فرنسا ...وحصاد الهشيم

2005-11-8 | ياسر سعد فرنسا ...وحصاد الهشيم

فرنسا تحترق، باريس عاصمة النور والجمال تتحول إلى بؤر مشتعلة وسيارات محترقة وكتل دخانية متصاعدة. الأحداث المتدافعة والتطورات المتسارعة في فرنسا أصابت البلاد بل وحتى أوروبة بالفزع والهلع، بل إن السياسي الفرنسي اليميني ماري جان لوبوان ذهب إلى أن فرنسا يتهددها شبح الحرب الأهلية. الحالة الفرنسية استدعت الكثير من اهتمام المراقبين والباحثين السياسيين والمعلقين والمحللين، والذين تناولوها من جوانب متعددة وزوايا مختلفة، غير أنني أود التطرق وباختصار إلى بعض الإشارات والمؤشرات الجديرة بتأملها والتوقف عندها.

الأحداث الفرنسية والتي فجرتها سياسات غير معلنة من التمييز والعنصرية وأججها وصف وزير الداخلية ساركوزي لقطاع عريض من أبناء فرنسا بالرعاع والحثالة. قبل ذلك اتهمت السلطات الأمريكية بالعنصرية فيما يتعلق بعمليات إغاثة ضحايا إعصار كاترينا ومن ثم انتشار عمليات السلب والنهب والاغتصاب والتهديد بإطلاق النار بغرض قتل عناصر الشغب. كل ذلك يشير بوضوح إلى افتقار القوى السياسية المتحكمة على الساحة الدولية لكثير من القيم الأخلاقية والإنسانية والتي همشتها القيم المادية السائدة وهشمتها العولمة الموغلة في التوحش.

دأبت وسائل الإعلام الغربية في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر على تصوير الإرهاب بأنه التحدي الأساسي وربما الوحيد لأمن الغرب –والعالم- واستقرارهما. وتم استخدام الحرب على الإرهاب كذريعة لسن قوانين غاية في الصرامة تعتدي على الحقوق الأساسية للمواطنين من أصول عربية وإسلامية بشكل خاص، كما تم استثمار تلك الأجواء المحمومة للتدخل السافر في شؤون الدول العربية والإسلامية ووضعها تحت الوصاية الفكرية ومراقبة وتعديل المناهج التعليمية ومحاربة الجمعيات الخيرية الإسلامية. الآن يكتشف العالم أن المبالغة في توصيف الإرهاب – الناشئ ابتداء من ردود فعل خاطئة على سياسات ظالمة- كان نوعا من الهروب للأمام. فعند الغرب من المشاكل والألغام الشيء الكثير، ولعل أبرزها بروز وصعود التيارات اليمينية والعنصرية والنازية الجديدة.

فرنسا تعاملت مع مواطنيها من الجيل الثاني والثالث من المهاجرين بأسلوب قمعي يستهدف إدماجهم بالقوة وبسيف القانون، والذي تشرعه النخبة الفرنسية البعيدة عن معاناة الطبقات المسحوقة، والتي تعيش في ضواحي بائسة دون أن يكون لها ممثلون في البرلمان يحملون همومها ويدافعون عن طموحاتها. خذ مثلا قضية الحجاب والتي سنت الدولة الفرنسية لمحاربتها قانونا جائرا، أدى إلى حرمان يانعات في أعمار الزهور من حقهن في التعليم إذا ما التزمن وتمسكن بحقهن الشخصي في لبس الحجاب. إن سياسة القمع والكبت حتى وإن كانت مقننة ستؤدي إلى الانفجار.

تمنيت على الطبقة الفرنسية الحاكمة أن تستفيد من تجارب الدول العربية في تجنب السياسات التي تؤدي بالمجتمع إلى العنف والاضطراب، غير أن ساركوزي ورئيسه شيراك على ما يبدو أرادا أن يستفيدا من تجارب أنظمة عربية في القمع، فوصف شيراك الحجاب في زيارته الرسمية لتونس بالعدوانية، فيما يستخدم وزير داخليته المصطلحات العنيفة والقبضة الحديدية العربية في التعامل مع مواطنيه.

تدخلت الدولة الفرنسية وبشكل سافر في شؤون المسلمين من مواطنيها وعملت على تنظيم مساجدهم ومراكزهم بطريقة وأسلوب يضمنان للدولة اليد الطولى والمراقبة شبه الكاملة وصناعة تيارات أسلامية مرتبطة بالحكومة الفرنسية، والتي تتحكم بها وتكون صدى لقراراتها وإن خالفت المعلوم من الدين بالضرورة كمسألة الحجاب.

الحكومة الفرنسية اقترفت نفس الخطأ الذي ارتكبته وما تزال كثير من الدول العربية، والتي نجحت في تدجين كبار العلماء والفقهاء واحتوائهم ليرتبطوا بالمؤسسة الرسمية ومن ثم ليسقطوا من عيون الشباب ومن نفوس قطاع عريض من الشعب. هذه السياسة أدت إلى بروز تيارات الغلو، والتي كانت وما تزال –وبكل أسف- تستحوذ على تعاطف قطاع عريض من الشباب كما يظهر من خلال منتديات الانترنت. المؤسسات الإسلامية الفرنسية ناشدت الشباب المسلم التوقف عن أعمال الشغب وأصدرت فتوى محقة بتحريم الاعتداء على الممتلكات العامة. غير أن تلك الفتوى وذلك الموقف لم يلقيا آذانا صاغية من الشباب، بعد أن نجحت الحكومة الفرنسية في نزع الهيبة والمكانة من تلك الجمعيات وحدّت من تأثيرها وأنشطتها.

معالجة الأزمة الفرنسية لا يحتاج إلى حزم أو إنزال للجيش أو حظر للتجوال، فذلك علاج قد ينجح لتسكين الآلام وبشكل مؤقت، ولكنه سيزيد من حدتها بعد حين من الزمان. على فرنسا أن تعترف بأخطائها وعلى النخبة الفرنسية أن تتخلص من عُقد الاستعلاء والفوقية وأن تعامل أبناءها بشكل متساو وأن تعترف بتجاوزاتها التي ارتكبتها بحقوق الدول التي استعمرتها والتي ينحدر من أصولها الغالبية الثائرة والساخطة من الأجيال الفرنسية المهمشة والمفتقدة إلى الهوية والمفتقرة إلى الانتماء. على فرنسا أن تحترم خصوصيات المسلمين وغيرهم، وأن لا تحاول أن تفرض رؤية طبقة معينة على جموع مواطنيها تحت مسميات مختلفة تعيد إليها عقلية العصور الوسطى، والتي حسبناها قد انقرضت وللأبد. الدور الفرنسي على الساحة الدولية سيتأثر كثيرا من تداعيات الأحداث المشتعلة على أراضيها، وإذا لم تنجح فرنسا في الامتحان الأخلاقي، فقد تكون الأمة الغربية الثانية التي تسقط وبشكل مريع في امتحان القيم والمبادئ بعد السقوط الأمريكي الكبير في غوانتناموا وابوغريب والقائم وتلعفر وغيرهم.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر