آخر الأخبار

منطق الانسحاب الأمريكي من العراق -1-

2005-11-9 | ترجمة: علي حسين باكير منطق الانسحاب الأمريكي من العراق -1-

المصدر: فصلية واشنطن الصادرة عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، عدد ربيع عام 2005، ص67-80.

رغم تعقيدات حرب العراق، فإن الجدل القائم والخيارات السياسية المقترحة في نقاش هذا الموضوع تمّ ربطها وتحديدها بشكل كبير بما بلائم جدول أعمال الولايات المتحدة. فحقائق العراق، غالبا ما يتم إهمالها أو إساءة فهمها أو تجاهلها. والواقع هو أن المفهوم الأساسي لدى إدارة بوش وأكثر معارضيه،فيما يخص الوضع في العراق، هو مفهوم خاطئ وكارثي جداً. فالمقولة السائدة في واشنطن هي أنه عبر الحضور والبقاء الأميركي الواسع النطاق في هذا البلد، هزيمة المتمردين، وتعزيز مكانة حكومة منتخبة، من الممكن أن يتم تحقيق كل من الاستقرار والديمقراطية في العراق. فالانتقادات لهذه السياسات المتبعة تؤكد على التعامل الخاطئ للحكومة الأمريكية مع مشاكل العراق، أو ربما عدم التعامل معها نهائيا. ورغم كل ذلك، وسواء نجحت هذه السياسيات أم فشلت، فإن الوضع الراهن في العراق، يتطلب نظرة أمريكية جديدة للمستقبل.

إذا فشلت الإستراتيجية الأمريكية الحالية وتعمقت الفوضى الجارية، فإن كل من الزعماء العراقيين الجدد وواشنطن سيدعون إلى تقليص الدور الأميركي. وإذا ما نجحت (الإستراتيجية) بإقامة حكومة قوية منتخبة، فمن المرجح أن يصر هذا النظام الجديد على الانسحاب الأميركي الكامل أو الجزئي ضمن فترة زمنية معقولة. وفي كلتا الحالتين، فإن توقع احتمال أن تستطيع السلطة في العراق إنهاء العنف الجاري من خلال المفاوضات السلمية والدبلوماسية أو أن تنجح في جعل القوات الأميركية مرحب بها، يعد ضئيلا. فالمتمردون لن يستسلموا، وربما سيصعدون معركتهم في ظل توجه العراق نحو حكم شيعي محتم. والحكومة ستؤكد على سيادتها وشرعيتها وتضع إستراتيجيتها الخاصة بها لمحاربة الحرب الأهلية. ووحده اختبار الأسلحة سيحدّد مسار البلاد المستقبلي.

مثل هذه المحصلة الحتمية والعنيفة يمكن أن تؤدي إلى نتيجتين بالنسبة لواشنطن. فإذا ما استمرت الحرب بشكل لا نهائي، أو إذا انتصرت الحكومة العراقية من خلال القمع الوحشي وقتل آلاف الأشخاص، فإن العالم سيحمّل الولايات المتحدة الأميركية المسؤولية. أمّا إذا ما ظهر نظام منبثق عن التمرد الذي تحاول الولايات المتحدة هزيمته، فسيكون ذلك خسارة هائلة للمصداقية الأميركية، وتأسيسا لعدو جديد في العراق سيبقى قائما لعقود قادمة. وعليه، فإن على الولايات المتحدة أن تقرر أي من القوى السياسية تريد أن تدعم في العراق، وان تبدأ بوضع إستراتيجية خروجها منه. ورغم أن على الولايات المتحدة أن لا تسحب قواتها بسرعة أو تسرع، فإنه من الحكمة أن تنسحب خلال الأشهر الاثني عشر أو الثمانية عشر التي تلي صياغة دستور عراقي جديد وإجراء انتخابات جديدة في كانون أول ديسمبر من العام الحالي.


* الفرضيات الخاطئة :

خلال الحملة الرئاسية في الولايات المتحدة العام 24، اتفق كل من الرئيس جورج بوش ومنافسه السيناتور جون كيري على أرضية مشتركة فيما يخص السياسة الأمريكية تجاه العراق، وتتمثل في أن تبقى القوات الأمريكية إلى حين يؤسس العراقيون حكومة مستقرة، تحقيق هزيمة المتطرفين العنيفين، واثبات مصداقية الولايات المتحدة. ورغم أن ذلك يبدو موقفا مسئولا، لكن هل هو كذلك في الحقيقة؟!

وفي الواقع، هذه الإستراتيجية تستند إلى خمسة فرضيات تبدو منطقية من حيث المبدأ، لكنها غير عملية في العراق. وهذه الفرضيات هي:

أولا: إن هذه الإستراتيجية تقترض أن بقاء الولايات المتحدة والتحالف سيساعدان على دعم حكومة العراق من أجل ضمان الاستقرار وإعادة البناء وتحقيق الهزيمة الحاسمة للقوات الراديكالية.

ثانيا: أنّ الثبات الأميركي سيحقق تعاطف الشعب العراقي الذي سيلمس تقدم الديمقراطية في العراق وتحسن مستوى المعيشة، وحينها سيدعم الشعب العراقي حكومته ويعبر عن امتنانه للولايات المتحدة و يقر بفضلها وسينقلب على المتمردين.

ثالثا: إن العمليات العسكرية الأميركية ستوفر الوقت المطلوب لتعزيز القوات المسلحة العراقية القادرة على إدارة القتال في العراق، وهو ما سيؤدي الى تخفيض عدد المقاتلين الأجانب، وبالتالي عدد الضحايا الذين من الممكن أن يسقطوا، الأمر الذي سيسمح للتحالف بتقليص عتاده ونشاطاته وتحقيق قبول واسع له من قبل معظم العراقيين والعالم العربي وأوروبا، وحتى في داخل الولايات المتحدة.

رابعا: إنه يمكن للقوات المسلحة الأميركية أن تحتوي وتهزم المتمردين، وتحول دون قدرتهم على زعزعة أمن العراق وإبطاء إعادة بنائه.

خامسا وأخيرا: إنه يمكن للولايات المتحدة تشجيع الديمقراطية والاستقرار في العراق مع البقاء على الحياد فيما يخص السياسات العراقية الداخلية.

ولسوء الحظ، فإن أيا من هذه المقترحات لا يبدو أنه فعال في العراق، على الأقل في المدى المنظور.

في الحقيقة، فإن حكومة عراقية منتخبة ستطالب بإخراج قوات الائتلاف وتقليص قوة الدعم السياسية الأميركية لعدة أسباب. وبدلا من أن يبدو الحضور الأميركي على أنه عامل استقرار وتوحيد للبلاد، فإن الحكومة الجديدة ستعمل على إثبات استقلاليتها ووطنيتها بالمطالبة بمغادرة قوات الائتلاف للعراق. وبدلا من الترحيب بتأثير الولايات المتحدة على اعتبار أنه وسيلة لإنجاز الديمقراطية، فإن الزعماء العراقيين الجدد سيعملون على منع التدخل الأميركي في حالات يقومون فيها بانتهاك حقوق الإنسان، الديمقراطية، والنزاهة في ممارسة في الحكم. فهم سيرغبون بالاستمرار في الحكم والسلطة، والتمتع بالمنافع والمكاسب المادية، ويرون أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتأكيد ذلك. وأخيراً، بدلاً من أن يتم النظر إلى القوات الأميركية كحامية لهم، فإن الزعماء العراقيين الجدد سيعملون على تأكيد أن لا تحد السياسة الأميركية من استخدام الطرق الوحشية التي يعتبرونها و يرونها ضرورية للقضاء على التمرد.

إن زعماء أقوى الأحزاب السياسية العراقية قد أوضحوا نواياهم. فأحمد جلبي، السياسي العراقي الذي انتدبته الولايات المتحدة في مرحلة من المراحل كزعيم للعراق الجديد، كتب في صحيفة وول ستريت جورنال (22 كانون أول 2004) أن "المهمة الأولى للبرلمان المؤقت المنتخب حديثا هي التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لتحديد وضع قواتها في العراق والتوافق على جدول زمني للانسحاب". وجلبي هنا لم يتحدث عن انسحاب مفاجئ وغير مسئول، بل عن انسحاب مخطط له بدقة وتدريجي.

إن الحقيقة هي أن الإبقاء على وجود أميركي واسع النطاق لتشكيل حكومة ما بعد صدام، هو أمر غير مرغوب ولن يستمر. ورغم الفرضيات الأميركية، فإن إطالة الحرب بقيادة الولايات المتحدة لن تكون لصالح للشعب العراقي، ولن تؤمن الاستقرار أو تهزم المتمردين.

بل على العكس من ذلك، سيكون لها تأثيرات عكسية. على الولايات المتحدة أن تغير الاتجاه وأن تستعد للانسحاب بعد إقامة الحكومة العراقية بحلول انتخابات كانون أول عام 2005. وهذا الموقف يعارض الخطط السابقة التي تقول بضرورة بقاء القوات مهما كانت الفترة حتى يتم تحويل العراق إلى ديمقراطية مثالية، و بناء قواعد كبيرة للجيش الأميركي لتخدمه على المدى البعيد. ورغم أن هذا الانسحاب لن يرضي كثيرا من القادة الأميركيين وبعض العامة، إلا أنه سيوفر فرصة من أجل إعلان الانتصار بمفردات معقولة، وإعادة الجنود إلى منازلهم. البديل هو احتجاز مهمة القوات الأميركية كرهينة لعدم استقرار الحكومة العراقية أو لتعليق حضور البرلمان ودوره ، وهو سيناريو ستكون نتائجه كارثية وأكبر بكثير من المشاكل الحالية.

*باري روبين: مدير مركز الأبحاث العالمي للشؤون الدولية "غلوريا"، مركز الجامعة في "هرتزليا- إسرائيل" ورئيس تحرير مجلة مراجعة الشرق الأوسط للشؤون الدولية "ميريا".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

محمد العبادلة

التحليل المعروض في الأعلى صادر عن مركز دراسات مهمتها وضع الحلول النظرية بعيداًعن التعمق في الجذور الإجتماعية والتاريخية والعقائدية لأهل هذه المناطق فالكلام عن حكومة منتخبة بشكل ديمقراطي في وجود إحتلال مجرم كالإحتلال الأمريكي لا يصدر إلا عن بوق إعلامي مشبوه وليس مركز دراسات بحثي المفروض أنه محايد , وإستعراض البدائل بهذا الشكل المقزز الذي يصور أن الشعب العراقي مجرد رقع من الشطرنج التي تنتظر يد العطف من اللاعب ليحركها كيفما يشاء هو بعد عن الواقع والحقيقة والتي هي ان أمريكا تعيش حالة من الجوع الإستعماري الأعمى وحالة من القوة المفقدة للعقل وأنها أسيرة لأطماع إقتصادية متنامية بالإضافة إلى إرتباطات عقائدية مجنونة مع الكيان الإسرائيلي في فلسطين مما جعلها تعيش حالة من الشره العدواني بلاحدود ولذلك فإن إستراتيجية الجماعات المقاومة في العراق يجب أن تكون - رغم انني على ثقة بأنها كذلك - ان يتم إشعار هذه القوات ان خروجها يمثل كارثة لهيبتها كي تتمادى في غيها وتبقى لتتلقى الضربات المنهكة ليلاً نهاراً على مدى زمني طويل , لأنها وببساطة أتت للعراق وإحتلته بشكل فعلي ودمرت دولته ونهبت أثاره وخيراته وقتلت وشردت الألاف وأصابات مكونات المجتمع المتعددة بشروح عظيمة فليس من المعقول ان يرحل هؤلاء دون أن يسددوا فاتورة أفعالهم, هذا هو الأرجح وهذا هو الذي نرجو من الله أن يتمه عليهم وهذا الذي يدور في عقول المخمورين من العملاء الذين أتت بهم أمريكا لذلك المعادلة تميل نحو الإتزان مع الوقت بين فريق من المحتلين والعملاء وفريق من المقاومين الشرفاء يزدادون يوماً عن يوم عدداً وثقةً بنصر الله, بهذه الطريقة البسيطة يمكن إستعراض الأمور وليس بذلك الشكل الأكاديمي الجاف والمتعالي على الغير وليبحث القائمون على هذا المركز في التاريخ ليروا كيف توحدت أمريكتهم وتحررت من الإنجليز ونشأت منذ قرون ليعلموا أن البشر لايمكن أن يتحولوا إلى أرقام على أوراقهم الكولونيالية الباغية , شكر وتحية للمترجم وأرجو ان أكون قد أصبت بعضاً من الحقيقة....
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته