكبير العمليات الموجهة لضرب الأهداف الحيوية، وهي تضم العدد الأكبر من المتطوعين العرب، وفي الفترة الأخيرة بدأ ينظم إليها أعضاء من العراقيين.

ومن الجدير بالذكر أن الزرقاوي يولي أهمية خاصة لهذه الكتيبة لما لها من دور كبير في حرب الاستنزاف وقلة تكلفة العملية الواحدة منها من الناحية المعنوية والمادية، ولما تحدثه من أثر كبير في تحطيم معنويات جنود الاحتلال والمتحالفين معهم، ويشرف على هذه الكتيبة قادة ميدانيين مدربين وخبراء في عمليات تصنيع المتفجرات والتفخيخ والتوصيل، وتفجير العبوات سلكيا ولاسلكيا عبر الأجهزة الخاصة —ريموت كنترول — وعبر الهواتف الخلوية، وغيرها من الأساليب الأخرى.

ومن الأساليب الفنية في استخدام المتفجرات صناعة العبوات الثابتة، والتي تقوم مقام الألغام الأرضية العمودية وجانبية الدفع لإلحاق الضرر التام في الآليات المستهدفة، وكذلك تستخدم المتفجرات في تجهيز عبوات السيارات والشاحنات سواء منها المفخخة لتفجيرها لاسلكيا أو عبر ساعة توقيت، أو التي يفجرها التنظيم عبر المقاتلين —الاستشهاديين-، وأيضا تستخدم المتفجرات في تصنيع الأحزمة الناسفة التي تحمل من قبل مقاتلين — استشهاديين-، وتستخدم المفجرات في تطوير بعض أنواع الصواريخ وقذائف الهاون — المورتر-، وتعتمد كمية المتفجرات المستخدمة وطريقة تفجيرها وأسلوبها على نوع الهدف المستهدف ضربه، من ناحية الحجم، والمنطقة الجغرافية، وثباته أو حركته، وغير ذلك من عناصر تؤثر على الطريقة المناسبة لإحداث أكبر عدد من خسائر الأرواح والعتاد، والخسائر المعنوية.

ويضم التنظيم هيئة شرعية يرأسها "الشيخ أبو حمزة البغدادي"، تقوم بإجراء الدراسات والأبحاث اللازمة للجماعة، وتقوم بالرد على كل الشبهات الشرعية التي يرى التنظيم أنها تؤثر على نشر معتقداته وأفكاره وممارساته، وأصدرت مؤخرا مجلة خاصة بالتنظيم، اسمها "ذروة السنام"، ووظيفتها دراسة الأحكام الشرعية المتعلقة بالمسائل والقضايا التي تخدم معتقدات وأفكار التنظيم، وتقوم بالرد على الادعاءات والفتاوى التي تمس الجهاد والمقاومة، وتغطي بعض أخبار الجهاد من ناحية الجبهات القتالية، وقد أسس هذه الهيئة أبو أنس الشامي، ولم يتم الإعلان بعد مقتله عن خليفة له في منصب رئيس الهيئة والمسئول الشرعي، لأسباب أمنية للحفاظ على حياته، وينبثق عن هذه الهيئة الشرعية، محكمة خاصة —المحكمة الشرعية- تقوم بالنظر في الدعاوى المتعلقة بمسألة التجسس داخل التنظيم، وتصدر أحكاما على المختطفين والأسرى تصل إلى القتل في الغالب، وأحكامها قطعية وغير قابلة للاستئناف.

أما القسم الإعلامي للتنظيم فيتولى رئاسته أبو ميسرة العراقي، ويقوم بإصدار البيانات والنشرات والأشرطة المرئية والمسموعة، وقد لوحظ تطورا كبيرا على عمل هذا القسم حيث قام بإعداد مجموعة من الأشرطة تظهر قدرا من الاحترافية، ويتولى القسم الجانب الدعائي للتنظيم، ويعتبر مهما في تجنيد واستقطاب أعضاء جدد في صفوف الجماعة، وأهم الوسائل التي يستخدمها في نشر كل ما يصدر عنه، شبكة الانترنت التي يظهر التنظيم أيضا احترافية عالية في استخدامها من حيث صعوبة تتبع عناوين المشرفين على مواقعها، وصعوبة تتبع مستخدميها، وابتكار أساليب جديدة متطورة باستمرار لتخطي مسألة الحجب والرصد، ويولي التنظيم أهمية كبيرة في عملية تدريب منتسبيه وأعضائه والمتعاطفين معه على كيفية استخدام الشبكة الالكترونية، وتعتبر مواقع التنظيمات الجهادية جميعا من أهم الوسائل بالتعريف بالتنظيمات وأنشطتها، وإصداراتها المختلفة السياسية والعسكرية والشرعية.

ويضم بالتنظيم لجنة مالية تقوم بجمع الأموال اللازمة لتمويل الأنشطة المختلفة، وهي تعتمد على شبكة من الناشطين المتخصصين في مجال جمع التبرعات من خلال التجار والمساجد، والمنتشرين في جميع أنحاء العالم، وساهم مفهوم الزكاة والصدقات في الإسلام في سهولة تحصيل الأموال، باعتباره أحد أركان الإسلام، وكذلك لأن من يدفع المال فكأنما قاتل بنفسه، وبما أن تنظيم قاعدة الجهاد يتولى هذا الركن فإنه يسهل جمع الأموال على هذا الأساس، ولا يقتصر هذا النشاط على العراق، بل هناك شبكة من الأنصار في مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي، فعلى سبيل المثال يوجد في الأردن ثلاث قضايا منظورة لدى محكمة أمن الدولة لمجموعات كانت تقوم بجمع الأموال لصالح الزرقاوي، وقد كان هذا الأخير يمسك بقبضة من حديد على الأموال في مرحلة مبكرة، وكان الحصول عليها أثناء الفوضى أمرا يسيرا وبوسائل مختلفة.

ومن الجدير بالذكر أن المسألة المالية لا تشكل عبئا كبيرا على تنظيم قاعدة الجهاد في العراق، فالطبيعة العقائدية الأيديولوجية الاستشهادية، ومفهوم الجهاد الذي يعني بذل النفس والجهد والمال، تجعل من العضو يعمل على تجهيز نفسه بنفسه في الغالب، والمقاتلون لا يعيشون في حياة ترف وبذخ، بل يعيشون حياة تقشف وزهد كبير، ومعظمهم يمضون أيامهم صائمين ويكتفون بالقليل من الطعام والشراب واللباس والمال، ويعيشون في أماكن لا يتوفر فيها إلا الحد الأدنى من متطلبات الحياة، ومعظمهم يتركون أولادهم وأهاليهم متوكلين على الله في حفظهم وتوليهم، وهم يغادرون بلادهم كما ذكر الكثيرون منهم، طلبا لمرضاة الله عز وجل، ولأن الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة في حال تعرض أي بلد أسلامي لاحتلال كما حصل في أفغانستان والعراق، ونادرا ما تجد في خطاب الجماعات الجهادية من بيانات ونشرات ما يحرض على جمع الأموال وخاصة الخطاب الرسمي للجماعة، لأنهم يتجنبون الوقوع في شبهة أن قتالهم من أجل مطمع دنيوي، بل يركزون على أن ما يقومون به من تضحية بالنفس والمال، وقتال وتشرد وتعذيب في السجون، إنما هو لإقامة دين الله في الأرض .

وتعتبر الغنائم من المال والعتاد والسلاح والآليات وغير ذلك، من الموارد الهامة في استمرار المقاومة.

ويمكن القول إن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، يتمتع باستقلالية شبه تامة، عن القاعدة بزعامة بن لادن والظواهري، ويعتمدان على الدعم المعنوي المتبادل بسبب الاشتراك في الهدف والإستراتيجية، وتتم الاتصالات بين الطرفين بواسطة الرسائل المشفرة في شبكة الانترنت، أو بواسطة الرسائل المنقولة شفهيا بواسطة رسل متخصصين أعدوا لمثل هذه المهمات، وكل رسول يسلم الرسالة إلى نقطة معينة ومحددة له دون معرفة التفاصيل، ويستلم الرسالة من شخص لا يعرفه ابتداء، وطريقة التعارف تتم عبر وسائل متفق عليها وإشارات ورموز ودلالات للأماكن والأشخاص والأوقات، وهكذا دواليك حتى تصل الرسالة إلى مقصدها الأخير، وتستخدم هذه الطريقة في الأمور الهامة والكبرى لطلب الرأي والمشورة والتنسيق.

* التجنيد: الأدوات والوسائل

تشكل الظروف السياسية والاقتصادية عاملا مهما في عملية تجنيد الأعضاء في تنظيم قاعدة الجهاد، فالسياسات العدائية للولايات المتحدة، واحتلالها للعراق وغزوها لأفغانستان، ودعمها لإسرائيل، وللأنظمة الاستبدادية في العالم العربي والإسلامي، ونهبها لخيرات البلاد العربية والإسلامية، كلها تغذي صناعة الكراهية والعداء تجاه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، إضافة إلى الموقف السلبي من قبل الأنظمة العربية في الدفاع عن شعوبها وقضاياهم، ومن هنا فإن الحجر الأساس في خطاب تنظيم القاعدة والحركات السلفية الجهادية، يستند إلى وجود حرب صليبية صهيونية على العالم الإسلامي، يعمل على قطع الطريق على الإسلاميين من الوصول إلى السلطة، وقيام دولة إسلامية، وأن الولايات المتحدة تتعمد إذلال المسلمين، وتعمل على القضاء على أي مشروع للنهضة، وتسعى إلى نهب ثروات العالم الإسلامي.

وتساعد الظروف الاقتصادية والاجتماعية كالفقر والبطالة والجهل، على توفير بيئة مثالية لتجنيد الأعضاء في كل مجتمع عربي وإسلامي، الذي يشكل فيه الشباب النسبة الأكبر من عدد السكان، كما أن سؤال الهوية في إطار النظم القومية والاشتراكية والديمقراطية الفاشلة في الدول العربية والإسلامية، وضغوطات العولمة والحداثة، جعلت قطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية تندفع نحو الالتزام الديني، بحيث أصبحت الظاهرة الإسلامية تولد تدينا نشطا وحركات جهادية سلفية غاضبة، كما أن بنى القرابة التي تستند إلى العشائرية والقبلية وفرت مناخا خصبا لتجنيد الأعضاء لتنظيم القاعدة في العراق.

ملاحظة:

المقال جزء من دراسة هامة تحمل عنوان "إستراتيجية القاعدة في العراق: النشوء والارتقاء".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

moslem

جزاكم الله خيرا

هذه المعلومات عن تنظيم القاعدة ممتازة جدا واول مرة اعرفها ولكن هل يمكن الحصول علي هذه الدراسة بالكامل وكيف

وهل يمكن عرض اهم الاراء والفتاوي التي تمس هذا التنظيم وحكم اعماله واستراجياته من الناحية الشرعية
اقصد رأي العلماء الراسخين