قراءة مغايرة في 'الصمود' السوري

2005-12-10 | خالد حسن قراءة مغايرة في 'الصمود' السوري

حالة من الشك تعتري الفرقاء في لبنان، وحدة التجاذبات الداخلية بلغت ذروتها، وكل يراهن على أوراق إقليمية دولية، بعدما تأكد له أن موسم التسويات الداخلية على وشك الرحيل.

وبعيدا عن خلفيات رفض رئيس لجنة التحقيق الدولية ميليس التمديد له ، إذ إننا كثيرا ما نقرأ التحولات أو الأحداث كما نتصورها ونتخيلها لا كما أملتها وقائعها وملابساتها، فإن ما يقلق هو صمود النظام السوري ليس في وجه الحملة الأمريكية الفرنسية، وإنما في وجه المطالب الإصلاحية.

ثم إن الصمود الذي تتحدث عنه جمهرة المحللين "المندفعين"، لا يمكن التسليم به، في ظل استعداد النظام للتوصل إلى صفقة مع الأمريكان عبر البوابة القوية والمؤثرة: التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية من غير شروط مسبقة، ولعله أخذ بنصيحة الرئيس مبارك، حيث أظهر هذا الأخير مقدرة فائقة في التهرب من "الالتزامات" الإصلاحية الفعلية التي وعد بها الإدارة الأمريكية عبر قناة شارون، صديقه الذي أنقذه من ملاحقات ومطاردات التدخلات الأمريكية، حتى أضحى صنيعه هذا قاعدة ذهبية لكل من أراد التنصل من الضغط الأمريكي.

وبعض الكتاب والمحللين، خاصة الذين احترفوا لغة التهويل والتخوين، رأى في كل معارضة للنظام السوري اصطفافا مع ميليس، وكأنهم بهذا أحيوا المذهب القديم في النظر والتحليل وهو التماثل والتطابق. ومن المهم أن يبرز تيار أو صوت ثالث في عالم التحليل والكتابة، لا يرى الأمور أبيض وأسود، وإنما يقرأ الأوضاع والتقلبات بخلفية فكرية وأفق واسع وبمنطق تفكيكي وتركيبي في آن، بعيدا عن الحدية والقواطع. فليس كل من عارض السياسات الأمريكية في العلن يسلم له، ولا كل من راح ضحية الجبروت والطغيان يمنح من الولاء الذي ليس بعده إلا الخيانة!

إن الهشاشة والطغيان يغريان بالتدخل والاستباحة، وإن الصمود السوري وإن بدا أنه في مواجهة الإعصار الأمريكي، لكن تبين أن المطالب الإصلاحية والأولويات الداخلية كان لها النصيب الأكبر من هذا "الصمود"، نعم لقد صمد النظام السوري في وجه الإصلاحات الفعلية وصادر رأي المطالبين بها من السوريين في الداخل.

إن تبرير إرجاء أي حديث عن إعادة ترتيب البيت الداخلي بأولوية الصمود في وجه الحملة الأمريكية هو إعادة إنتاج لنكبات الماضي، خاصة وأن مثل هذه الأنظمة لا عهد لها، فقد تجد لها ولعصبتها مخرجا عبر قناة شارون أو مخرحا خلفيا مع واشنطن، في الوقت الذي يتمسك فيه بعض كتابنا ومحللينا بنظرية "الصمود" السوري.

إنه آن الأوان لاستفاقة ليس الجماهير والرأي العام العربي، وإنما الكتاب والمحللون، والتنبه من تحول قيم معينة وتوجهات قومية ومناهضة إلى مادة خام للاستهلاك والمتاجرة والتملص.

إلى الآن، لم يجرأ النظام السوري على زحزحة الوضع الداخلي، ومعالجة الملفات العالقة بما يعزز من قدرته على "الصمود" الخارجي، لا زالت سوريا مقبرة كبيرة للرأي الحر والفكر المستقل وكل صاحب غيرة وكرامة.

لست بصدد مناقشة إستراتيجية "الفوضى الخلاقة" الأمريكية لإعادة ترتيب المنطقة، ولكن لا يمكن مواجهة أي خطط بتلاعبات ورهانات خاسرة والأخطر من هذا وذاك بجبهة داخلية منقسمة وهشة.

فكل ما يشغل النظام السوري حاليا هو كيف يستفيد من الظروف الراهنة والتحولات لمزيد من التصلب والتعنت الداخلي، مراهنا على عامل الوقت والمناورة كعادته. فرهاناته تتجاوز "الممانعة" الشيعية ـ حزب الله وحركة أمل ـ في لبنان والجدل الذي رافق التحقيق الدولي، إلى توظيف ما يجري في العراق والفشل الأميركي هناك ومحاولة إدارة بوش إيجاد صيغة تسوية مع إيران حول تركيبة حكومة ما بعد الانتخابات المقررة في 15 يناير، وكذا التسلل عبر الحوار الذي يجري بين أطراف من المقاومة السنية المسلحة وجهات أمريكية كما أفادت به بعض المصادر الإعلامية، حيث ترى سوريا أن بإمكانها أن تلعب دورا في هذا المجال، خاصة في ظل الحديث عن إمكانية استبدال القوات الأمريكية بقوات عربية.

وليس هذا فقط، فالقراءة السورية للرهانات تمتد إلى المشهد الرئاسي الداخلي في كل من فرنسا والولايات المتحدة، وما تسفر عنه الانتخابات في المستقبل القريب من تغير في السياسات تجاه سوريا. المهم أن مفردات المشهد الإقليمي وحتى الدولي قابلة للتوظيف من قبل سوريا.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

أبو أيوب

أود أن أدعو لكل من يناصر ويكافح ويقف بجانب الظالم الباغي المجرم الذي لاتخفى جرائمه أن يذيقه الله من بأس هذا المجرم حتى يتذكر..ولات ثمة متسع للذكرى .. آلاف المعذبين والمسحوقين والمشردين على أيدي أسؤا نظام مجرم في الدنيا..


محمد أبو رمان

اتفق تماما مع الاستاذ خالد فيما ورد في مقاله، وارى أنه بات من الضروري اعمال السياسة والعقل والتفكير الموضوعي المنهجي، والا نبقى دوما في حالة من الاستغفال من قبل النظم العربية.
النظام السوري واي نظام فاشستي عربي لا يملك أدوات المقاومة أو الوقوف في وجه العدوان الخارجي، باختصار لأن الفساد ينخر في بنيته الداخلية، ويتمدد في أوصاله.
انا احتج على مواقف القوى السياسية العربية من سورية، ليس لدعم النظام ضد الولايات المتحدة، فهذا موقف لا مراء حوله، لكن بسبب تجاوز كل دروس الماضي وتجاهل الأخطاء السابقة، فأين العقل!
أما مقال الزميل الاستاذ باكير حول العقل في اتهام سورية، فأقول يا استاذي العقل هو الا تكون مقالاتك كلها ذات طابع واحد ثنائي مانوي، والا تغيب التحليل المنهجي لصالح افكار سياسية مسبقة معلبة، والا تمارس اختزالا للعقل في اتجاه واحد.
انا شخصيا استبعد تورط سورية في اغتيال تويني، لكن مشكلة باكير أن مقالاته كلها تنطوي على موقف ايديولوجي مسبق مؤيد لسورية، وهو ما يفقد أي كاتب منطق التحليل المعلوماتي الحقيقي، وهي مشكلة يعاني منها كتاب إسلاميون كثيرون اليوم.
في محصلة هذا التعقيب اثني على ما ذكره الاستاذ خالد واحيل الى مقال مهم لبرهان غليون في موقع الجزيرة نت بعنون "إعادة تعريف الوطنية"، فأنا مع تجاوز لغة الخيانة والاتهام الدارجة دوما في التحليل السياسي والفكري العربي.


سعيد إبراهيم

الحمد لله الذي بدأ الوعي يظهر في نفوس و عقول المسلمين و بدأنا تقرأ عن فضح و مصائب النظام السوري و خاصة في لبنان، نحن سنة لبنان عانينا الكثير من الحكم السوري و منذ زمن طويل و لم يلتفت إلينا أحد، لقد قمع الحكم السوري المسلمين السنة في لبنان و خطف منهم من خطف و زج بالكثير منهم في السجون و إغنال رموزهم الدينية، كما أنه قوى جماعة الأحباش و الشيعة و حارب الوجود الفلسطيني لمجرد أنه رمز سني وليس بسبب الفوضى و التجاوزات التي مارستها بعض الفصاءل الفلسطينة في لبنان، كما أننا لا ننسى كيف هرب الجيش السوري عام 1982 من أمام الجيش الإسرائيلي و كيف بقي الجنود السوريون السنة فقط في وجه الدبابات و الطائرات الإسرائيلية حتى أن بعض هؤلاء الجنود السنة كانوا يقرعون أبواب البيوت في الجبل (منطقتي عاليه و بحمدون) ليطلبوا من الناس ملابس مدنية كي لا تصتادهم المروحيات اليهودية. أين كانت الممانعة السورية آنذاك؟؟؟ طبعاً كان المهم تطوير و إنماء ما يسمة "الدراما السورية" التي يعتبرها الحكم السوري الإنجاز الوحيد في هذا البلد المسلم، فالجامعات و الإقتصاد و الصناعة و الزراعة و الإعلام و الصحافة و التعلم و الحياة الدينية الصحية كلها ليست مهمة بقد ما هو التمثيل مهم إذ يجب أن يخدر الشعب و يلتفت عن الأمور الأساسية، و يقول بعض المحللون الإقتصاديون أن في الأصل على اللبنانيين أن يشتغلوا في سوريا و ليس العكس بسبب الخيرات و المصادر الطبيعية التي أنعم الله بها على هذا البلد، لكن من المؤسف و بسبب فوضى و إهتراء الحكم السوري يهاجر عشرات الألوف من السوريين ليعملوا في لبنان مع العلم ان الكثير منهم يكون في المخابرات السورية. على كل نحن السنة في لبنان مخطئون فالخطأ فينا أولاً لأننا لا نتعاون و لا نحب بعضنا و لا نساعد بعضنا لذلك تداعت علينا الويلات اليهودية و النصرانية و العلوية و الشيعية.

سعيد إبراهيم - لبنان