في النتيجة 'المذهلة' للإخوان المسلمين!

2005-11-18 | طارق ديلواني في النتيجة 'المذهلة' للإخوان المسلمين!

أذهلت نتيجة المرحلة الأولى من الانتخابات المصرية الشارع المصري والمشهد السياسي هناك، خاصة المنافس الأكثر تضررا ونعني به الحزب الوطني الحاكم، الذي مني بخسارة كبيرة في انتخابات الإعادة، التي أثبتت أمرين، أولهما حجم حضور الإسلاميين وتعطش الشارع المصري للبديل الإسلامي، وحجم التزوير الذي مارسته أجهزة الدولة المصرية.

النتيجة كانت مذهلة بالفعل لأنها تجسد ما هو أكبر وأبعد من حجم حضور الإخوان. فهذا الفوز غير مسبوق في تاريخ الجماعة، ولم يسبق لأي قوة معارضة الفوز بهذا العدد من المقاعد في البرلمان منذ اعتماد التعددية الحزبية في مصر عام 1976.

ومن المتوقع أن تستميت أجهزة الدولة المصرية ومؤيدو الحزب الوطني في المراحل المقبلة لمنع تقدم الإخوان، ومن المتوقع أيضا إذا ما استمر هذا الاكتساح، أن يسفر الأمر عن تكثيف الضغط لتشكيل حزب سياسي إخواني كمخرج قانوني لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة.

النتيجة "المذهلة" أيضا لم ترض أطيافا كثيرة في الشارع المصري، من بينها الأقباط الذين لا يرغبون في المزيد من السيطرة الإخوانية على الشارع و"أدلجته"، والقوى السياسية المناوئة تاريخيا للإخوان وبعض التيارات الإصلاحية المتأمركة.

وبالمقارنة مع نتيجة تجربة الإخوان في انتخابات عام ، فما تحقق اليوم كبير جدا، إذ لم يحصدوا آنذاك سوى على سبعة عشر مقعدا، فهل من مؤشرات ودلالات؟!

الدلالة الأولى، هو ارتكان الشارع العربي عموما إلى الخطاب والمشروع الإسلامي في وقت يواجه فيه هذا الخطاب حربا ضروسا تتهمه بالإرهاب تارة وبالرجعية تارة أخرى وبالإفلاس حينا.

والدلالة الأهم أن ثمة تغييرات بنيوية في منظومة التفكير الإخواني دفعت بالجماعة إلى استخلاص العبر وتجاوز أخطاء الماضي وتجديد الخطاب وتحريك قضايا الإصلاح الداخلي، لكن فوز الإسلاميين في مصر لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الحراك الإقليمي الراهن، والذي يولي الإسلاميين أهمية كبرى، والحديث هنا عن إفساح المجال للتيارات الإسلامية المعتدلة، ويمثلها الإخوان المسلمون، أمام التيارات المتشددة. وصعود نجم إخوان مصر ربما يكون مقدمة لصعود نجم تيار التوجه الإسلامي المعتدل في المنطقة كلها، ربما في سوريا والأردن أو غيرهما من الدول.

نعم لا يزال الوقت مبكرا للحكم على النتيجة النهائية، إلا أن ما حدث يكشف عن صراع قطبين في الساحة المصرية، وهما النظام ممثلا بالحزب الوطني، والشارع المصري ممثلا بالإخوان، ومهما كانت النتيجة المقبلة، فالفائز الأكبر هم الإخوان المسلمون.

وفي حال سارت الأمور دونما منغصات أو تجاوزات، فمن المتوقع أن يحصد الإخوان في المرحلة الثانية ما لا يقل عن 30 مقعدا من أصل 60، خاصة وأن دوائر هذه المرحلة الانتخابية تعتبر مركز ثقل للإخوان، مثل محافظات الغربية والإسكندرية والبحيرة وبورسعيد.

كان لافتا إذا أن الإخوان اتبعوا تكتيكات انتخابية جديدة هذه المرة رغم قلة المشاركة الانتخابية، ففيما يزيد عدد من لهم حق الإدلاء بأصواتهم عن 10ملايين ناخب، إلا أن إجمالي من أدلوا بأصواتهم لم يتجاوز 2 مليون، وهي إشارة واضحة إلى عدم اطمئنان الناخبين إلى نزاهة الانتخابات.

نتمنى اكتساحا مشابها في المراحل المقبلة للإخوان حتى تكون بداية التغيير عنوان المرحلة السياسية المقبلة في المنطقة كلها، وفي مقابل ذلك نتوجس خيفة من الحق الأمريكي الذي أريد به باطل عبر دعم سياسة الانفتاح السياسي والاحتكام إلى صندوق الاقتراع.

فهذا كله يأتي في وقت تكشف فيه مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة عن دراسة حول إمكانية إشراك إسلاميي الشرق الأوسط تحديدا في السلطة.

فهل توافق الإخوان داخليا على جدلية الدخول في السلطات وفق المنظور الأمريكي في المنطقة للإصلاح والتغيير؟ وفي موازاة ذلك، نعتقد بضرورة التنسيق والمقاربة بين الإسلاميين سياسيا والعمل على أساس أن هنالك ساحة واحدة لا ساحات متباعدة.

الإخوان اليوم إذا على مفترق طرق وهم يخوضون معركة التأقلم مع المتغيرات والانحناء حينا ورفع الرأس حينا آخر، ولا نملك إلا أن ندعو لهم بالتوفيق والسداد.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر