خدام...الشاهد والمدان

2006-1-1 | ياسر سعد خدام...الشاهد والمدان

حديث عبد الحليم خدام التلفزيوني الأخير أصاب النظام السوري بتسونامي سياسي مرعب, بدت عوارضه ظاهرة على الحكم السوري هلعا وجزعا وتخبطا.

وإذا كانت شهادة رجل خدم النظام طويلا وكان من أعمدته الرئيسية حتى وقت قريب مهمة للغاية في تجريم ذلك النظام ووضعه في قفص الاتهام المحكم, فان تلك الشهادة كذلك تدين الرجل ولا تعفيه من الجرائم والتجاوزات التي ارتكبت في حق الوطن والمواطن. وبالرغم من أن كثيرا من الحقائق التي وردت في شهادة عبد الحليم خدام من الممكن تصنيفها تحت خانة حق أريد به باطل, فإن حديث السياسي المحنك والمحامي البارع وتصريحاته لم تخلُ من التناقضات الواضحة. فبشار الأسد ذو خلق رفيع وأدب جم كما يصفه خدام في بداية حديثه، يتحول لاحقا في الحوار نفسه لإنسان فظ شديد القسوة في حديثه مع الرئيس الراحل رفيق الحريري.

كما أن إدانة خدام للفساد الاقتصادي الكبير الذي ينخر في البلاد هو إدانة لخدام نفسه، وقد احتل مركزا متقدما في نظام تأسس على كل أشكال الفساد الاقتصادي والإداري والسياسي, فالقصص التي ساقها ليدلل على مدى ما وصل إليه الفساد تمت في عهد الأسد الأب، والذي يشير إليه خدام بكثير من الاحترام والتقدير. بكل الأحوال إذا صحت روايات الرجل –وليس هناك ما يدعو لغير ذلك- فللمرء أن يتخيل أعداد وأرقام المليارات، والتي كانت من نصيب رجالات الحكم سواء كانوا من العائلة المالكة أم من أصحاب المراكز المتقدمة. نتمنى على السيد خدام أن يبلغنا عن راتبه وعن ثروته الحالية وكيف جناها والأسباب التي أدت إلى صمته طوال هذه العقود والسنوات عن هذا الفساد الرهيب؟

يقول خدام: "جئت إلى باريس ليتسنى لي كتابة مرحلة هامة من تاريخ سوريا والمنطقة، في هذه المرحلة كنت أحد القياديين الأساسيين في التخطيط وفي التنفيذ في مجال سياستنا الخارجية، ورأيت أن من واجبي الوطني أن أؤرخ هذه المرحلة لتطلع الأجيال والناس على هذه الحقائق والوقائع الصحيحة، حيث استطعنا أن نحقق لسوريا مكانة مرموقة في الساحتين العربية والدولية". أية مكانة مرموقة لسورية يا سيادة النائب والسياسة السورية كانت في عهد الأسد الأب تعتمد على "البلطجة" والابتزاز، حين كانت فرق القتل والاغتيال الموزعة في السفارات السورية أحد أدوات السياسة السورية لتصفية الخصوم كما حدث مع صلاح الدين البيطار وبنان الطنطاوي وغيرهم. ومن لا يذكر العزلة الخانقة، والتي كثيرا ما عانت منها سورية كما حدث في عام 1990 حين تغيبت منفردة عن مؤتمر القمة العربي.

في محاولته لتلميع صورته يقول خدام: "في إحدى زياراتي إلى فرنسا التقيت الرئيس جاك شيراك وتمنيت عليه أن يقدم أو أن يبعث لنا بمجموعة من الخبراء تدرس الإدارة في سوريا وكيفية تطويرها وتحديثها وجاءت بالفعل مجموعة من الخبراء ودرست وقدمت مقترحات ونامت هذه المقترحات في أدراج الحكومة ولم ينفذ منها شيئا". رغم المكانة المرموقة لسورية حسب خدام بفضل جهوده وأمثاله في التخطيط والقيادة، فإن سورية الأسد تحتاج لخبراء فرنسيين لا للمساعدة في تطوير الصناعات الفضائية أو الفلكية أو البحوث العلمية، ولكن في مجال الإدارة وطرق تطويرها وتحديثها.

الطريف أن خدام لا يحتمل ما وصلت إليه الأحوال، فيحتج على أوضاع الحريات العامة، فيقول: "والشعب السوري مصادرة حريته وممنوع عليه العمل السياسي، وتتسلط عليه أجهزة الأمن". لا أدري لماذا يصاب خدام بفقدان الذاكرة الكامل فيما يتعلق بمسألة الحريات والعمل السياسي في عهد الأسد الأب, وينسى إنجازات عهده في تدمر وحماة وجسر الشغور وتل الزعتر ونهر البارد وغيرهم, وفي تصفيته للعمل النقابي والحزبي, فأين كان ضمير السيد النائب وقتها وفي سوريا قانون 49 والذي يحكم بالإعدام على كل منتسب لتنظيم الإخوان المسلمين؟

هناك الكثير مما يستحق التعليق والتحليل في حوار خدام، غير أن أكثر ما استوقفني هو الأسلوب والعقلية التي تحكم وتتحكم في الطبقة الحاكمة في سورية, ففي محاولته للتنصل من تجاوزات النظام الكثيرة والكبيرة في لبنان وتبرئة نفسه يقول خدام إنه بعد اغتيال الرئيس الحريري اجتمع مع بشار الأسد في 28 فبراير 2005 متحدثا عن أخطاء وتجاوزات رستم غزالة، قائلا للرئيس هذا المجرم "جيبو اقطع له رقبتو هذا هو الذي خلق هذا الوضع في لبنان". هكذا ببساطة يريد خدام المحامي ابتداء أن يقطع رأس مسئول سوري في لبنان -بغض النظر عن جرائمه وتجاوزاته- دون أن يحقق معه أو يحاكمه أو يترك له فرصة الدفاع عن نفسه.

وبالتالي يحق لنا أن نتساءل ونحن نعرف الجواب تماما عن الطريقة التي كان وما يزال هذا النظام يتعامل بها مع مواطنيه ومعارضيه, إذا كان رائد الإصلاح –كما يعتبر نفسه– يطالب الرئيس ببساطة بقطع رقبة مسئول كبير في النظام. وفي مقام آخر يتكلم القيادي والمفكر وزعيم الدبلوماسية السورية ردحا من الزمن عن قضية ابوعدس فيقول: "أي منظمة أي شخص يستطيع أن يأتي بألف كيلو متفجرات لا أحمد أبو عدس ولا أحمد أبو حمص"، فهل يليق أن يتحدث دبلوماسي ومفكر عن الأسماء بهذه الطريقة السوقية وعلى شاشات التلفاز؟ وهل يحق للآخرين أن يعلقوا على اسم خدام بنفس الأسلوب؟

إن عقلية المافيا والاستعلاء على الناس تتضح وتنضح من حديث السيد خدام وهو منشق عن السلطة, فكيف إذا كان حاله عندما كان فيها؟ وكيف هي أحوال المتسلطين على رقاب الشعب السوري وعلى مقدراته؟

رد النظام السوري على عبد الحليم خدام -والذي أصدر القانون رقم (9) القاضي بتعديل مادة في الدستور السوري لتسمح بوراثة بشار مملكة أبيه وملكه– ببث جلسة مجلس الشعب والذي تبارى فيها النواب في شتم وتخوين والإساءة الشخصية وبألفاظ جارحة ونابية، أحد أعمدة النظام لعقود طويلة.

الأمر المثير للسخرية المبكية هو حديث النواب عن فساد خدام وأبنائه وعن المطاعم التي يمتلكوها، وعن دفن النفايات النووية في صحراء تدمر، والتي تورط فيها أبناء الرجل. هذا الحديث يرتد على النظام السوري سهاما صائبة وحججا دامغة, فهو أولا يِؤكد شهادة خدام بضعف بشار الأسد وانفعاليته وعدم جديته في محاربة الفساد. فلماذا لم يتصدى بشار الأسد -الذي رفع شعار محاربة الفساد في بدايات عهده- لخدام على كل تلك التجاوزات الخطيرة؟ ولماذا لا يتم الحديث عن فساد مسئول سوري وعن تجاوزاته وجرائمه إلا حين يختلف معه النظام كما حدث لرفعت الأسد ويحدث الآن مع خدام؟.

مداخلات النواب السوريين ممتعة من جهة كونها كوميديا سوداء, فرئيس مجلس الشعب السوري محمود الابرش تحدث عن مئات الآلاف من الاتصالات التي وصلت من المواطنين لمجلس الشعب السوري، والتي تطالب بمحاكمة خدام وتخوينه. هكذا مئات الآلاف من الاتصالات خلال ساعات محدودة يا سيادة الابرش!! أما النائب حبش، فقد اتهم خدام بأنه هو من أغلق المنتديات الديمقراطية في سورية وألقى بعدد من أعضائها في السجن مثل رياض سيف وعارف دليلة. إذا، برأي حبش، فإن خدام هو الذي كان يحكم سورية، وهو الذي يقرر سياستها ومساحة الحرية فيها, فما الذي كان ومازال يفعله بشار الأسد. وإذا كان هذا هو الحال، فلماذا لا يُطلق سراح النواب والذين سجنهم الديكتاتور خدام؟!

شهادة خدام خطيرة ومهمة وهي تدين الرجل والنظام الذي خدمه والحكم الذي انشق عنه, وتظهر وبجلاء أن سورية كانت وما تزال تُحكم من قبل عصابات من المافيا، والذين يجب أن يحاكموا على الجرائم والتجاوزات التي ارتكبوها بحق الشعب والبلد. وإذا كان تأكد تحرك ضمير خدام واستيقاظه، فعليه أن يعتذر للشعب السوري وأن يرد جميع الأموال والثروات التي تحصل عليها هو وأبناؤه، وأن يتكلم بوضوح عن الأسرار الخطيرة التي أشار إليها ممتنعا عن الخوض فيها الآن، لا أن يقايض عليها بمزيد من المال أو الطمع بدور مستقبلي.

أما النظام السوري، فقد تكون هذه فرصته الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ماء الوجه بالاستجابة لمبادرة المعارض رياض الترك الشهيرة والواقعية، وإلا فإن الثمن الذي سيدفعه سيكون باهظا خاصة وأن أوراقا أمريكية كثيرة برأيي قد تظهر في أوقات مدروسة لتزيد من عزلة النظام وإذلاله.

الملاحظة الأخيرة والمهمة، والتي يمكن استخلاصها من حديث خدام ولقائه توقيتا ومكانا ووسيلة، أن ثمة رسالة أمريكية-غربية ضمنية لبشار تقول له إنه من الممكن أن يبقى في الحكم، ولكن عليه أن يضحي برجالات الأمن من حوله وأن ينصاع وبشكل كامل للرغبات والأوامر الأمريكية. من الأرجح أن النظام السوري يشعر بندم شديد على عدم سماحه لخدام بالانتحار كما فعل مع الزعبي وكنعان.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

أبو أيوب

لقد كتبت فشفيت صدورا كثيرة ولكن أتراك أنت وكثيرا من الكتاب المتميزين ..هل تستطيعون حصر جرائم هذا النظام من اغتيالات وسرقات وفساد وإفساد سواء من بقي أو نحر أوانتحر أو هرب أو ...الخ من قائمة أزلامه ومنافقيه ؟؟؟ثمة سؤال أخير لمن بقي له ذرة عقل من أتباع هذا النظام الفاسد ..أذكركم بهتافات أمثالكم من أتباع صدام وبالهتاف الممجوج المكرور والمكرر (بالروح بالدم نفديك يا ...طاغوت أين أولئك الهتافون المأجورون ؟؟لم لم يفدوه بأقل من الروح والدم ؟؟؟أليس فيكم رجل رشيد !!!؟ أم أنكم تنظرون إلى غنيمة عاجلة ؟؟وأنت يامجلس الشعب ..يا شهود الزور يا أصنام الماضي ألا تستحون من أن تكونوا إمعة النظام كلما ناداكم لبيتم وبدأتم تزعقون ..تنافحون عن نظام قاتل سفاك ...