العودة إلى مشروع الوطن البديل!

2006-1-29 | محمد أبو رمان العودة إلى مشروع الوطن البديل!

حالة من الغموض والقلق تسيطر على قراءة المشهد السياسي الفلسطيني في المرحلة القادمة. أمس لم تزد تصريحات خالد مشعل إلا تعقيدا للاحتمالات المتوقعة؛ إذ أكد، مرة أخرى، على الجمع بين المشروع السياسي والمقاومة المسلحة، دون أن نتمكن من استيعاب تطبيق ذلك عمليا. في حين أكدت التصريحات الصادرة عن حركة فتح عدم المشاركة في الحكومة الفلسطينية القادمة، وترك حماس وحيدة أمام استحقاق خطير وكبير لا تبدو حماس مؤهلة لمواجهته وحدها، بأي حال من الأحوال، إما لظروف موضوعية داخلية وخارجية وإما لظروف تتعلق بالحركة ذاتها.

السيناريو الأفضل، الذي يدفع بالشعب الفلسطيني للأمام، هو قيام حكومة وحدة فلسطينية على قاعدة الشراكة الوطنية. وقد بدأت بعض التحليلات لمتداولة تطرح صيغة أقرب إلى الحكومة التكنوقراطية، تعتمد على الكفاءات المهنية، وتقف وراءها كل من حماس وفتح ومختلف القوى السياسية الفلسطينية، ويجري الحديث في هذا السياق عن عملية توزيع أدوار بين الجميع، وعن وحدة الموقف الوطني والسياسي الفلسطيني أمام العالم الخارجي وإسرائيل.

بالتأكيد إن نجاح الفلسطينيين بالاختبار الديمقراطي، يدفعنا جميعا لترجيح سيادة منطق العقل والمصلحة الوطنية لدى القوى الفلسطينية المختلفة بخاصة حماس وفتح. لكن في المقابل، لا يمكن أن نستبعد، تطور الأمور نحو السيناريو الأسوأ، وأثر ذلك على الداخل الفلسطيني وعلى المنطقة بأسرها.

في هذا السياق، فإن السيناريو الأسوأ يفترض تصلب كل من حماس وفتح في مواقفهما السياسية، وإصرار حماس على خطابها السياسي الحالي، ورفض فتح المشاركة في الحكومة، مع ظهور بوادر واضحة لازدواجية السلطة، بين الرئاسة والأجهزة الحكومية والأمنية التي تسيطر عليها فتح من ناحية، وبين الحكومة التي يفترض أن تسيطر عليها حماس من ناحية أخرى. بناء على ذلك فإن أحد المخرجات المتوقعة هو تطور الصدامات والمواجهات المسلحة بين الحركتين وانهيار الوضع الأمني والسياسي في آن معا، ومن ثم الاستسلام لعجز القوى الفلسطينية عن إدارة الوضع الداخلي.

في هذه الحالة، ستكون إسرائيل المستفيد الأكبر، وستسعى مباشرة إلى مخاطبة العالم بأن الفلسطينيين غير مؤهلين لقيام الدولة وإدارة شؤونهم الذاتية، وأن إسرائيل مضطرة، حماية للحدود الدنيا من أمنها، أن تمضي سريعا بخطة الفصل أحادي الجانب، وأن تقوم بضربات وقائية ضد القوى الفلسطينية التي يمكن أن تمثل خطرا عليها. وسيدفع الوضع الفلسطيني بالولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي إلى مطالبة الدول العربية القيام بدور أمني وسياسي في المناطق الفلسطينية، وهنا سيتم الحديث عن المهمة المصرية في غزة، والمهمة الأردنية في الضفة الغربية.

ربما يصدم هذا السيناريو البعض ويرونه متعسفا، وأتمنى ذلك؛ لكن ما يصدم أكثر أن هذا السيناريو يتبناه فريق من الخبراء والسياسيين الأميركيين والغربيين، المؤيدين لليمين الإسرائيلي والأميركي. وهو حل نموذجي للرؤية الشارونية الأحادية التي تسيطر على الوسط السياسي الإسرائيلي اليوم بمختلف أطيافه. ففي جلسة جمعتني وعددا من السياسيين والمثقفين الأردنيين مع الخبير الأميركي المعروف "روبرت ساتلوف" في عمان، قبل الانتخابات الفلسطينية بأيام معدودة، لم يغب السيناريو الأسوأ عن حديث ساتلوف، بل اعتبره السيناريو الأكثر احتمالا، وأكد على أهمية الدور الأردني في المرحلة القادمة.

وما يعنينا أن هذا السيناريو يعود بنا إلى هاجس الوطن البديل، أي حل المشكلة الديمغرافية الفلسطينية على حساب الأردن. فالدور الأردني في الضفة الغربية لا يمكن أن يقف، على المدى البعيد، عند مستوى مئات رجال الأمن الذين يضبطون الوضع الداخلي في الضفة، إذ لا يمكن التعامل مع ملايين الفلسطينيين ككتل بشرية بلا أية تطلعات وأمال ومصالح اقتصادية وسياسية، لكن الفرق، هنا، أن هذه التطلعات ستكون باتجاه الأردن، وهو ما ينسجم مع مشروع "الترانسفير الناعم" الذي دعا إليه بعض الإسرائيليين في الشهور الماضية.

على الصعيد الأردني، الموقف الرسمي واضح لا تأويل فيه، ويتمثل برفض الأردن القيام بأي دور أمني وسياسي في الضفة الغربية، وهو موقف ينبع من المصلحة الوطنية الأردنية أولا وأخيرا. فلا مصلحة إقليمية للأردن بالتورط في الشأن الداخلي الفلسطيني، كما أن هذا الدور يمثل خطرا على معادلة التوازنات الديمغرافية الأردنية، وهو ما قد ينقل التوتر والمشاكل إلى الداخل الأردني. لذلك لا بد من الآن دعوة الحكومة والقوى السياسية الأردنية بتثبيت هذا الموقف والإصرار عليه مهما كانت السيناريوهات على الجانب الفلسطيني. كما أنّ المصلحة الوطنية الأردنية تقتضي أيضا مسارعة الحكومة إلى إعادة فتح القنوات مع حركة حماس والقيام بدور وسيط، في الأيام القريبة القادمة، بينها وبين حركة فتح، ومنع تطور الأحداث باتجاه السيناريو الأسوأ.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر