آخر الأخبار

منطق الانسحاب الأمريكي من العراق -3-

2005-11-15 | ترجمة: علي حسين باكير منطق الانسحاب الأمريكي من العراق -3-

المصدر: فصلية واشنطن الصادرة عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، عدد ربيع عام 2005، ص67-80.

* الرد على منتقدي الانسحاب:

إحدى أكثر الحجج القويّة ضد الانسحاب الأميركي المبرمج والمنظم، المخطط له والمرحلي من العراق، تتعلق برغبة الإدارة الأميركية بالبقاء في العراق من أجل الحفاظ على سمعتها الخاصة وعلى المصداقية الأمريكية. ويعتبر صناع السياسة الأمريكيون، أن الإصرار على عدم الانسحاب من العراق هو الطريق الوحيد لضمان مستوى عال من المصداقية للولايات المتحدة تجاه خصومها في المنطقة. ويجادلون بأن الانسحاب الأمريكي من العراق كما فعلت في فيتنام، أو السماح بهزيمة حلفائها كما حصل مع الشاه في إيران، سيرسل إشارات خاطئة إلى المتمردين وستعتقد القوى الراديكالية أنها قادرة على مهاجمة المصالح الأميركية وتجاهل تهديداتها.

ورغم أن هذه الحجة تبدو مقنعة، إلا أنها لا تعكس بدقة الوضع الحالي في العراق، إذ إن الولايات المتحدة قد أنهت نظام صدام وأسقطته وأثبتت مصداقيتها. لكن كون الولايات المتّحدة تخوض حربا لا نهاية لها في العراق، فإن هذا سيضعف من موقفها ومكانتها في المنطقة. فالولايات المتحدة غارقة الآن في العراق لدرجة أنها عاجزة عن مباشرة أي عمل أو اتخاذا أي قرار يتعلق بأية قضية أخرى في المنطقة، أو في أي مكان آخر في العالم، وأعداؤها يدركون ذلك جيدا. فالوجود الأمريكي في العراق تم استخدامه كموضوع لحشد وتعبئة المؤيدين والمناصرين ضد هذا الوجود. وقلة الانتصارات الأمريكية تم تصويرها كدليل على ضعفها، والأخطاء الأمريكية السيئة تمّ تضخيمها للدلالة على أن للولايات المتحدة نوايا سيئة وشريرة تجاه العرب والمسلمين.

علاوة على ذلك، فقد أصبح العراق نقطة تجمع مركزية لجميع الجهاديين المعاديين لأمريكا، وساحة لحرب سرية من قبل إيران وسوريا ضدها أيضا. وجرى إشغال الولايات المتحدة في العراق مما منعها من اتخاذ أي إجراء جدي تجاه البلدين، حيث قُدمت المساعدة المالية وتدفق المتطوعون السعوديون والآخرون المنقادين بشعور معادي للأميركيين. وعندما تنسحب القوات الأميركية من العراق، ستتحرر واشنطن من هذه الضغوط وتعود إليها قوتها الهائلة والرادعة، والقدرة على استخدامها ضد أعدائها إذا ما استثاروها بشدة.

إن تحسين مكانة القوة الإستراتيجية الأميركية في العراق ستنسحب أيضا لجهة الحرب على الإرهاب. لقد نقل الإرهابيون الإسلاميون السنة عملياتهم الرئيسية إلى العراق، حيث يريدون استعادة أمجادهم ثانية كما فعلوا في أفغانستان إبان محاربة السوفييت. ويتفاخر أسامة بن لادن بأن الوجود الأمريكي في العراق وعدم قدرته على هزيمة المتمردين، يحول ذلك إلى أداة جيدة للتجنيد، أو عندما يصير رحيل الولايات المتحدة من العراق أمرا حتميا، سيدعي الإرهابيون أنهم حققوا النصر وهزموا الولايات المتحدة، وبهذا يكسبون مزيدا من المؤيدين ليقوموا بثورات إسلامية في أماكن أخرى. لكن نهاية ما بعد الاحتلال لن تكون سعيدة للإرهابيين، كون النظام العراقي سيهزمهم ويكذب أطروحاتهم أكثر مما استطاعت الولايات المتحدة أن تفعله.

حجة أخرى ضد الانسحاب من العراق، وهي أن ذلك يؤدي إلى ترك العراقيين يواجهون ديكتاتورية فظيعة. لكن هذا المنطق قد أصبح ملغيا، إذ أبطلته الحكومة العراقية المنتخبة، والتي تعكس رغبة الأغلبية، وهو أكثر ما يمكن إنجازه واقعيا في الوقت الحالي، ولا شك أن تشكيل حكومة منتخبة لفترة ما بعد الديكتاتورية يعد تطورا لافتا وملحوظا.

لكن ومع ذلك، فقد يقول البعض إن على الولايات المتحدة البقاء لأن هناك من العراقيين من يريد ويدعم وجودها ويحتفظ بآراء ايجابية تجاهها. فبعد أن تم خلع صدام، طمع الكثيرون أن يتم تحسين الأوضاع المعيشية في ظل الوجود الأمريكي، كما توقع الشيعة أن يقوم الأمريكيون بتسليمهم السلطة بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما دفع السيستاني إلى الصبر وحث مؤيديه على تجنب الصدام مع القوات الأمريكية، ووقف أي تمرد حتى لو كان شيعيا، مثل تمرد مقتدى الصدر الذي أراد أن يقاتل القوات الأمريكية.

فالسيستاني وآخرون مثله فكروا أنه لماذا عليهم أن يخوضوا حربا ضد القوة الأولى في العالم طالما أنها ستسلمهم السلطة وتخرج بعد ذلك من العراق. لكن بقاء القوات الأمريكية الآن في العراق، قد يدفع الشيعة إلى القول بأن القوات الأمريكية تعرقل سيطرتهم الكاملة على السلطة وتمنعهم من ممارستها، وبالتالي يؤدي ذلك إلى ازدياد الغضب الشيعي والعنف حتى ضد وجود قوات التحالف نتيجة لظهور الشعور الذاتي في المصلحة والحفاظ على الذات.

وفي هذه النقطة بالذات ستصبح الولايات المتحدة عدوتهم بعد أن كانت حليفتهم. وإذا حصل مثل هذا السيناريو فإنه سيكون بمثابة الكابوس الذي يؤدي لأن تصبح العراق دولة تابعة بأكملها لإيران وعدوة لأمريكا. ففي الظروف العادية، وكضمانة ضد هكذا نتيجة، فإن الحل يكمن في تمكين الشيعة من تحقيق سلطة ناجزة بالكامل. ففي هذه الحالة لن يكون على الشيعة أن يذعنوا لأوامر إيران غير العربية، والتي مات في المواجهة معها سنة 1980-1988 العديد من الشيعة الذين قاتلوا ضدها في الحرب العراقية الإيرانية.

ومحاولات إيران لتخريب الوضع في العراق وعرقلة الحكومة العراقية، سيدفع العراقيين إلى الانقلاب على طهران بشكل أكيد وفعال وبطريقة ما كان بمقدور الولايات المتحدة أن تفعل مثلها. والطريقة الوحيد التي ستجعل من شيعة العراق إلى جانب إيران، هي اعتقادهم أن الطريقة الوحيدة لإخراج أمريكا هي في التعاون مع إيران، فعلى الولايات المتحدة أن تخرج قبل حصول ذلك.

* رفض أسلوب الأُمنيات:

إن أسوأ نتيجة مستقبلية محتملة، هي في أن ترى الحكومة الأمريكية إستراتيجيتها العسكرية تنهار، وأنها تحاول وتفشل في معالجة مواضيع شائكة أخرى، مع صعوبة تغطية الحقيقة القائمة. وعندها سيتم مزاوجة الادعاءات الزائفة عن تحقيق تقدم في قتال التمرد، مع جهود إخفاء تزايد مشاكل الحكومة العراقية الفاشلة والعدائية. هذه الأوضاع ستقسم الرأي العام الأميركي بشكل مرير، وسيكذب الرئيس الأميركي، مما سيفسد قدرة أمريكا على التأثير في الأحداث العالمية.

وهناك سبب وجيه للخشية من قوة التفكير عبر الأماني لأنها تؤدي إلى نتائج كارثية، وهي بالفعل أدت إلى ثلاث كوارث سياسية رئيسية في السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط، وهو أنها بالغت واشنطن في تقدير قوة المعتدلين، وحتمية البراجماتية، والمنافع الموضوعية لأعداء الأميركيين.

فخلال عملية أوسلو للسلام، على سبيل المثال، اقتنع صناع السياسة الأميركيين والنخب السياسية في الولايات المتحدة بأن تاريخ الهزيمة والمعاناة سيقنعان الزعماء الفلسطينيين والدول العربية بعقد سلام مع إسرائيل، إذا ما وضعت أمامهم صفقة جذابة. لكن في الحقيقة، رفض ياسر عرفات شروط اتفاقية كامب ديفيد عام 2 وخطة كلينتون، لأنه اعتقد أن النصر سيكون حتميا فيما بعد. كذلك الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي تصرف بنفس الطريقة عندما رفض السلام بوساطة أمريكية مع إسرائيل في نفس العام. ثانيا، لقد أخطأت أمريكا قبل هجمات 11 أيلول عندما قللت من التهديد الذي يشكله الإرهاب الإسلامي الراديكالي. وأخيرا ولجهة العراق، تفاءل صناع السياسة الأميركيين وبشكل خاطئ بأن العراقيين سيكونون شاكرين وممتنين للولايات المتحدة لتحريرهم من صدام، وأنهم سيعتنقون الديمقراطية بلهفة.

ورغم أن تقييم الولايات المتحدة كان صحيحا في الشرق الأوسط لجهة أن الديكتاتوريات في المنطقة كانت سببا أساسيا في المشاكل التي تعاني منها، وأنهم كانوا يخفون عجزهم بلوم الولايات المتحدة، فإن ذلك لا يعني أن أمريكا تستطيع أن تصحح الوضع وتعالج المشكلة من خلال الإطاحة بالأنظمة.

حالات الفشل السياسية هذه تشير إلى أن الوقت قد حان من أجل مزج الأهداف النبيلة والنوايا الطيبة بتقييم واقعي لأوضاع المنطقة وفق معاييرها الخاصة.

ومن البداية، فإن الحرب على العراق وما نتج عنها من مفاعيل، تم النظر إليها من منظورين أساسيين: بالنسبة لمؤيدي الحرب، فقد جرى التوقع بأنه بعد قيام الولايات المتحدة بطرد سريع لصدام، فإن الشعب العراقي سيكشف عن الطبيعة المعتدلة في فطرته، إلا أن وجهة النظر هذه وهذا التوقع أثبتا فشلها. أما بالنسبة لمنتقدي الحرب، فقد اعتبروا أن الولايات المتحدة هي الطرف السيئ في العراق. مثل وجهات نظر هذه تم تغليفها بنظريات المؤامرة، لكي يتهموا أميركا بالعمل كبلد استعماري وامبريالي متلهف للنفط والقوة. وقد بدا هؤلاء النقاد كامتداد للعقائد القومية العربية والإسلامية المتطرفة التي تسيطر على الحديث الإقليمي.

رغم ذلك، وعلى نقيض الأفكار الشائعة عن إدارة بوش، فإن الحافز الأميركي الفعلي، بالرغم من الخطأ الإستراتيجي، كان حافزا تحرريا وإنسانيا، نظر إلى العراقيين كمتحضرين يتلهفون إلى الديمقراطية وتوقع منهم تصرفا عقلانيا وإقامة نظام سياسي سلمي وعملي، وقد تمنت الإدارة الأميركية بأن يرى العالم العربي العراق كبرهان على نواياها الحسنة وأن يرفض التطرف.

ونتيجة لهذه التصورات الخاطئة، دفعت السياسة الأمريكية في عراق ما بعد صدام ثمن أخطاء كبرى ارتكبتها مثل حل الجيش العراقي والدفع بأعداد قليلة جدا من القوات الأمريكية في صلب المعركة.

لكن الاختيار بين هاتين الرؤيتين الخاطئتين ترك مساحة بسيطة لحقيقة الوضع على الأرض. ورغم أن الأمريكيين كانوا يصرون على أن الديمقراطية تتقدم في الشرق الأوسط بشكل فعال، فإن المعارضين والخصوم ركزوا على مهاجمة الحوافز الأمريكية، والتأكيد أن العراق ليس جاهزا لمثل هذه القفزة.

من جهة أخرى، فإن قليلين أبدوا استعدادهم للاعتراف بأن الكراهية العامة، وثقافة العنف والتطرف، والقيادة بطموحات شخصية وعدم وجود إيديولوجيا بديلة للإسلاميين لديها قائد حقيقي وشعبي، كلها كانت عوامل باعثة على جعل مستقبل ما بعد الحرب قائما على المساومات والمفاوضات.

*باري روبين: مدير مركز الأبحاث العالمي للشؤون الدولية "غلوريا"، مركز الجامعة في "هرتزليا- إسرائيل" ورئيس تحرير مجلة مراجعة الشرق الأوسط للشؤون الدولية "ميريا".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر