منطق الانسحاب الأمريكي من العراق -2-

2005-11-11 | ترجمة: علي حسين باكير منطق الانسحاب الأمريكي من العراق -2-

المصدر: فصلية واشنطن الصادرة عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، عدد ربيع عام 2005,، ص67-80.

* تجاهل الحقائق السياسية العراقية:

على الرغم من أن الديمقراطية في الشرق الأوسط قد جرى الإعلان عنها من قبل الأمريكيين كهدف أساسي، إلا أنّ الفاعلين السياسيين في العراق ركزوا على مسائل البقاء وكسب السلطة، والتأكيد على هيمنة أتباعهم، وهزيمة أعدائهم بكل الوسائل، إضافة إلى تحصيل المنافع و المكاسب المادية. وفي غياب الاعتدال، ومجموعات المصالح الديمقراطية، تم سد الفجوة السياسية من قبل المنظمات الدينية والطائفية التي لها أهدافها الخاصة غير المرتبطة بالديمقراطية.

القوة السياسية الأكثر حضورا في العراق الممثّلة بالائتلاف العراقي الموحد، المدعوم من قبل آية الله علي السيستاني، ملتزم بالوصول إلى سيطرة الغالبية الشيعية لتكوين نظام إسلامي، مع العلم أنه غير راديكالي. وفي مقابل الحفاظ على تعاونهم المستقبلي، عرض الائتلاف (الذي يمثل الشيعة وهم حوالي 55% من السكان) على الأكراد (20 %) حكما ذاتيا محليا بإدارة محلية. واعتمادا على هكذا سياسة، فإنه من الممكن للائتلاف العراقي أن يتمكن من تأسيس دولة مستقرة وغير راديكالية وهي محبّذة جدا من أجل تحقيق المصالح الأمريكية، ولكنها لن تكون ديمقراطية بالكامل، على سبيل المثال، فإن حقوق النساء ستعاني من نظام موجه إسلاميا، كما أنه لن يشكل صيغة للسلام الداخلي باعتبار أن المسلمين السنة (20 — 25% من السكان) والمصدر الرئيسي للعنف الحالي، سيكونون مستائين وغير راضين عن هكذا نتيجة.

إلى الآن، فقد كانت الولايات المتحدة الأميركية محايدة إلى حد كبير فيما يتعلق بالسياسات الداخلية العراقية لكي تثبت بأنها تعطي للديمقراطية فرصة جيدة، وأنه ليس لديها أطماع أو طموح امبريالية أو استعمارية في العراق. لكنّ هذا الحياد كان له سلبيات. فبدلا من تأسيس نظام عراقي جديد بسرعة، كان على سلطة الاحتلال التي تمتلك قليلا من المعرفة والخبرة عن البلاد أن تتعامل مع العراقيين بشكل مباشر. وهذا التصرّف فشل في إعادة النظام ولم يسكّن من شكوك العراقيين، ولم يؤسس لائتلاف داخلي قائم على الوطنية بدلا من الطائفية. وبالفشل في اختيار زعيم علماني مثل شلبي، بصرف النظر عن أهليته، فقد تُرك الباب مشرعا أمام صعود الطبقة الدينية الشيعية، وهي القوة الوحيدة المنظّمة في العراق إضافة إلى نظام صدام حسين القديم.

* إهمال الحرب الأهلية الوشيكة:

لقد قبل الشيعة بشكل أساسي الاحتلال مع الصبر على وجود القوات الأمريكية، آملين بأنه إذا تجنّبوا قتال الولايات المتحدة، فإنهم سيسيطرون من خلال الانتخابات، وهو ما سيساعدهم على كسب الاستقرار والشرعية لسلطتهم. ومناقشة لهذا الموضوع، يرى وزير الخارجية الأميركية السابق هنري كيسنجر، وهو مؤيد لفكرة الالتزام الأميركي ببقاء طويل المدى في العراق، عكس ما تمّ شرحه. فهو يعتقد أن حكومة عراقية منتخبة ستجلب مزيدا من المشاكل، وكما يقول: "إن التمرد في المنطقة السنية ليس فقط كفاحا وطنيا ضد أميركا، بل هو وسيلة أيضا لاستعادة الهيمنة السياسية...، وعليه، فإن الانتخابات في العراق يجب أن تُعتبر البداية لسباق بين المجموعات المختلفة، مع ما يتضمّنه ذلك من مخاطر نشوب حرب أهلية، أو من اشتعال كفاح وطني ضدّ الولايات المتحدة، أو كلا الخيارين معا".

وجهة نظر كيسنجر صحيحة. فإما أن الولايات المتحدة ستبقى عامل الوجود العسكري الرئيسي في العراق وتصبح جزءا من الحرب الأهلية، أو أنها ستتنحى جانبا وتدع الحرب الأهلية تندلع. فإذا وجدت أعداد كبيرة من القوات الأمريكية، فإنه وبالتأكيد سيتم جر الولايات المتحدة في القتال، فإذا ما حمت السُّنة، فهي بذلك ستضع نفسها في مواجهة الحكومة وستجلب لنفسها عداوة الأغلبية العراقية. وإذا ما وقفت إلى جانب الحكومة، فإن السنّة في العالم العربي أجمع سينظرون بعدائية إلى الولايات المتحدة أكثر ممّا ينظرون إليها بنفس الطريقة الآن. وستظهر الولايات المتحدة كراعي لنظام إسلامي شيعي قاصر عن الوصول إلى المعايير الديمقراطية. وبالتالي فان أفضل حل للولايات المتحدة هو في الشروع بإخلاء قواتها قبل بدء تلك المعارك.

* البحث عن كبش الفداء

علاوة على ذلك، فإذا ما أبقت الولايات المتحدة في العراق وكراعي رسمي للنظام الجديد، فإنها سوف يلقى عليها باللائمة جراء كل عيوب هذا النظام والحكومات المتعاقبة. فإذا ما كان النظام قمعيا، فإن العراقيين سينسبونه إلى سوء الأمريكيين تجاه العراق، وسيعتبرونه دليلا على نفاق الولايات المتحدة فيما يخص الديمقراطية. من ناحية أخرى، فإنه إذا لم يكن النظام حازما بما فيه الكفاية، واستمرت الفوضى، فسيلوم العراقيون أمريكا على عدم الاستقرار والفشل المستمر في إنهاء التمرد. بل إن البعض سيدعون ويعتقدون بالفعل بأن الولايات المتحدة تروج للتمرد كمسوغ لتبرير بقائها في العراق.

وكذلك فسيتم لوم أمريكا على الفساد الحكومي الحاصل في العراق، وبينما تكشف الحكومة عن سياساتها التي ستنحاز إلى طرف، سيعتبر الآخرون أن الولايات المتحدة هي السبب في ذلك وسيلومونها عليه.

ولكسب رضا الناس، سيلعب الحكام الجدد على ورقة معاداة أمريكا، وذلك تماشيا مع المزاج الشعبي العام. وعمليا، فإن الطريق الوحيد للنظام الجديد لإثبات وطنيته أو أوراق اعتماده الإسلامية، هو في عرض استقلاله عن الولايات المتحدة ورفض احترام النصائح والطلبات الأميركية. والدعاية التي سيثيرها العديد من القوميين العرب والإسلاميين داخل وخارج العراق، ستشجع هؤلاء الحكام الجدد على التحرك بهذا الشكل. فالشعور المعادي لأمريكا سيكون سلاحا قويا لقطاعات ساخطة و كبيرة من الشعب العراقي. وستستغل هذه المجموعات (إذا واصلت أميركا وجودها في هذا البلد) خطابها الذي سيثير الحس القومي والإسلامي ضد المحتلين الأميركيين على اعتبار أنهم السادة الحقيقيون للعراق.

* مساعدة التمرّد:

علاوة على ذلك، وعلى الرغم من الانتصارات المؤقتة على الأرض، فإن قوات التحالف تساعد التمرّد أكثر مما تؤذيه، فحتى أربعة سنوات أخرى لن تستطيع القوات الأمريكية إيقاف الحرب، فالوجود الأميركي المتواصل في العراق سيعطي المتمردين الفرصة لحشد الإسلاميين، القوميين، وحتى العلمانيين السنة ضد "الاحتلال".

إن السبب الحقيقي في عدم قدرة القوات الأمريكية على الانتصار ضد المتمردين، ليس الانتقادات التي يوجها النقاد الغربيين للقوات الأميركية، بقدر ما هو في حقيقة الأمر الفشل في كسب المعركة ضد التمرد في العراق، لأنّ هزيمة التمرد تتطلب هزيمة موالي صدام، إرهابيي القاعدة، إضافة إلى المتطرفين الشيعة الإسلاميين. ورغم أن المتمردين يتلقون الدعم من الأقلية في وسط العراق من المسلمين السنة، وغير قادرين على السيطرة على البلاد، إلا أنهم فعالون جدا في ترويع الناس، وفعالون أيضا في الترويج لأنفسهم ضدّ الأمريكيين في الدعاية التي يستخدمونها. ويغتبطون لنتائج الأعمال الإرهابية التي تقتل عددا كبيرا من المدنيين -من الشيعة ومن المدنيين الأجانب وعمال الإغاثة-، وبسبب رغبة هؤلاء الإرهابيين بالقتل وتدمير الاقتصاد والمجتمع العراقي، فإن الهزيمة لن تلحق بهم إلا إذا تمّ إبادتهم بالكامل.

ورغم الفضائح الاستثنائية النادرة مثل فضائح أبو غريب، إلا أننا نستطيع أن نقول إن القوات الأمريكية التزمت بضبط النفس. وكانت مصمّمة على تفادي أنواع الانتهاكات التي حدثت في فيتنام، بحيث سمحت للمراسلين بتغطية الأحداث والتأكد من أن هذه القوات تتصرف بشكل ملائم تجاه المدنيين العراقيين. فقد أدرك الجيش الأميركي بأنه لن ينتصر في المعركة أو يخسر بها إلا نتيجة لكسب ثقة الشعب العراقي أو لفقدانها. ولسوء الحظ، ورغم أنّ هذا التصميم جدير بالاحترام، إلا أنه فشل. إذ يتطلب كسب ثقة الشعب تفادي الإصابات بين المدنيين، إلا أن الأمر يتطلب أيضا إبادة المتمردين. ويبدو أن الشيعة مستعدّون لقبول سقوط أعداد كبيرة من المدنيين السنّة في سبيل منع الإرهابيين السنّة من قتل المدنيين الشيعة. ومحاولة إقناع هؤلاء المتمردين لن يدفعهم لإلقاء سلاحهم، ولا يمكن لأي جهد أميركي أن يطمئنهم إلى النوايا الأميركية وإلى إجراء انتخابات سيكونون الخاسرين فيها. فالقوّة هي طريقهم الوحيد للسلطة، ومعاداة أمريكا هي طريقهم الوحيد لحشد الجماهير وراءهم.

إنه من المستحيل على القوات الأميركية وعلى القوات الحليفة لها، عمليا، استخدام الأساليب الضرورية اللازمة لهزيمة التمرد العراقي. ففي كل مرة يَقتل جندي أميركي مدنيا عراقيا أو يطلق النار على مسجد، فإن عشرات الملايين من العرب (والكثير من العراقيين) سيعتبرون ذلك دليلا على أنّ الولايات المتّحدة معادية للعرب وللإسلام.

ولكي أكون واضحا، فإن وجود القوات الأمريكية قد يمنع أو يحد من مناطق انتشار التمرد، لكنّ المناطق السنيّة على الأقل ستكون عرضة وبشكل دائم لعدم الاستقرار، كما أن قدرة المتمرّدين على تخريب جهود بناء إعادة الإعمار ستتواصل. لذلك ليس هناك من شيء أفضل من قوات عراقية راغبة في استعمال الطرق الضرورية لإنهاء التمرد، خاصّة أنها "مسلمة" و"وطنيّة الولاء"، ومن الضروري أن يتم قيادة القوات العراقية بحكمة عالية بما يعزِّز مكانتها الخاصة تجاه السلطة وتجاه مصالحها. إلا أن قوات عراقية ناشئة، غير مدربة بشكل جيد، وتنتظر من الولايات المتّحدة التعليمات الحرفية (كمن يلقّن الإملاء) للتحرك في فرض قواعد المعركة، لن تنجح أو تنتصر أبدا. علاوة على ذلك، فإن هذه القوّات تواجه دعاية ثابتة حاليا يتم الترويج لها وتقول إنهم مجرّد أدوات في يد الولايات المتّحدة الأمريكية. وبالتالي فإن هؤلاء الجنود، وخاصة مع إدراك الجمهور وأجهزة الإعلام بأنهم تابعون للأجنبي، غير المسلم وغير العربي، سيرفضون القتال إلى جانب الأمريكيين وسيكونون كوكلاء للمتمردين.

وبالمحصلة، فإن إستراتيجية تعتمد على قوات الائتلاف كقوة قتال رئيسية وأساسية لن تنجح في هزيمة التمرد. واستمرار الحضور الأميركي، سواء أكان ذلك حتميا أم للتلاعب الإعلامي العدائي، سيعتبر إهانة مؤكدة للوطنيين العراقيين وللحس الإسلامي الموجود، وبالتالي يسمح للتمرد بحشد مزيد من المؤيدين والمناصرين الذين ما كان باستطاعته أن يحشدهم لولا ذلك. في نفس الوقت، وطالما أن بقيت القوات العراقية خاضعة للقادة الأجانب، فإن الذين يقومون بالعنف سيكذّبون الحكومة العراقية والقوات العراقية نفسها أيضا.

إضافة إلى ذلك، فإن استمرار القتال سيعرقل تحسين الأوضاع المعيشية للشعب العراقي والخدمات الاجتماعية الضرورية لكسب تأييد الشعب للحكومة. فالبقاء الأمريكي في العراق لا يساعد الحكومة على هزيمة التمرد، بل يساعد التمرد على بقائه ويقنع العراقيين بدعمه.

*باري روبين: مدير مركز الأبحاث العالمي للشؤون الدولية "غلوريا"، مركز الجامعة في "هرتزليا- إسرائيل" ورئيس تحرير مجلة مراجعة الشرق الأوسط للشؤون الدولية "ميريا".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

omer

attafek min haytou al madmoun wa lakeen la attafek hawla tasmiat al moukawimin bi annahoum erhabieen.