تداعيات أزمة الرسوم المسيئة: حكومات تنزل إلى الشارع

2006-2-6 | تداعيات أزمة الرسوم المسيئة: حكومات تنزل إلى الشارع

من المؤكد أن الرسام الدنماركي الذي أقدم على "التمثيل" بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وهو التوصيف السليم لما قام به، والإساءة إلى جميع المسلمين من خلال هذا التمثيل، لم يكن يدرك أبعاد فعلته هذه التي أدت إلى يقظة مشهودة في جسد أمة الإسلام من أقصاها إلى أقصاها، وإذا كانت هذه اليقظة والصحوة سابقا تقتصر على الشعوب، فإنها انتقلت فيما يشبه العدوى إلى الحكومات، بل إن هذه الأخيرة استأثرت في بعض البلدان الإسلامية بشرف الدفاع عن كرامة مقدسات المسلمين ورمز عزتهم .

"رب ضارة نافعة" حكمة عربية قديمة تجسدت بشكل صارخ هذه الأيام من خلال إقدام الصحف الأوربية على نشر رسومات كاريكاتورية مسيئة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، مع أن الأمر لا يتعلق بمجرد رسومات القصد منها معالجة موقف ما أو تبليغ رأي سياسي معين، حتى ولو كان هذا الرأي خاطئا برأينا، وإنما يتعلق الأمر بنية واضحة ومبيتة للاستفزاز، الدافع الأساسي وراءها الذل والهوان الذي وصل إليه المسلمون، فما عادوا يخيفون غيرهم ولا يقام لهم اعتبار، وقد فهمت السلطة السياسية والشعوب في العالم الإسلامي هذه النية الخبيثة، فهبت الأمة هبة واحدة لتبين لهؤلاء المستهزئين "العين الحمراء".

وتأكد للجميع أن هذه الأمة ليس ميئوسا منها كما يتوهم أبناؤها قبل أعداءها، وأنها تحتاج فقط لمن يحرك فيها نخوة الوجود والتميز، وأنها قادرة على فرض وجودها بما يمكن أن نسميها "القوة السلمية"، وتجلى ذلك من خلال التجربة الرائعة للمقاطعة الاقتصادية التي فرضتها الشعوب ولم تقف في وجهها الحكومات، للسلع الدنماركية باعتبارها البلد الذي بادرت صحيفة به إلى الإساءة والتمثيل بالنبي عليه الصلاة والسلام، وكما يقال فالبادئ أظلم.

هذه الحالة الفريدة من نوعها التي تعيشها الأمة الإسلامية، تستدعي من دون شك التوقف عندها بشكل معمق، فإذا كانت مناهضة الغرب أو أي دولة قوية أخرى في السابق كفيلة بأن تعرض صاحبها إلى الزج به في السجن، أو في أقل الأحوال الإقصاء والتهميش، وإظهار الولاء لله ولرسوله يجعل صاحبه من أهل المغضوب عليهم، ويدرجه في خانة المتآمرين على النظام العمومي والمهددين للأمن والاستقرار, فإن تعامل الحكومات مع الرسوم الكاريكاتورية فاق في بعض صوره حماس الشعوب والغيورين من المؤسسات والجماعات.

فالاحتجاج باستدعاء السفراء، كما فعلت الكثير من الدول الإسلامية ومن بينها السعودية وسوريا، وسحب السفراء وإغلاق الممثليات الدبلوماسية مثلما فعلت ليبيا، وفسخ العقود الاقتصادية مع الشركات الدنماركية، مثلما فعلت إيران والعراق وإمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أقصى أشكال الاحتجاج السياسي التي جعلت الشعوب تشعر بالكبرياء والإعجاب، وبأن حكوماتها يمكن أن تقول لا في وجه الأقوياء.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر