نتائج الانتخابات وأزمة فتح

2006-1-29 | نتائج الانتخابات وأزمة فتح

يوم تاريخي مشهود انتصرت فيه فلسطين لحريتها وخيارها وشهدائها لتواصل فلسطين رحلتها الشاقة لإقامة الدولة المستقلة..وأفاق المجموع الفلسطيني على نتائج الفوز المستحق لحماس وتراجع كبير لفتح، ولعل تراجع فتح على مستوى الدوائر هو الأكبر، وهذا بحاجة إلى المزيد من الدراسة والتمحيص. ولكن فتح قبلت قرار الشعب الفلسطيني رغم محاولات البعض للعبث وإثارة الضجيج.

فتح تعاني من حالة انقسام غير طبيعية وغير مسبوقة، فالانشقاق الذي حدث في سنة 1983م لا يشبه الخلل الحالي لأنه في حينه انشقت جماعة عن فتح، ولكن ما يحدث الآن هو انقلاب داخل فتح وباسم فتح. نعم يتحدث البعض عن تدافع أجيال، وتحديداً بين الجيل الأول والجيل الثالث، فالجيل الأول هو الجيل المؤسس، والجيل الثالث هو الجيل الذي عاصر الانتفاضة الأولى ولا يشعرون بالرضا تجاه الطريقة التي تدار بها الأمور.

أزمة فتح الأولى تتمثل في هلامية التفكير، ففتح شكلت نفسها كجبهة رحلت الخلاف إلى ما بعد التحرير. ومن هنا كانت فتح في 1965م تجمع (قومي- ماركسي- إسلامي...الخ)، وتأجيل الخلاف بينهم إلى ما بعد التحرير أبقى بؤر التوتر الداخلي. علاوة على ذلك فتح وجدت نفسها في أزمة فارتهنت للبعد الدولي وقبلت أن تكون جزءا من المنظومة الدولية، هذا القبول ساعد في أن تكون ما بين التجاذبات، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وغياب العراق. فأصبحت قيادة منظمة التحرير في أزمة، فهي ملتزمة بالكامل للبعد الدولي الذي تديره الولايات المتحدة، فتحولت القضية إلى الحركة ووقعت في الضبابية ساعد ذلك كله في خروج جيل جديد يشكك في شرعية اللجنة المركزية لعدم إجراء انتخابات منذ عام 1989م و يتهمون أعضاء اللجنة المركزية بأن عندهم امتيازات علاوة على فشل اللجنة المركزية في تقديم برنامج واضح منذ العودة عام 1994م.

ويعتبر الجيل الثالث أن عدم إتاحة الفرصة أمامه لأن يأخذ دوره القيادي كارثة كبرى. ربما ذلك منع تبلور بناء تنظيمي وشجع الشرذمة والشللية وتدخلت الأجهزة الأمنية في القرار الداخلي. أما اللجنة المركزية فتتهم الجيل الجديد ومن ينتقدها بأنه يريد تمرير مخططات أمريكية، وأن هذه الاتهامات هي جزء من الحرب الصهيونية على القيادة التاريخية لحركة فتح. هذا كله جزء من تبادل الاتهامات والتي وصلت إلى تبادل اتهامات شخصية. وربما وفي النهاية الغالبية العظمى تلعب على المصلحة الذاتية والشخصية، فتبلورت "الشخصنة" عنصراً هاماً ومؤثراً في الصراع داخل فتح. ولكن إلى الآن لا الجيل الجديد حصل على شرعية اللجنة المركزية ولا الجيل القديم استطاع أن يفرض القرار على الجيل الجديد.

وللأسف أزمة فتح الداخلية مرشحة للانفجار بقوة بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعية ورغبة البعض في اعتماد فوز حماس أنه نهاية التاريخ ومصيبة المصائب ومبرراً أكيداً لتصفية الحسابات وفرض الهيمنة على الحركة. ولذلك فإن أحداث 27 يناير الأخيرة هي ثارات داخل فتح وليس رفضاً لنتائج الانتخابات. وأعتقد أن هذه الأزمة مرشحة للتصاعد لأن المجلس الثوري واللجنة المركزية فشلا في الحد من هذه الخلافات، ولأن هناك من ينفخ في نارها.

ولكن من الضروري كذلك ألا يتم ترحيل أزمة فتح الداخلية إلى الشارع الفلسطيني خاصة في هذه المرحلة الحساسة والتقدم بمبادرات لإنقاذ الوضع الداخلي. ومن الضروري أن تتعالى فتح على جراحها وأن تستجيب لنداء حماس بتشكيل حكومة وحدة وطنية لأن في ذلك تقديم للمصلحة العامة على المصلحة الحزبية الضيقة.

إن التحديات تحتم علينا جميعا التوجه فوراً إلى بناء كيان فلسطيني صلب، والي صياغة برنامج سياسي وطني جامع، والي حراك علي مستويين: منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية الفلسطينية. الأولى برفدها بعناصر الصدقية، من الأعضاء في اللجنة التنفيذية، وبآلية وخطط عمل، وبضم حماس بما يتناسب مع ثقلها الجماهيري، واستبعاد أو تقليص الفصائل عديمة الوزن السياسي والجماهيري في الشارع، عن مواقع الصدارة، مع بقائها في المجلس الوطني، والثانية بالاستجابة لنتائج الانتخابات بتشكيل وزاري يستمزج ألوان الطيف السياسي، ويحتكم إلى معايير موضوعية تخدم الشعب الفلسطيني، وتكون أقرب إلي الصيغة التي تنال احترام المجموع الفلسطيني.

لأن معركة التحرير الفلسطينية لم تنته بعد، فما زلنا في إحدى محطاتها وما زالت تتواصل على أكثر من صعيد وأسلوب، ولا مبرّر للتكهّن بأنها سوف تتوقّف قبل إنجاز الهدف الأعلى لأي حرب تحرير: الاستقلال الوطني. ودم الشهداء الفلسطينيين اليومي هو وحده الدليل على انفتاح معادلات هذه الحرب حتى الحدود القصوي. لذلك فإن فتح التي ذهبت إلى عرس الديمقراطية رغم جراحها الداخلية والتي شفاءها شفاءً للشعب وتقدماً له، قد تمنحها نتائج الانتخابات فرصة استئصال ما خبُث ورمه واستعصى شفاؤه ومداواة ما أمكن، فعافية فتح جزء من عافية شعب يواصل مسيرة لم تنته في 25 يناير 2006.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

بوزيد

ستار أكاديمي أم " د مار" أكاديمي ؟!


لم يكن أحدا يتصور أنه سيأتي يوم على بلد مسلم كالجزائر تعرض فيه وعلى مرأى ومسمع من الناس، وفي وقت هيمنة الإعلام الأوحد والقناة الواحدة، وعلى المباشر صور الخلاعة والفحش والرذيلة، في جو من الغناء الهابط السافل الممزوج بالرقصات المثيرة للغرائز والأجساد العارية المحركة للشهوة، لبرنامج أسموه "ستار أكاديمي" !
هذا البرنامج الذي دخل إلى البيت الجزائري، المعروف عنه أنه محافظ ومتدين ومتمسك بالآداب الأخلاقية والقيم الدينية، من بلد اسمه لبنان. هذا الأخير، تحول في السنوات الأخيرة إلى مركز تصدير لكل أنواع الرذائل والفكر الهابط، سواء في شكل برامج تليفزيونية أو قنوات فضائية أو شخصيات توصف بأنها "فنية" أغلبها –حتى لا نقول كلها- من الجنس اللطيف، بدءا بقنوات "روتانا" الغنائية (وأي غناء!؟)، والسنيمائية (وأي أفلام!؟)، والتي تحولت إلى أشبه بالموضة بعد انتشار عدواها الى الكثير من القنوات العربية، ومرورا بفتنة "الكليبات" على نموذج كليبات "نانسي عجرم" التي أضحت قدوة للكثير من المراهقات عندنا وفي العالم العربي، ثم انتهاء بظاهرة ما يعرف بـ "ستار أكاديمي" !! وهي كلها برامج قاسمها المشترك النساء شبه العاريات، وإبراز المفاتن، وتحريك غريزة الشهوة في النفوس، والتحريض على الرذيلة وتشجيعها، والرقص الماجن، وعرض الأجساد المتمايلة المتكسرة (مائلات مميلات) !
الغريب أن الكثير من الأحداث والقضايا والأفراد يوصم بأوصاف وأسماء تعكس لون الحدث والقضية والشخص لتقع الأسماء على مسمياتها، هذا في الغالب، لكن لكل قاعدة استثناءاتها، ومنها ما نحن بصدده. فكلمة "ستار"هي لفظ إنجليزي يعني"نجمة"، و"أكاديمي" كلمة لاتينية تحمل معنى العلم والموضوعية والعمل الممنهج. فأي علاقة بين الاسم والمسمى هنا؟! اللهم إلا "النجومية" في الفساد، والممارسة "الممنهجة" لتدمير الأخلاق والآداب والقيم، واجتثاث الكل من جذوره!
ثم من هي لبنان؟ إن لبنان عبارة عن فسيفساء من المذاهب والأديان والمعتقدات والطوائف والقوميات، إلا أنه ورغم كل ذلك بلد تحكمه القيم والأعراف المسيحية الغربية (الدستور اللبناني ينص على أن يكون رئيس الجمهورية ذو الصلاحيات والسلطات الواسعة مسيحيا)، ويغلب عليه أيضا، الطابع المسيحي الغربي وفي كل شيء، في تفكيره وسلوكه ونمط حياته، سيما إذا ما نزعنا عنه لغته العربية وأقليته السنية وجنوبه الشيعي. وذاك الطابع هو الذي يتم وضعه في الواجهة الأمامية للبلد وتصديره إلينا، ومن ذلك هذا البرنامج ذي الأصول الأمريكية المعروفة، حيث أن "بيغ برادر" هو صاحب الامتياز في وضع هذا العفن بالرغم من أن فرنسا هي الرائدة في هذا الشأن لكن، وينبغي الاعتراف بذلك، هو عندها أقل فحشا من الذي يعرض عندنا!
ان الدستور الجزائري في إحدى مواده، وتعبيرا منه عن الروح الإسلامية التي تحكم مجتمعنا يحظر أي سلوك أو عمل في مؤسسات الدولة والمجتمع يتعارض مع القيم الإسلامية وتعليمات ديننا الحنيف. ومنه، فان قيام التلفزة الجزائرية بشراء حق البث لهذا البرنامج، بالاضافة إلى أنه يتعارض مع قيم المجتمع الجزائري وعقيدته وأخلاقه، يتعارض مع دستور البلاد أصلا ! فمن أعطى الضوء الأخضر لمسئول التلفزة لنشر هذا العبث؟!
إن مثل هذا الواقع يدل على أن مسعى البعض (حركة حمس بصفة خاصة وممثلها الذي هو وزير للدولة في آن واحد) مقاضاة مسئولي مؤسسة التلفزة ومطالبتهم بإيقاف بث البرنامج، هو إجراء قانوني وموضوعي لم يأت من فراغ، بل يستند إلى الشرعية الدستورية أولا، وإلى سلطان المبادىء الأخلاقية والعرفية ثانيا!
ثم إنه في الوقت الذي تفرض فيه الرقابة على الكثير من الكتب الدينية، فتمنع أو تقص أو تهمل، يطرح التساؤل عن دور الهيئات المعنية مباشرة بتنوير الرأي العام بحكم الدين الحنيف في مثل هذا الشأن، والمخولة رسميا وشرعا لإصدار الفتاوى في القضايا التي تهم الفرد والمجتمع، كوزارة الشؤون الدينية والمجلس الإسلامي الأعلى، عن غيابها وعن سكوتها وإحجامها عن إبلاغ صوتها وموقفها من الموضوع الذي تهتز لهول فساده قبور الأموات قبل قلوب الأحياء! أفتمنع الفضيلة وتحاصر ثم يسكت عن الرذيلة ويسمح لها بالدخول؟!
كما يطرح التساؤل أيضا عن الغياب الكلي للأحزاب و للشخصيات المحسوبة على التيار الوطني والإسلامي في إبداء موقفها من الموضوع، فلماذا هذا السكوت المطبق منها؟! أليس من غير المعقول أن تتسم مواقفها بالخذلان وعدم المسؤولية اتجاه ما يفسد على أبناءنا وبناتنا سلوكهم وسيرتهم ويضرب الأخلاق والآداب فيهم في الصميم؟! بل ينبغي على هؤلاء جميعا وإبراء للذمة، الأخذ بسلطة الرقابة في البلد (وزارة الثقافة والاتصال، ووزارة الأوقاف) من يدها، وإسداء النصح لها وتقديم كل أنواع المساعدة التي بإمكانها احتواء المشكلة وتجاوزها قبل أن تستفحل وتستفحل معها آثارها المدمرة، ولا يتم ذلك إلا بتوقيف عرض البرنامج الذي لا يمكن لأي جزائري عاقل القبول به، فضلا عن مشاهدته له وحده أو مع أفراد عائلته!