خريف الغضب في أوروبا: الاعتبار أو الانتحار!

2005-11-10 | بوزيد عمر خريف الغضب في أوروبا: الاعتبار أو الانتحار!

اعتاد الرأي العام العالمي على قراءة سيل من أخبار الانفجاريات والقتل والدمار والحروب، وكذا على مشاهدة صور التخريب والفوضى والدخان المتطاير الآتية من دول الجنوب: فلسطين، العراق، أفغانستان، الهند والباكستان، أند ونسيا، تايلاند، والقائمة طويلة. أما أن يقرأ أو يشاهد أو يسمع عن إدراج اسم فرنسا ضمن هذه القائمة، فمما لم يكن يخطر على بال أحد ألبته!

ويخطئ من يختصر كل ما حدث أو يحدث في فرنسا في شخص عنصري كساركوزي، ذلك أن الأزمة وجذورها أعمق بكثير من سطحية تصريحاته السافلة وسلوكاته الرعناء التي تقطر حقدا وعنصرية على كل ما هو مسلم- عربي- أفريقي، وعلى كل ما هو غير أوربي.

قد يكون صحيحا أن تكون لهذه المواقف اعتبارات "سياسية" انتخابية، الغرض منها كسب أصوات اليمين المتطرف على حساب خصميه: شيراك- دوفيلبان، كما قد يكون صحيحا أن يكون من وراء صمت الرئيس شيراك على أحداث هذا الغضب العارم، الخلفيات نفسها، والغرض منها عزل خصمه، وإغراقه بشكل أكبر في بحر عنصريته، كما أنه صحيح أن شرارة الغضب كان وراءها مقتل شابين قيل أن لا علاقة للشرطة باغتيالهما، بل وأنها "أطهر" من أن "تدنس" رصاصاتها بدم العربي- المسلم، وبريئة منه براءة رصاصاتها وقنابلها من دم احتلالها للجزائر، بدليل أن دولة محسوبة على معسكر الديمقراطية كفرنسا تستنجد بقانون الطوارئ بعد قانون حظر التجوال الذي يعود تاريخه إلى عام 1955، أيام احتلالها الجزائر. وهو ما يعني تلقائيا وبشكل صريح أن فرنسا تعيش حالة حرب، إذ إن عودتها في زمن العولمة وسقوط جدار برلين، يعني ببساطة أن "الروح الوندالية" لا تزال راسخة ومتجذرة في النفسية الفرنسية تجذر "العنصرية" و"الاستعلاء" و"الشوفينية" فيها، حتى أضحت هذه الأخيرة عقدة لصيقة بالثقافة وبالتقاليد الفرنسية لا يمكن تصور انفكاكها عنها، طالت بشؤمها بلدانا أوربية أخرى مجاورة لها مثل ألمانيا وبلجيكا، لم يكن أحد يتصور انتشارها وانتقالها إليها، وهو ما يعني أمورا عدة:

- اشتراك هذه الدول في نفس الظاهرة، الهجرات والوجود الأجنبي العربي والإسلامي على أراضيها، ووقوعها تحت نفس التهديد.

- تقاسمها الفشل في سياسة إدماج هذه الجاليات في مجتمعاتها؛

- تقاسم الجالية المهاجرة فيها لنفس الهموم والأزمات والمشاكل والمتاعب العنصرية، البطالة، الظلم والحقرة، التهميش والمعازل العرقية أو الغيتوهات؛

- دخولها جميعا فيما وراء الستار الحديدي المعروف بـ"اتفاقية شينغن" الذي يشبه كثيرا من حيث دلالاته الاجتماعية لجدار شارون العازل في الأراضي المحتلة، وهو الذي لقي انتقادات متكررة من قبل منظمات حقوق الإنسان ومن لدن الدول "المصدرة للهجرة"، إذ لا يعقل أن تنصب الحدود في عصر العولمة وتدويل الإنتاج وتدفق رؤوس الأموال، وزمن رفع الحواجز الجمركية وهيمنة مبادئ وأحكام المنظمة العالمية للتجارة على تنقل الأموال والسلع بين الدول؛

- استمرار هيمنة القيم النصرانية والحضارية على رؤية وتعامل هذه الدول مع الجالية الإسلامية، وإلا كيف نفسر ارتفاع معدلات الممارسات العنصرية فيها، وتزايد شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة فرنسا، هولندا، النمسا، ألمانيا، ايطاليا، بريطانيا.. وتعبير أغلبية الرأي العام الأوربي في أحدث استطلاع للرأي عن رفضه لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي، وهو معطى لا ينبغي إسقاطه أو إغفاله في تحليل معادلة "المواجهة الحضارية" بين الأمتين.

أما ما يروج له حول فكرة "التعايش الغربي- الإسلامي" فيبقى مجرد حدث إعلامي تلوكه أعمدة الصحافة وتتجاذبه الندوات والمؤتمرات في الصالونات الفخمة والفنادق الفاخرة، وتفضحه صيحات البؤس والإحباط والكبت المتعالية من أعماق ركام ودخان النيران الملتهبة بالضواحي ومدن وعواصم أوربا الاتحادية بعد انتقال شرارة الغضب إليها في انتظار اتساع رقعة الاحتجاج إليها كما تدل عليه مؤشرات عدة.

ولا يمكن إدراج أوصاف "قطاع الطرق"، "الأوباش"، "الحثالة"، "عصابات المافيا"، "الأصوليين"، "الحشاشين والقتلة" التي أطلقها وزير داخلية فرنسا المسكون بنزعة "المحافظين الجدد" وهوس "الاستئصالية" على الطريقة الفرنسية، إلا ضمن هذا الاعتبار، بدليل أن 66 بالمائة، وحسب القناة الفرنسيةtv5 orient، ممن استجوبوا من الفرنسيين، قالوا: إن ساركوزي ركز على القمع بدل الوقاية.

- فشل الحلول الأمنية والعسكرية وأساليب القمع في مواجهة أزمة هي في أصلها —وباعتراف عقلاءهم— ذات أبعاد اجتماعية سياسية صرفة، وهو ما حدا برئيس المفوضية الأوربية للمساواة بين الأجناس "تريفور فيليبس" إلى القول بأن هذه الأحداث هي بمثابة تحذير لأوربا من أن الاندماج يتطلب حلا سياسيا، وهي التي كانت — قبل اكتواءها بنار ثورة الغضب واليأس- تتبجح بملء فيها بانتقادها لأنظمة العالم العربي والإسلامي في مواجهتها لحركات المد الإسلامي، مسخرة خبراءها ومراكزها البحثية ومؤسساتها العلمية، لكشف فشل الحلول الأمنية في التصدي لمثل هذه الظاهرة التي هي تعبير — لى حد قولهم- عن اليأس الاجتماعي وكبت الحريات وغياب الديمقراطية والعدالة.

إن أوربا، وليس فرنسا فقط، وأمام امتداد انتفاضة الضواحي، مقبلة على "زمن غاضب" لا يعلم أحد متى سيتوقف ولا كيف سينتهي، ومثل هذا "الزمن" يستوجب وقفات انتقالية للتقييم والاعتبار، وليس الوقوف عنده لتعميق حالات الانتحار والاحتضار، ذلك أن الشرارة حين تنطلق لا يطفئها إلا الماء، في حين أن صب الزيت عليها لا يزيدها إلا اتقادا واشتعالا، وليس لوظيفة النار —بعد امتدادها والتهامها للكل- إلا التآكل، وذاك هو قمة "الانتحار البطيء"، فإذا كان لانعدام الاستقرار وللفوضى تأثير سحري في تراجع معدلات السياحة، وفرنسا هي وأوربا أعلم بهذا الشأن من غيرها، لاسيما وأن أوربا كلها أرض سياحة وتتصدرها فرنسا عالميا وبامتياز، فإن لهما أيضا تأثيرا سحريا آخر أخطر وأكبر وهو تراجع التنمية، وهو ما يجعل أوربا كلها -وليس فرنسا وحدها فقط— أمام خيارين، إما الاعتبار أو الانتحار!.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر