آخر الأخبار

من يقود 'إخوان' الأردن؟

2006-1-16 | محمد أبو رمان من يقود 'إخوان' الأردن؟

تصدرت الحركات الإسلامية المشهد السياسي العربي في الآونة الأخيرة، وأغلب هذه الحركات ذات صبغة إخوانية، وبدا واضحا للمراقبين والمحللين أنها القوى الوحيدة القادرة على سد الفراغ أو منافسة السلطات الحاكمة العربية. ولعل خير دليل على ذلك النجاح الملفت للإخوان في الانتخابات المصرية، وتصدر حماس في الانتخابات البلدية والتوقعات بانجاز مماثل في الانتخابات التشريعية. بل إن العديد من المراقبين يرون أن الأخوان السوريين، على الرغم مما فعلته الغربة والصراعات الداخلية بقواعدهم، فهم القوة الأولى التي يمكن أن تلعب دورا حقيقيا في حالة تفاقم الوضع الداخلي. وهو ما ينطبق أيضا على الحالة العراقية، وقد أصبح الحزب الإسلامي (إخوان العراق) الممثل السياسي الأول للسنة.

بيد أن "التفرد الإخواني" له ضريبته واستحقاقه، ويضع الإخوان على المحك أمام ظروف إقليمية بالغة التعقيد. مع ملاحظة أن السبب في الانتصار الانتخابي الإخواني لا يعود إلى البرنامج السياسي، الذي ما زال ضعيفا، بل إلى قدرة الأخوان على توظيف الشعارات والعواطف الدينية في مشروعهم، وقدرتهم على التعبئة الاجتماعية، والإحباط الشعبي من الواقع السياسي الراهن، في مقابل ضعف القوى والأحزاب السياسية العربية الأخرى. لكن اقتحام الإخوان بقوة الدفع السياسي للمرحلة القادمة المعقدة إقليميا يتطلب خطابا سياسيا مختلفا، ما يستدعي بدوره تجديدا وإصلاحا حقيقيا في الداخل الإخواني، الذي ما زال أسير مفاهيم وأدوات تنشئة قديمة لا تتناسب أبدا مع المرحلة.

يتطلب نجاح "الإخوان" في المرحلة القادمة إعادة تقييم مصادر القوة الذاتية، وعدم الاستمتاع طويلا بدفء الجماهير لأنها سرعان ما تنفض إذا ما شعرت بخيبة أمل أو أن مصالحها مهددة. وأول مصادر القوة الإخوانية هم الشباب المتعلم، الذي يمثل الطبقة الوسطى، ويمتلك مقومات تربوية أخلاقية صارمة، جعلته متميزا على الصعيد الاجتماعي وفاعلا في عملية التجنيد والتعبئة. لكن في الوقت ذاته، وكما تعترف القيادات الإخوانية، فإن هذا الشباب مكدس، تعود على مفاهيم الطاعة والانقياد، ما جعله مقيدا مكبلا في كثير من الأحيان، ومتذمرا أغلب الأوقات. وهناك أيضا صراع أجيال داخل الجماعة في كثير من الدول العربية.

والشكوى، التي تصدر منهم، تتمثل بأنهم أصبحوا فقط أدوات لجذب الأصوات الانتخابية ولعملية لتجنيد، وليس لهم دور حقيقي في صوغ الخطاب والممارسة السياسية، فالمنافذ المتاحة للنشطات "غير التنظيمية" محدودة، وتتم وفق منطق الوصاية التي تمارسها القيادة، مما أدى إلى خروج العديد من الشباب الإخواني المثقف من رحم الجماعة، بحثا عن مكان آخر يعبرون فيه عن ذاتهم.

أردنياً، امتازت السنوات الأخيرة بحالة من الاستقرار في العلاقة بين "الإخوان" والنظام، بعد أن عاد "الإخوان" للمشاركة في الحياة النيابية 2003، على إثر مقاطعة عام 1997، بعد مرحلة من الشد والجذب مع النظام وصلت، في بعض الأحيان، إلى حدود المواجهة الصدامية كادت أن تتفاقم بسبب الفجوة الكبيرة التي تفصل سياسات الحكومات الأردنية عن المواقف الإخوانية.

أما على صعيد "الداخل الإخواني"؛ فتقليديا كان هناك اتجاهان يمثلان رحى الاستقطاب داخل الجماعة؛ ما يسمى بالحمائم (تيار المشاركة والانفتاح)، الصقور (مدرسة سيد قطب)، لكن خطاب الصقور تميّز دوما بالتناقض والمفارقة الكبيرة باعتماد منطق الخطابة والصوت العالي مع الجماهير وتفضيل المصالح الخاصة في الممارسة الواقعية ما تسبب في ضموره داخل الجماعة، لولا بروز تيار جديد، مؤخرا، يتحالف معه، هو "التيار الرابع" الذي يمثل صدى لانتصار حماس وقوتها في الداخل الفلسطيني، وشعبيتها في الأردن.

أحد أبرز التعبيرات عن "الشباب الإخواني" جاء في منتصف التسعينات، مع بروز تيار ثالث (تيار الوسط) من الجيل الصاعد، الذي يمثل جيلا ثالثا من عمر الجماعة في الاردن. حاول الجيل الجديد الاستدراك على أخطاء الجماعة ومعالجة العديد من الأمراض الداخلية المتفشية، بخاصة موضوع الخلط بين المصالح الشخصية والمناصب القيادية في الجماعة.

وحمل "الوسط" مشروعا كبيرا يقوم على استعادة المسار الاجتماعي- الإصلاحي في دور الجماعة، والفصل الكامل بين الجانب السياسي (حزب الجبهة) والجانب الاجتماعي الدعوي. وقد وقف هذا التيار موقفا وسيطا بين الصقور والحمائم في العلاقة مع النظام، إذ رأى أن العلاقة ليست بالضرورة مشاركة أو مقاطعة إنما تعتمد على طبيعة اللعبة السياسية والقدرة على إدارتها، فتكون المقاطعة في أوقات والمشاركة في أوقات. وقاد رموز الوسط الجماعة إلى مقاطعة الانتخابات النيابية عام 1997، احتجاجا على تدهور الحالة الديمقراطية، ومنعا من تحول الجماعة إلى ديكور في الحياة السياسية بلا فعل حقيقي. هذا الموقف حمل، بحد ذاته، مفاجأة للعديد من المراقبين والمحللين، الذين كانوا يراهنون على أن التحالف التاريخي العرفي بين الحكم والأخوان لن يسمح لهم بمقاطعة العملية السياسية.

وكما يقول عدد من أنصار هذا التيار سابقاً، فقد كان قرار المقاطعة مبنيا على أن تتلوه خطوات إصلاحية داخلية، وتعريف أوضح لرؤية الجماعة السياسية، وإعادة ترتيب "البيت الإخواني". إلا أن الوقت لم يمهل "القيادة الوسطية" إذ سرعان ما تداعت عليها الضربات من الداخل والخارج، وتعرّضت لعملية تشويه شخصية بشعة، وحُمِّلت أوزار مواقف لم تحملها، فاتهمت تارة بالعمالة للأجهزة الأمنية، وتارة بالإقليمية، وأخرى بالتآمر على قيادة حماس والتواطؤ على خروجهم في الأردن عام 1999. وانتهى المطاف إلى "اغتيال الوسط" وتشتته وخروج أبرز قياداته من الاستقطاب الإخواني الداخلي.

مع إرهاصات الانتخابات النيابية 2003 , بدأ "التيار الرابع" (أُطلِق عليه تيار الإصلاح) باحتلال مواقع في قيادة الجماعة، وأتى أغلب قياداته من صفوف الإخوان المشاركين في مؤسسات المجتمع المدني من نقابات وأندية وجمعيات خيرية. لكن الآمال المعقودة عليهم كانت أكبر بكثير من حجم الإنجاز الواقعي. ولم تحمل تجربتهم النيابية أي ممارسة ملفتة، بل بدت ضحالة الخبرة السياسية وضعف الثقافة السياسية واضحة عليهم. ولم ينعكس، من ناحية أخرى، صعود هذا الجيل على الداخل الإخواني، وبقيت ملاحظاته النقدية معلقة دون صدى حقيقي.

الأيام القادمة ستشهد انتخابات في كلٍّ من جبهة العمل والجماعة ستحدد فيها طبيعة القيادة الجديدة، إن كانت جديدة، واتجاهاتها الفكرية والسياسية. وبعيدا عن بورصة الأسماء الموجودة، فإن المأمول مع إعلان المبادرة الإخوانية للإصلاح، والتطورات الإقليمية والمحلية، ومع توقع انفتاح جديد في الحياة السياسية المحلية، أن نجد إدراكا إخوانيا جديدا وإصلاحا داخليا، وقيادة شبابية ذات طابع مختلف، وأن يقول الشباب الإخواني المتعلم كلمتهم، وهم جزء حيوي من الطبقة الوسطى الأردنية، التي تعاني اليوم من مرحلة خطيرة مع الاستحقاقات الاقتصادية الجديدة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر