تبادل أدوار حماس وفتح… بين المعارضة والسلطة

2006-1-30 | وسام عفيفة تبادل أدوار حماس وفتح… بين المعارضة والسلطة

لا زالت توابع فوز حماس الكبير تتوالى، ولدراسة ملابسات هذه الظاهرة الفريدة في تاريخ الشعب الفلسطيني، نحتاج إلى متابعة واستشراف المستقبل على ضوء الخارطة السياسية الجديدة.

فبعد أيام قليلة يكلف الرئيس محمود عباس (أبو مازن) حركة حماس، بوصفها الكتلة الأكبر تحت قبة البرلمان، بتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة. بعد ذلك مباشرة، ستجد حماس نفسها أمام استحقاقات ميدانية سياسية، لم يسبق لها أن تعاطت معها، ويأتي ذلك في ظل إعلان "فتح" عدم مشاركتها في الحكومة القادمة، والتي ستشكلها حماس، وبذلك تكون "فتح" قد استبقت الأمور وقطعت الطريق أمام حماس، لإقامة حكومة الشراكة. وبحسب المعطيات الأولية فإنه على الأغلب، ستحاول حماس، تشكيل حكومة تكنوقراط، تتعاطى مع الملفات المدنية دون السياسية.

من جهة أخرى، ستجد مؤسسة الرئاسة، ومعظمها من "فتح" محكومة بعوامل متشابكة ومعقدة، من شأنها محاولة التكامل مع مؤسسة رئاسة الوزراء رغماً عن اختلاف الرؤى والتوجهات السياسية.

الرئيس تم انتخابه ديمقراطياً وبنسبة 62% وفق برنامج تم تذكير حماس والشعب الفلسطيني بأبرز نقاطه فور الإعلان عن نتائج الانتخابات.. وهنالك مؤسسات الأمن والخارجية، وهي مؤسسات تابعة لمؤسسة الرئاسة... وإلى جانب هذا وذاك توجد لوائح تحدد العلاقة بين المؤسستين: الرئاسة ورئاسة الوزراء. صحيح أن الرئيس يتمكن من إقالة الوزارة وتكليف أي شخص لتشكيل الوزارة، لكن ممارسة هذا الحق من شأنها دفع الأمور تجاه أزمات داخلية لا تحمد عقباها...

* لماذا اختاروا حماس

في هذه الأثناء، لا يزال السؤال لماذا اختار الناس حماس، يتردد لأن المستقبل أيضا قائم على إجابات هذا السؤال… فهناك إلى جانب رزمة الأسباب المتعلقة بما سُمي "العقاب"، حيث إن المواطنين، أو غالبيتهم على الأقل، "عاقبوا" السلطة ممثلة بفتح، بسبب الفساد المالي والإداري، والفلتان الأمني، والفوضى، على أمل أن تتمكن حماس من "ضبط الأمور" ومعالجة هذا السبب بكل أشكاله وأبعاده، وما ظهر منه وما خفي، على أسس من الوضوح والشفافية والنزاهة والحسم.

وهناك نقطة أُخرى بارزة في السياق، تتعلق بالموقف من (إسرائيل) والولايات المتحدة، فقد سدت إسرائيل والولايات المتحدة كل الطرق أمام العملية السياسية، حيث لم تنجح السلطة (والمقصود بها فتح) في اختراق هذا السد الاحتلالي الاستيطاني، وبقيت تراوح في مكانها المضطرب والمختنق، إن لم تأخذ وفق هذه النقطة، في التخبط والتراجع سنة بعد أُخرى، وقد رأى المواطنون أن لا بد بالمقابل، من توفير الفرصة الكاملة أمام حماس، لعلها تكون قادرة على تحقيق هذا الاختراق.

ونقطة ثالثة تختص بفتح نفسها، كانت فتح ممزقة ومنهكة ونازفة الجراح، وهي تخوض الانتخابات بعد تلكؤ وتردد، ما اقنع الناخبين العاديين (بمن فيهم بعض أعضاء فتح)، أن هذا الفصيل التاريخي الكبير الذي شكل العمود الفقري للوطنية الفلسطينية على مدار أربعين عاماً، لم يعد مؤهلاً للاستمرار في تحمل مسؤولية حماية وقيادة المشروع الوطني. وأن حماس التي دخلت الانتخابات بتماسك وثقة، هي الأقدر الآن، على تسلم الراية ومواصلة الطريق الطويل.

ونقطة رابعة ذات علاقة بفتح أيضا، هي غياب أبو عمار. فمنذ رحيل "المؤسس، الأب، الرمز" عن فتح، وعن الشعب كله، أصبح المكان جاهزاً للبديل. ولا بديل في معنى هذه النقطة، سوى حماس.

* من المعارضة إلى السلطة:

حركة حماس، التي قبلت الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع المشاركة بالسلطة بدخولها معركة الانتخابات للمجلس التشريعي، والتي فوجئت لا بفوزها بل بحجمه، كما أشار السيد خالد مشعل قد غدت وجهاً لوجه أمام أسئلة الواقع الصعبة، لكن هذه المرة لا بصفتها "شريكا مضاربا"، بل بصفتها الحائز على أغلبية عضوية المجلس التشريعي،

والمطلوب منها تشكيل الحكومة كجهاز تنفيذي للسلطة، مكون من الطيف السياسي الفلسطيني، والتصدي للإجابة عما سلف وغيره من أسئلة الواقع الصعبة فلسطينياً، وذات الارتباط مع ما هو إقليمي وقومي ودولي من سياسة واقتصاد.

حماس التي استحوذت على 47 مقعداً في التشريعي، مقابل 54 لفتح، من أصل 132 مقعداً، تنتقل من مرحلة إدارة النضال إلى رحلة إدارة المؤسسات، لأسباب لها علاقة بعذرية الحركة ونضوج دورها المؤسسي والتنظيمي أمام المواطن، ولأسباب لها علاقة أيضاً بأن حماس التي استطاعت التقاط راية المقاومة والنضال بعد أوسلو، برهنت بأنها قادرة على استثمار وحشد إدارة المقاومة لخدمة إدارة السياسة، بمعنى أن التعبئة "المقاومية" في حماس، جعلت من الوصول إلى السلطة بهذا الزخم النضالي أمراً ممكناً، وهو الأمر الآخر الذي استثمرته حماس بالاستفادة من أخطاء وخطايا السلطة وحركة فتح.

* بين "حرد" فتح ومشاركة حماس

"فتح" أعلنت الموقف الرافض لمشاركة "حماس" في حكومة ائتلافية، كرد فعل آني لنتائج الانتخابات. لكن استمرار هذا الموقف يؤشر إلى عدم استخلاص عِبَر سياسية من المسار السياسي خلال العقد الماضي ومنذ إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994.

وعلى "فتح" الخروج من حالة "الحَرَد"، والتحرر من الموقف الحالي لبعض الوجوه البارزة في "فتح"، الذي يشوبه قدرٌ من الشماتة تجاه فوز "حماس": "تفضلوا لنرى ما يمكن أن تفعلوا".

فالمصلحة الوطنية تقتضي الخروج من هذه الحالة، حالة ترقب فشل "حماس"، أو على الأقل عدم نجاحها في المسار السياسي بقدر أكبر من النجاح، أو عدمه. فما الذي تحقق حتى الآن؟ يتصرف البعض في "فتح" حالياً، من منطلق إن "حماس" بحاجة لـ"إنقاذ" من ورطة فوزها، وأنها بحاجة لغطاء من الشرعية تقدمه "فتح"، على الأقل إقليمياً ودولياً، إن لم يكن داخلياً.

* فتح في المعارضة وحماس في السلطة

قد يرى البعض أن حركة حماس، في مأزق لحسم السلطة، وهذا صحيح نسبياً، لكن انتقال حركة فتح إلى المعارضة، هو المأزق الحقيقي لها، فهي لم تتعود أن تكون رقم "2"، لا في السلطة ولا في الحكومة، ولا حتى في النقابات والاتحادات الشعبية، وبنفس القدر، إن لم يكن أكثر، فهي لم تخض ولا لأي مرة، تجربة المعارضة التي يفترض أن تقودها في المرحلة المقبلة، وإلى أن تتعلم ذلك، عليها أولا وقبل كل شيء إعمال يد "الهدم" ثم البناء، لإعادة صياغة قدراتها التنظيمية على أسس صحيحة بعدها، من خلال إقالة اللجنة المركزية، وتشكيل لجنة طوارئ، تتشكل من نخبة من أعضاء حركة فتح في المجلس التشريعي الجديد، وعلى أساس أعلى الأصوات، تعد لمؤتمر الحركة المقبل الذي يجب أن يعد له جيداً على أن يعقد في أقرب وقت ممكن.

في أقل من ثمان وأربعين ساعة انتقل النظام السياسي الفلسطيني من هيمنة فتح المطلقة إلى هيمنة حماس المطلقة، عبر تبديل حزب مهيمن بحزب مهيمن آخر، كل منهما على طرفي نقيض في الخارطة السياسية الفلسطينية وتأثيراتها على المواطن الذي ستعصف به رياح التغيير.

وعلى حركة حماس أن تعي الآن أنها المسؤولة الوحيدة عن كل خطوة تخطوها، وبالتالي تتحمل تبعاتها المحلية والإقليمية والدولية، ولن تجد القبول لتبريراتها عند أي خطأ ترتكبه، فاحتمال الخطأ ونسبته ستكون عالية عند غياب الخبرة والتجربة، بينما درجة التجاوب دولياً وإسرائيلياً ستكون شبه معدومة.

حين رفضت حركة فتح عرض حماس مشاركتها في تحمل مخاطر الحكم القادم لمعرفة فتح بحجم أعبائه وطبيعة مردوده وآثاره المدمرة في حال أصرت حماس على مواقفها السياسية المعلنة، ورفضت بتعنت ضرورة التأقلم مع الواقع الجديد وتفهم استحقاقاته، لم يعد أمام حماس إلاّ الإبداع في الرؤية السياسية وإظهار أقصى درجات المرونة والحنكة من جانب والحفاظ على الثوابت التي أعلنتها من جانب آخر، لتجنب السقوط السريع في الاختبارات المفروضة عليها منذ اللحظة الأولى لصدور نتائج الانتخابات، وبالتالي إصدار الحكم المسبق عليها ليس فقط غربياً وإسرائيليا وإنما أيضاً فلسطينياً وخاصة عبر من جازف وصوت لها من أبناء شعبها من خارج دائرتها الحزبية.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر