قراءة في خطاب الزرقاوي حول تفجيرات عمان

2005-11-22 | محمد أبو رمان قراءة في خطاب الزرقاوي حول تفجيرات عمان

قبل التمعن في قراءة خطاب الزرقاوي الأخير لا بد من القول: إنه لا يوجد أية حجة أو لغة يمكن أن تبرر أو تفسر قتل المدنيين الأبرياء العزل أيا كانت الأهداف السياسية وراء عمليات القتل والتفجير، سواء اتفق معها البعض أو اختلفوا. بل إن أهم الأهداف السياسية في مقاصد الشريعة الإسلامية هو "الأمن"؛ النعمة التي منّ الله بها على قريش — وهي مشركة- "وآمنهم من خوف". فكيف يكون الأمر مع شعب مسلم معروف بمواقفه الوطنية والقومية والإسلامية المشرفة! وإذا ما تعارضت أي أهداف سياسية معينة مع الأمن والاستقرار أو كانت ستؤدي إلى فتنة وإزهاق أرواح ودماء فإن الأمن يقدم عليها، كما يرى علماء المقاصد وشوامخ الفكر الإسلامي.

إذن، مرافعة الزرقاوي في الدفاع عن "جريمة عمان" بأهداف سياسية تبدو شاقة للغاية وغير مقنعة، لأنها تتناقض مع ما رآه الناس بأم أعينهم من ضحايا تلك التفجيرات. بل من الواضح أن العشرات الذين قتلوا، والمئات الذين أصيبوا ومقدار الحزن والدمار جراء التفجيرات، كل هذا وقع بدم بارد دون أدنى احتراز في دماء الناس وحياتهم وحرماتهم!

كما لا يخفى على أحد أن أي تفجير في مكان عام سيؤدي إلى قتل أبرياء وسفك دماء مدنيين، ولا يجد وصفا أدق من صفة العمل التخريبي وجريمة ضد الإنسان تتناقض مع روح الشريعة وفلسفتها ونصوصها المتواترة.

أولى الملاحظات على خطاب الزرقاوي أنه يختلف تماما عن خطاباته السابقة، فهو يبتعد عن موقفه العقدي الصارم في الحديث عن تفجيرات عمان، وفي الموقف من النظام الأردني، ويقدم خطابه من خلال لغة سياسية تعتمد على مصادر إعلامية غربية ويقدم شروطا سياسية لوقف عملياته في الأردن. وهو بذلك إذ يحاكي الرجل الثاني في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري من خلال لغة الشروط والتفاوض السياسي، فإنه يمثل بهذا الخطاب "زحزحة" من خندق معسكر اليمين في "السلفية الجهادية"، الذي يقف عند الموقف الشرعي العقدي، ولا يقبل بما يمسى "المرونة السياسية" التي كان يتمتع بها قادة تنظيم القاعدة وعلى أساسها أقاموا تحالفهم مع طالبان سابقا. ولعل "الموقف اليميني" للزرقاوي هو الذي حال بينه وبين مبايعة أسامة بن لادن سابقا. بالتأكيد لا يمكن البناء على هذا الخطاب، لكن ما يمكن قوله الآن على الأقل إن خطاب الزرقاوي الجديد مختلف تماما عن المنطق الفكري الذي يحكم مواقفه السياسية.

المهمة الرئيسية لخطاب الزرقاوي تتمثل في إدارة المعركة الإعلامية الكبيرة مع الأردن؛ إذ نجح الإعلام الأردني من وضع البعد الإنساني في بؤرة التركيز الإعلامي والسياسي وسحب البساط من تحت أقدام القاعدة وكسر شوكتها الاجتماعية، مما أثار بلبلة وجدلا كبيرا داخل أوساط مؤيدي ومناصري القاعدة الأمر الذي يمكن تلمسه من خلال "المنتديات الجهادية" على شبكة الانترنت. ويأتي خطاب الزرقاوي لإعادة الاعتبار للبعد السياسي من خلال الحديث عن أهداف سياسية تتعلق بالدور الأردني في العراق، وبعلاقة الأردن الأمنية مع الولايات المتحدة، وهو بذلك يضرب على وتر العواطف الشعبية الجارفة من الولايات المتحدة وإسرائيل ومن احتلال العراق. ولعل الحكومة الأردنية محظوظة في أن خطاب الزرقاوي لم يبث منه إلا جزء صغير متعلق بشروطه، وأن الخطاب الذي استمر قرابة سبع وعشرين دقيقة لم يبث كاملا، وإلاّ بالتأكيد كان له الأثر الكبير، إذ إن الرأي العام العربي متحفز لسماع مثل هذا الخطاب الثوري في ظل شروط سياسية ومناخ مستفز ترتفع فيه موجة العداء للولايات المتحدة الأميركية.

في تقديري، لا تكمن "أهمية" خطاب الزرقاوي في شروطه السياسية، فهو يعلم مبدئيا أنها مرفوضة من قبل الحكومة الأردنية، وإنما في إعلانه حربا مفتوحة ذات أبعاد أمنية وسياسية واقتصادية على الحكومة الأردنية. ولعل عنوان الخطاب ذاته ذو دلالة "ذق إنك أنت العزيز الكريم"، وهو بهذا يوجه الخطاب إلى العاهل الأردني ويتوعده ويهدده بالقتل. ويوجه رسالته من بعده إلى الأجهزة الأمنية الأردنية، التي فيما يبدو للزرقاوي ثأر شخصي معها. ويحاول من خلال تأكيده على أنه استند إلى معلومات أمنية داخلية وخارجية قبل أن يهاجم الفنادق أن يوجه رسالة إلى النظام الأردني فحواها: "إذا كنت أستندُ إلى معلومات أمنية ومراقبة ونشاط سابق، فأين جهاز المخابرات الأردني المعروف بكفاءته وقدراته؟! إنه اليوم عاجز أمام المرحلة الجديدة من التخطيط والعمل" وقد أكد الزرقاوي على هذه المسألة من خلال قوله أن "ساعة الصفر" قد أتت.

أما مطالبة الزرقاوي الأردنيين بالابتعاد عن الفنادق والأماكن السياحية ووجود الجاليات الأجنبية، وذكره للعقبة والبحر الميت ومدينة الحسن الصناعية كمراكز وأوكار للغربيين، فالرسالة لها دلالاتها المختلفة، وهي أن هذه المنشآت مستهدفة. وهو ما يعني حربا أمنية واقتصادية كبيرة وخطيرة. مبدئيا استطاع الاقتصاد الأردني استيعاب الضربة السابقة، لكن إذا تمكن الزرقاوي من تنفيذ تهديده والقيام بعمل آخر، فإن الاقتصاد الأردني سيتدهور وسينعكس الأمر على الاستثمار الكبير الذي تشهده العاصمة عمان.

ماذا يعني ذلك؟ يعني: أن الحكم الأردني اليوم أمام تحدي كبير وحقيقي، وأن الزرقاوي الذي خرج من الأردن قبل سنوات مع عدد قليل من أتباعه مطاردا ، له اليوم مئات الأنصار والأتباع خارج الأردن لديهم القابلية للقدوم للأردن وفقا لتعليماته ورؤيته. وهو ما يعني أيضا أن قواعد المرحلة السابقة قد انتهت وأن "المعادلة الأمنية" قد انقلبت وأن قاعدة البيانات والمعلومات السابقة التي كانت تتعامل بها الأجهزة الرسمية الأردنية لم تعد مؤهلة لمواجهة المرحلة الجديدة، وأن تحدي "السلفية الجهادية" أصبح وافدا معقدا استفاد كثيرا من شروط الحالة العراقية. وإذا كانت المصالح الغربية ورموز السيادة الأردنية هي المستهدفة في المرحلة السابقة، فإن مرافق الدولة الرسمية وغير الرسمية والخاصة والعامة تمثل أهدافا في المرحلة القادمة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

صبري الفضول

جزاك الله خيرا أخي الحبيب على هذا الطرح المميز!
ومن قراءة قوله تعالى : (مَن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأ نّما قتل الناس جميعاً ومَن أحياها فكأ نّما أحيا الناس جميعاً)
(ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق ) (الإسراء / 33) .
( .. ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله إلاّ بالحق .. ) (الفرقان / 68) .
(وإذا الموؤودة سئلت بأيِّ ذنب قتلت ) (التكوير / 9)

أترضى أخي العزيز أن يحدث ذلك مع أهلك وتصاب في أخيك أو أبيك؟؟أهذا جهاد؟؟
أسأل الله الهداية لنا جميعا


ابو عمر

لا أدري لماذا الهجوم على من نذر نفسه للدفاع عن دين الله وأعراض المسلمين والتغاضي عن الذين يقوموا بتفجير العقيدة ليلاً ونهاراً بأموالهم ويشيعوا الفاحشة بين المسلمين .
حقيقة لاأقول الا أنه زمن المفاهيم المعكوسة وغربة الدين ولا حول ولا قوة الا باالله العلي العظيم ،وأكاد أجزم ان أحد من هؤلاء المتسلطين على المسلمين قام بتفجير مدينة كاملة للتخلص من شخص واحد لما رأينا مقالات في العصر لهذا الكاتب أو غيره تنتقد هذا الفعل .
طوبى للغرباء


ابو عمر

لا أدري لماذا الهجوم على من نذر نفسه للدفاع عن دين الله وأعراض المسلمين والتغاضي عن الذين يقوموا بتفجير العقيدة ليلاً ونهاراً بأموالهم ويشيعوا الفاحشة بين المسلمين .
حقيقة لاأقول الا أنه زمن المفاهيم المعكوسة وغربة الدين ولا حول ولا قوة الا باالله العلي العظيم ،وأكاد أجزم ان أحد من هؤلاء المتسلطين على المسلمين قام بتفجير مدينة كاملة للتخلص من شخص واحد لما رأينا مقالات في العصر لهذا الكاتب أو غيره تنتقد هذا الفعل .
طوبى للغرباء


وليد الغنيمى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الاستاذ الكريم تحية طيبة وبعد اتمنى من الله عز وجل قبل ان اموت ان اجدك انت ومن اصبح متخصصاً فى الهجوم على الزرقاوى او القاعدة او اى مقاومة اسلامية للمحتل الكافر ومن شايعهم تكتب عن الحكام الموالون للكافرين لا لان تنقدهم حاشى لله ولكن لكى تستعطفهم وترجوهم وتبين لهم ان فتح بلاد المسلمين للكافرين واقامة القواعد العسكرية لضرب المسلمين ان هذا كفر بالدليل الشرعى الذى دائماً تتكلم عنه ولا تاتى باى منه فى كتاباتك ارجوا يا اخ ابو رمان ان تنصح العاهل الاردنى بان الاقتصاد الذى يقوم على سياحة الدعارة والقمار والخمر وانتهاك الاعراض ليس الا اقتصاد الشواذ ارجوا ان تقول له ان اعتقال المسلمين وتعزيبهم بابشع انواع التعذيب لصالح الكافرين هو موالاه لهم. العاهل الاردنى الذى يحمل صفة ضابط فى الجيش الانجليزى حتى الان يستعد للقيام بدور الكويت لضرب سوريا بالتعاون من فرعون مصر بنقل القواعد العسكرية من دول الخليخ (عفواً قبائل الخليج) الى الاردن حتى يسهل ضرب سوريا اليست هذه مولااه بالدليل الشرعى
اتقى الله ياابو رمان


وليد الغنيمى

السلام عليكم ورحمة الله
الاخوة الاعزاء القائميين على مجلة العصر اناشدكم الله اناشدكم الله اناشدكم الله ان تكفوا عن نشر مثل هذة المقالات التى سوف تقتلنا كمداً


ابو سعد

بغض النظر عن الموقف من تفجيرات عمان فيبدو من الأخ ابو رمان ويفهم من كلامه استهانة بمن يتمسك بما يعتقده ويكون مخلصاً لعقيدته , وذلك في لمزه للزرقاوي بقوله : (فهو يبتعد عن موقفه العقدي الصارم في الحديث عن تفجيرات عمان، وفي الموقف من النظام الأردني، ويقدم خطابه من خلال لغة سياسية تعتمد على مصادر إعلامية غربية ويقدم شروطا سياسية لوقف عملياته في الأردن.) فكأن التمسك بالعقيدة نقيصة ولابد للمرء أن يكون سياسياً براغماتياً ؟؟

اما اللغة السياسية والاعتماد على مصادر غربية فليست المرة الأولى التي يفعلها الزرقاوي بل فعل ذلك في تسجيلات سابقةله .


ابو عبد الرحمن

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد فكل من عمل للإسلام لابد ان يحصل منه الخطاء ونحن امة وسط فيجب علينا أن نقول للمحسن أحسنت وللمسئ اسأت وهذا لايضير ابدا بل هو من خصائص هذه الأمة المرحومة المنصورة فهذا محمد صلى الله عليه وسلم يعاتبه ربه في اسرا بدر حين قبل الفديه وما احسن ان يوجد فينا من يقوم اعمالنا فيرد شاردنا ويقوم معوجنا ولنتعاون على البر والتقوى والله اعلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته