إستراتيجية 'الحرب على الإرهاب' وديمومة 'الجهاد' 1/2

2006-2-10 | إستراتيجية 'الحرب على الإرهاب' وديمومة 'الجهاد' 1/2

شكلت هجمات 11 أيلول 1 على برجي التجارة العالمية في نيويورك والبنتاغون في واشنطن وما أعقبه من احتلال لأفغانستان والعراق منعطفا حاسماً في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة .

حيث برز في هذا السياق مفهوم "الحرب على الإرهاب" من جهة و"مفهوم الجهاد" من جهة أخرى، وقد تزعمت الولايات المتحدة الأمريكية قيادة تحالف دولي واسع ضد تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن باعتباره مسئولا عن هجمات 11\\ 9 وإمارة طالبان الإسلامية بزعامة الملا محمد عمر بحجة توفير الملاذ الآمن للقاعدة، ومن خلال متابعة الأحداث ظهر جليا أن الولايات المتحدة الأمريكية نجحت في تدويل حربها على الإرهاب وهو ما يكافئ "الإسلام الجهادي"، وفي المقابل فإن تنظيم القاعدة نجح في عولمة" الجهاد".

* السلفية:

لا جدال بأن السلفية تعني الرجوع إلى الوحيين "الكتاب والسنة" من خلال فهم السلف الصالح المتمثل في الصحابة ومن تبعهم من سلف الأمة، وهذا الفهم بجانبيه النظري والعملي يؤسس لرؤية شاملة لشتى مناحي الحياة المختلفة عقديا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا، ليشكل نظرية ومنهجا حركيا شموليا للتغيير.

وقد استقر رأي الفقهاء منذ زمن بعيد أن حركة التغيير الإسلامي لها ثلاث مراتب في الأعمال الشرعية وهي الدعوة والاحتساب والجهاد، وقد انعكس هذا الفهم والتأصيل الفقهي على رؤية الحركات والجماعات الإسلامية المعاصرة، حيث تبنت بعض الجماعات مفهوم الدعوة ووضعته على رأس أولويتها كما هو شأن جماعة "التبليغ والدعوة" وغيرها من الجماعات والجمعيات المنتشرة في العالم الإسلامي، وتضع هذه الجماعات مسألة "الدعوة" على رأس أولويتها ولا تتدخل في مجال الاحتساب وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تنشغل بالجهاد، فمنهجها التغييري يقتصر على تصحيح الاعتقاد وتزكية النفس، ولا تنشغل بالسياسة، وتتبنى منهجا مسالما في التعامل مع الأنظمة السياسية المختلفة.

وقد تعاطت جماعات وحركات إسلامية أخرى مع مفهوم الاحتساب ووضعته على رأس أولياتها في العمل والتغيير، ومن أبرزها "الإخوان المسلمون" التي تبنت منهجا إصلاحيا سلميا متدرجا في التعامل مع الأنظمة السياسية، حيث مارست العمل السياسي وشاركت من خلال الدخول إلى البرلمان في أكثر من مكان، ودخلت في تشكيلة بعض الحكومات في العالم العربي والإسلامي.

أما بالنسبة لمفهوم الجهاد، فقد شكل أحد أهم محاور الاستقطاب في الربع الأخير من القرن العشرين بحيث ظهرت عشرات الحركات والجماعات التي تبنت الجهاد سبيلا وحيدا للتغيير الشامل، وكان الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفيتي عام 1979، قد ساهم في إعطاء الجهاد دفعة قوية وأغرى عددا كبيرا من الجماعات في العالم العربي والإسلامي على استنساخ التجربة الأفغانية في بلدانهم، وشهد عقد التسعينات من القرن المنصرم ظهور عدد كبير من الحركات والجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر، وليبيا، واليمن، والسعودية، ومصر، والمغرب، والأردن، وكذلك في الشيشان، وداغستان والبوسنة، وطاجيكستان، وكشمير، والفلبين وغيرها من الدول، فضلا عن الشبكات والمجموعات التي تشكلت في أوروبا وأفريقيا.

ومن المعلوم بأن هذه الحركات الجهادية تتبنى اتجاها سلفيا واضحا يرتكز على تراث الإصلاحية الإسلامية، والسلفية كمدرسة فكرية تتميز بالاختلاف والتنوع ويمكن تقسيم التيارات السلفية إلى ثلاث مدارس رئيسية وهي:

المدرسة السلفية التقليدية – الرسمية – وهي التي تؤمن بنشر الدين من خلال الاهتمام بالجانب العلمي والتركيز على التربية والتصفية بتجريد التوحيد ومحاربة البدع، وهذه السلفية لا تتصارع على السلطة بل شرعيتها مستمدة من شرعية النظام الحاكم وموالاة ولي الأمر.

أما المدرسة الثانية فهي المدرسة السلفية الإصلاحية، والتي تؤمن بالتغيير والإصلاح من دون استخدام العنف والقوة في التغيير، وإنما من خلال نشر المبادئ القويمة للدين ومحاربة الفساد ومحاسبة الأنظمة، بالإضافة إلى أنها تشترك مع السلفية العلمية التقليدية في تجريد التوحيد ومحاربة البدع، وتراوح ما بين شرعية الأنظمة والمشاركة السياسية معها بحسب الظروف والإمكانات المتاحة.

أما المدرسة السلفية الأخيرة، فهي المدرسة السلفية الجهادية، وهي تختلف عن المدارس السلفية الأخرى ليس في المبادئ الدينية النظرية، وإنما في الجانب العملي التطبيقي، وفي إشكالية شرعية الأنظمة الحاكمة.

وفي مقالنا هذا سنركز الحديث على المدرسة الأخيرة من المدارس السلفية، وهي المدرسة السلفية الجهادية وقد تزعم هذه المدرسة أخيرا تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، وسوف نبحث جملة المفاهيم والمرتكزات الفكرية لهذا التيار الذي أصبح يؤثر على الأمن والسلام والاستقرار ليس على منطقتنا فحسب، بل على العالم أجمع.

* المرتكزات الفكرية للسلفية الجهادية:

والقاعدة مدرسة فكرية إسلامية تنتمي إلى أيديولوجيا السلفية الجهادية المجددة، التي تستند إلى مرجعيات تراثية تاريخية كالإمام أحمد بن حنبل أحد الأئمة الأربعة، والمجدد شيخ الإسلام بن تيمية في القرن الثالث عشر الميلادي؛ والذي يُعد الأب الروحي للحركات السلفية الجهادية المعاصرة، ومحمد بن عبدالوهاب مؤسس الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر الميلادي، ويعتبر سيّد قطب الأب الحقيقي للسلفية الجهادية المعاصرة، وكذلك يعتبر أبو محمّد المقدِسي وأبو قَتادة الفلسطيني من أبرز منظري هذا التيار.

وتستند السلفية الجهادية المعاصرة في خطابها إلى جملة من المفاهيم والمقولات أهمها:

التوحيد؛ بالمعنى الشمولي ويعني في شقه السياسي والاجتماعي وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية وإقامة دولة الخلافة، باعتبار أن الدول العربية والإسلامية المعاصرة تخضع لحكم "الطاغوت" و"الجاهلية"، ولا يعترف أنصار السلفية الجهادية بشرعية الأنظمة السياسية الحالية، ولا تقر بالدساتير الوضعية، وبنظم الديمقراطية، والشيوعية والاشتراكية، والقومية، وترفض العمل الحزبي التعددي، وتضع الجهاد سبيلا وحيدا للإطاحة بالنظم السياسية المعاصرة، باعتبارها سلبت حق التشريع والحكم عن طريق البرلمانات وتطلق أحكاما بكفر كل من قبل بالأنظمة السياسية المعاصرة، أو شارك بها بشكل مباشر كالانخراط في الجيش أو البرلمانات أو القضاء، أو شارك بشكل غير مباشر كالتحاكم وممارسة الانتخاب، كل ذلك يقع تحت مفهوم "الولاء والبراء" الذي ينص على موالاة المؤمنين ونصرتهم، والتبرؤ من الكافرين ومعاداتهم وقتالهم مستندين في تأويلهم هذا لقول الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء من دون الله ؛ بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم".

* التأصيل للعمليات الاستشهادية وإستراتيجية القتال:

وإذا كانت السلفية الجهادية هي الإطار الجامع بين الزرقاوي وبن لادن، فإن تطبيقات المفاهيم المؤسسة على الواقع شكل جوهر الخلاف بينهما، فبينما كان الزرقاوي يرى كفر الأنظمة العربية دون تمييز، كان بن لادن يستثني بعض البلدان في المراحل المبكرة، خاصة المملكة العربية السعودية، وفي الوقت الذي بايع بن لادن الملا محمد عمر ونظام طالبان، كان الزرقاوي متشددا بخصوص البيعة، لدخول نظام طالبان منظمة الأمم المتحدة، ولعل إستراتيجية العمل كان لها أكبر الأثر في الخلاف، ففي الوقت الذي طور فيه بن لادن والظواهري إستراتيجيته من قتال العدو القريب الذي يتمثل في أنظمة الحكم العربية، إلى قتال العدو البعيد المتمثل في اليهود والصليبيين بزعامة الولايات المتحدة، كان الزرقاوي متمسكا بوجوب قتال العدو الأقرب.

وتعتمد القاعدة على إستراتيجية الاستنزاف وتكتيكات العنف والرعب في جهادها ضد أعدائها، من خلال استهداف أهداف حسّاسة وحيوية ذات تأثير كبير على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي وضربها بقوة لإحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية والمعنوية، ولأنها غير قادرة على مواجهة جيوش نظامية وجها لوجه, لعدم امتلاكها نفس العدة والعتاد التي تمتلكها تلك الجيوش، فإن القاعدة تعتمد على أسلوب العمليات الانتحارية "الاستشهادية" في إستراتيجية حرب العصابات المستخدمة ضد أعدائها، وذكر الزرقاوي ذلك بوضوح في رسالته التي حملت عنوان وعاد أحفاد بن العلقمي: "فكان لا بد من تكثيف عملياتنا الاستشهادية لخلخلة توازن العدو، وهذه العمليات هي سلاحنا الفتّاك الذي يثخن في العدو الجراح، وتنخلع به قلوب أفراده أو تعظم فيه النكاية، هذا مع سهولته علينا وقلة الخسائر بالنسبة لنا".

وتعتبر مسألة العمليات الاستشهادية (الانتحارية) من أكثر المسائل المثارة في العالم الإسلامي في الوقت الراهن، وهناك جدل وخلاف حول مشروعيتها، ولا يوجد إجماع بشأنها، وقد استغرق القول بجوازها وقتا طويلا من قبل الحركات الجهادية والسلفية في العالم العربي والإسلامي، وكانت معظم هذه الحركات لا تجيزها، وتعتبر حركتي حماس والجهاد الإسلامي من أوائل من استخدم هذه الطريقة ضد الإسرائيليين وتبنى تنظيم القاعدة جوازها في حدود سنة 1998، مع الإعلان عن قيام "الجبهة الإسلامية العالمية"، مع وجود تصرفات فردية كما حدث في تفجيرات الخبر والرياض قبل هذا التاريخ، وفتحت عملية تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998 الباب واسعا للقيام بهذه العمليات، واستقر أمر الحركات السلفية الجهادية على جوازها وبقي الزرقاوي متحفظا ولا يجيزها حتى عام 1999، عندما التقى أبو عبد الله المهاجر وأقنعه بها، وقد صدرت عشرات الدراسات والأبحاث من لدن هذه الجماعات لبيان جوازها وشرعيتها وأن من يقوم بها هو شهيد في سبيل الله، يتحصل أعلى المراتب والدرجات في الجنة.

وظهرت إشكالية أخرى هامة متعلقة بآثار تلك العمليات في حال وجود مدنيين من المسلمين الآمنين في الأماكن المستهدفة، والذين يقتلون بسبب مثل تلك العمليات –رحمهم الله– وتسمى هذه المسألة في فقه الجماعات السلفية الجهادية مسألة التترس، والتي تجيز قتل من تواجد من المسلمين في الأماكن المستهدفة وأن أجر هؤلاء يقع على الله ويبعثون على نياتهم، وأنه في حالة حصول مثل هذه الأخطاء فإنها لا تعتبر مخالفة شرعية بل مخالفة ميدانية تزداد إمكانية وقوعها في حالة الحرب، وإنها لا تدخل في باب عصمة دماء المسلمين.

ومن هذه الإشكالية في قتل معصومي الدماء من المسلمين: على عاتق من تقع دفع ديتهم؟ وما هو التأصيل الشرعي الذي دفع بهؤلاء للقيام بمثل هذه الأعمال، وأظن أنها تحتاج إلى وقفة جادة غيورة من قبل العلماء الراسخين الورعين للوقوف على الأسباب والذرائع والدوافع التي دفعت بهذه التنظيمات والجماعات إلى الخروج عما هو مألوف في قتالهم واختيار أهدافهم.

ولا بد من وقفات ومراجعات من كافة أطياف المجتمع وتحديدا العلماء وطلبة العلم الشرعي، وغيرهم من المفكرين والباحثين والساسة وأصحاب القرار، ودراسة الأسباب والدوافع الحقيقية لمثل هذه التصرفات والأفعال، للخروج بحل يجنب الأمة فتنة، إذا اشتعلت نارها لا يطفئها اجتماع العقلاء ويذهب ضحيتها الأبرياء, وأن لا ترتكز المعالجة على الجانب الأمني فقط، بل لا بد من مراجعة شاملة لأهم الموضوعات المتعلقة بهذا الصراع وأعتقد أن أهم محاوره، شرعية الأنظمة، وإشكالية الفتوى ومن له الحق بالفتوى، ومحور الإصلاح والتغيير من قبل كافة الأطراف، والابتعاد عن حالة الإقصاء والتهميش التي ينتهجها الجميع.

وتعتبر التفجيرات الخطيرة التي شهدتها العاصمة الأردنية عمان مؤخرا في 9\\11، مؤشرا أكيدا على خطورة المرحلة المقبلة في التعامل مع الأحداث من قبل كافة أطراف الصراع في المنطقة إقليميا ودوليا، من هنا كان لا بد لنا من إلقاء مزيد من الضوء على هذا التنظيم الذي بدأ صغيرا، وأصبح أكثر التنظيمات الفاعلة ليس على الساحة العراقية فحسب بل على كل المنطقة. يتبع.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

لمين

السلفية كتاب و سنة على فهم سلف الامة اصولها العلم العمل الدعوة و الصبر على الاذى
اما عن الجهادية اللتي تحكي عنها فهي لا اساس لها انما هي خارجية عصرية