منطق الانسحاب الأمريكي من العراق -4-

2005-11-18 | ترجمة: علي حسين باكير منطق الانسحاب الأمريكي من العراق -4-

المصدر: فصلية واشنطن الصادرة عن مركز الدراسات الإستراتيجية و الدولية، عدد ربيع عام 25، ص67-80.

* مستقبل الإستراتيجية الأميركية:

طبقا للسياسة الأميركية الحالية، فقد ألزمت واشنطن نفسها بالدفاع عن الحكومة العراقية المنتخبة حديثا. وستكون الولايات المتحدة مجبرة لاحقا على التعامل مع النزاع السياسي العراقي الداخلي الذي يمكن أن يتطور بسهولة إلى حرب أهلية بين الإسلاميين والوطنيين، بين السنة والشيعة، بين الأكراد والعرب، بالإضافة إلى التنافس بين المستبدين الجدد للحفاظ على استقرار النظام وشرعيته وعلى المصالح الأمريكية أيضا. وسيكون على الولايات المتحدة أن تتساءل في هذا الوضع عن مدى سيطرتها على النظام الذي تدعمه؟ وهل ستدعم هذه الحكومة السياسات الأمريكية المحلية؟ أم أن حكام بغداد الجدد سيتوجهون إلى توثيق علاقاتهم بالدول العربية ليبرهنوا عن وطنيتهم ورصيدهم الإسلامي، وبالتالي يكون ذلك برفض وتجاهل الإملاءات الأمريكية؟.

وبالرغم من أن الولايات المتحدة ستنجح في إجراء انتخابات حرة وصياغة دستور، مع إنفاق مليارات إضافية من الدولارات وخسارة مئات إضافية في الأرواح، لكنها لن تكون قادرة على توقع زيادة حجم التعاطف معها من قبل النظام العراقي الجديد. أضف إلى ذلك أن كل هذا يعتمد على وجود السيستاني المستمر كعامل مساعد، لأن موته على سبيل المثال سيخلق حالة ووضعا صعبا جدا.

وهذه شروط غير مواتية لبقاء الولايات المتحدة في العراق، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تتوقع مساعدة دولية حقيقية تمكن من إيجاد حكومة عراقية شرعية ومنتخبة ديمقراطيا. لقد كتب كيسينجر يقول: "الطريقة الواقعية لتوفير الاستقرار في العراق هي في تدويله والحصول على الدعم الداخلي الثابت في أمريكا"، وقال أيضا: "ينبغي على الدول الأخرى أن يشاركوا على الأقل في مسائل إعادة البناء السياسية والاقتصادية". نعم ينبغي عليهم ولكنهم لن يفعلوا، فباستثناء المملكة المتحدة فإن أي مساعدة هامة، استثمار، أو مساهمات عسكرية في العراق، هي إسهامات جد محدودة.

العالم العربي أيضا، لن يقدم المساعدة للولايات المتحدة بعيدا عن أي جهود أو تنازلات أميركية فيما خص النزاع العربي الإسرائيلي، باستثناء الأردن الذي يساهم بشكل نشط مع الولايات المتحدة الأميركية. فالنجاح الأميركي في العراق يتعارض بقوة مع مصالح الحكومات العربية، لأنه يعطي الولايات المتحدة قدرة أكبر على التأثير في المنطقة، بحيث يشجع ضغطها مواطني الشرق الأوسط على المطالبة بالإصلاح والديمقراطية في بلدانهم. وهكذا، بالرغم من أن المسئولين الأميركيين يواصلون إعلان القوائم الطويلة على مسامع البلدان الداعمة، لكن الولايات المتحدة ستكون لوحدها دائما باستثناء الدعم البريطاني أمام القضايا الكبيرة.

قبل الحرب، كان لدى المسئولين والضباط العسكريين الأميركيين توقعات غير واقعية حول وجود أميركي واسع النطاق وطويل المدى في العراق. وأخفقت لولايات المتحدة في وضع إطار زمني للانسحاب من العراق. هذه العوامل أدت إلى زيادة حجم الشكوك العراقية التي يغذيها أصلا إثارة القوى الراديكالية المحلية والعربية، وكذلك الإعلام الرسمي العربي الداعم لها.

وأصبح المتمردون قادرين على القول بأن العنف ضروري لإجبار الأميركيين على المغادرة.. ومع استمرار الوجود الأميركي في العراق، فإن الولايات المتحدة تزود المتمردين بالحجة اللازمة لإقناع العراقيين الشيعة الذين سيدركون أن كلام الإرهابيين صحيح حول وجود نوايا عدائية لدى الولايات المتحدة تجاه الإسلام، وأنها تريد تدمير العراق والسيطرة عليه وتدمير الإسلام أيضا.

وبربط الخروج الأمريكي أيضا بقضية تحقيق الاستقرار وتثبيت الديمقراطية في العراق، فإن المتمردين سيسطرون على الوضع، إذ إنه باستطاعتهم أن يمعنوا في استعمال العنف من أجل تخريب الاستقرار وبالتالي دفع القوات الأمريكية للبقاء مدّة أطول بناء على حجتها تلك، ثم يدعون أنهم يستعملون القوة من أجل إخراج القوات الأمريكية. فهل ستغضب القوات الأمريكية في هذه الحالة النظام ذي الأكثرية الشيعية للدفاع فيما بعد عن حقوق الطائفة السنية في حال انتهاكها، والتي يمتلك قادتها من السنة عداء كبيرا للولايات المتحدة؟ وإذا ما أرادت الحكومة الجديدة أن تسحق التمرد بطريقة تتعارض مع المعايير الأخلاقية والقانونية الأمريكية، فهل ستتدخل لتوقف ذلك؟

تبني إستراتيجية انسحاب أميركي، سوف لن يكون ناتجا عن حالة جبن أو غباوة، لكنها ستكون الخيار الأفضل من بين مجموعة خيارات غير جذابة. فبدلا من أن يكون التأثير الأميركي على العراق من خلال الوجود العسكري، يمكن للولايات المتحدة أن تتبنى إستراتيجية تأثير غير مباشرة، تدعم من خلالها البناء الاقتصادي والسياسي وتهدف إلى قيام علاقة حسنة مع الحكومة الجديدة. فالهدف سيكون إنشاء علاقات إستراتيجية مع النظام العراقي الجديد أقوى من العلاقة مع مصر ومشابهة للتحالف مع الأردن. ومع انتهاء العام 2005، على الولايات المتحدة أن تخطط لانسحاب منسق مع الحكومة العراقية الجديدة.

فالبقاء الطويل في العراق سيضع الولايات المتحدة في مواجهة الحكومة العراقية والأغلبية الشيعية. وأمريكا إذا ما بقيت، فإنه سيتم تحميلها مسؤولية كل نزاع داخلي، وإثم كل خطأ يرتكبه النظام الجديد أيضا، وعلى أمل أن تدفع الانتخابات الشعب العراقي وزعمائه إلى الديمقراطية والتعاون والوحدة والسلام، فإنه يمكن للولايات المتحدة في هذه الحالة أن تتعامل مع الحكومة العراقية الجديدة كشريك حقيقي يمكنه تحمل مسؤولية البلاد. وبغض النظر عن النتيجة، فإن هذا هو الوقت المناسب لفهم المسائل، وبدلا من أن تجبر الأزمات الأمريكيين على المغادرة وبالتالي الهزيمة المذلة، ليس هنا خيارات مثالية، هناك خيار واقعي واحد.

*باري روبين: مدير مركز الأبحاث العالمي للشؤون الدولية "غلوريا"، مركز الجامعة في "هرتزليا- إسرائيل" ورئيس تحرير مجلة مراجعة الشرق الأوسط للشؤون الدولية "ميريا".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر