حماس وثقل الحسابات المنتظرة

2006-1-28 | علي حسين باكير حماس وثقل الحسابات المنتظرة

لقد فاجأت نتائج الانتخابات حماس نفسها كما صرحت, ولم تكن المفاجأة في الفوز بقدر ما كانت في الانتصار الساحق بالأغلبية التي حققتها.

لو أن حماس حصلت على أغلبية ضئيلة سواء في الربح أو الخسارة، كان يمكن أن تستفيد من ذلك بدفع فتح للواجهة في أي عملية مفاوضات، فيما تشرف هي على الجهة الأمنية وتتجنب المفاوضات مع إسرائيل وتشرف على الشارع الاجتماعي فيما تبقى فتح تحت الضغوط.

لكن الوضع الآن مختلف, فالأغلبية الساحقة لصالح حماس وعليها تشكيل حكومة، وهي نظريا وحسابيا تستطيع تشكيل أي حكومة دون فتح أو غيرها. لكن هل ستقوم بذلك, أم أنّها ستفضل إشراك الآخرين مع سيطرتها على الحكومة -وهو ما سيجري على الأرجح-، أم ستستغرق وقتها في التفكير بعد المفاجأة التي حلّت لها، وترى الخطوات اللازمة فيما بعد؟!

وفي حال حصول ائتلاف حكومي, فإنه من المرجح أن تستمر المساعدات الغربية للسلطة ويبقى التواصل مع أمريكا وأوروبا قائما بشكل أسهل. لكن المشكلة أن وجود حماس في السلطة سيطرح إشكالية المقاومة. فأي عمل عسكري من قبل حماس سيعتبره الغرب وإسرائيل إرهاب دولة، ممّا سيؤدي إلى استهداف مرافق السلطة وقطع العلاقات والمساعدات عنها، وهو ما سيفتح الباب لاستهداف النظام الفلسطيني بشكل عام والشعب بشكل خاص.

في المقابل, فإن حماس تدرك أهمية وقيمة امتلاك أغلبية سياسية، وهي هنا يمكنها المناورة من خلال دمج جناحها المسلح في أجهزة الأمن الوطني الفلسطيني لتجنب ضغوط نزع السلاح, وقتال إسرائيل من خلاله إذا خرقت أو انتهكت أي هدنة أو اتفاق أو اعتدت على الفلسطينيين. هذا يفترض أن حماس سيكون لها تأثير عبر غالبيتها على باقي الفصائل الفلسطينية، ومن بينها الجهاد الإسلامي وجناح فتح الساخط.

السؤال الثاني, كيف ستتعامل أمريكا مع سلطة تدعو في ميثاقها إلى تدمير إسرائيل، ومع حزب سياسي يقاتلها؟ بالتأكيد ستكون هناك معضلة كبيرة، ولكن أمريكا أيضا ليس باستطاعتها إهمال هذا التطور الكبير في ضوء الدعوة إلى الديمقراطية. فهل ستلتزم أمريكا وأوروبا بشعاراتها في تسويق الديمقراطية ونشرها في الشرق الأوسط؟ أم أنهم يريدون ديمقراطية "عميلة, مستوردة" كما في العراق وأفغانستان؟

لقد سبق للغرب ولأمريكا أن أطاح العديد من الديمقراطيات. وكما يقول الكاتب و المفكر الأمريكي المعروف "نعوم تشومسكي" حيال موضوع نشر الولايات المتحدة للديمقراطية: "نستطيع أن نفهم بسهولة سياسة الولايات المتحدة في العالم الثالث: "نحن نعارض-بإصرار- الديمقراطية إذا كانت نتائجها خارج نطاق سيطرتنا".

وكما ذكر "المعهد الملكي للشؤون الدولية" في لندن في دراسة له عن نظام العلاقات الأمريكية الدولية مؤدّاها أنّه "بينما تقدم الولايات المتحدة خدمة "لسانية" للديمقراطية، فإن التزامها الحقيقي هو لـ"مشروعات الرأسمالية الخاصة"، وعندما تتعرض حقوق المستثمرين الأمريكيين للتهديد، فعلى الديمقراطية أن ترحل ولا بأس أن يحل محلها حكام التعذيب والقتل".

فهل بعد هذا سيصدّق أحد أنّ أمريكا ملتزمة بنشر الديمقراطية في لشرق الأوسط؟ وماذا إذا أوصلت هذه الديمقراطية الإسلاميين إلى الحكم في عدد من الدول، خاصة وأنه أمر طبيعي في ظل ظروف الكراهية المتنامية ضدّ أمريكا! فوز حماس يعتبر مقياسا لمن لم يعرف حقيقة أمريكا وأوروبا بعد.


ولا شك أن انتصار حماس سيفتح أيضا حسابات إقليمية ودولية عديدة, وسيقوي من موقع القوى التي تخوض مواجهة دبلوماسية مع أمريكا مثل سوريا وإيران, لكنها في نفس الوقت قد تعطي أثرا إيجابيا للإسلاميين في باقي الدول العربية، بحيث ينعكس ثقلهم الحقيقي في الشارع وينتقل إلى السلطة السياسية.

إلا أن هناك أمرا ينبغي التنبيه إليه, وهو أنه في حال تراجع حماس عن مقاومة إسرائيل، فهذا سيفتح الباب أمام فصائل غير فلسطينية أو فلسطينية ساخطة منشقّة، ترى أن المقاومة الفلسطينية قد تنازلت عن الحد الأدنى المقبول في مقارعة العدو، وذلك مقابل ثمن سياسي أو برتوكول دولي يفترض عدم المقاومة عسكريا من موقع سياسي أو بشكل رسمي, ومثال فتح أبو عمّار لا يزال حاضرا, ولعل القاعدة ستكون أكبر المستفيدين من ذلك في حال حصوله، لأنّها لطالما امتنعت عن دخول البوابة الفلسطينية على أساس وجود رجال قادرين على المواجهة من الداخل وخوفا من تخريب الوضع القائم هناك, لكنّ تنازل المقاومة الفلسطينية عن دورها أو تهاونها فيه سينسف كل ذلك، وسننتقل إلى المرحلة الأكبر من الصراع مع إسرائيل حينها،فالحسابات المحلية والدولية دقيقة جدا.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر