اضطرابات الضواحي والمصير المجهول للجمهورية

2005-11-8 | خالد حسن اضطرابات الضواحي والمصير المجهول للجمهورية

يبدو أن ظاهرة الاحتجاجات في الضواحي الباريسية وانتقالها إلى بعض المدن الفرنسية، لم تُستوعب إلى الآن ولم يتم وضعها في إطارها الصحيح، حيث تفاجأ الكثير عندما قرأ هذا الخبر: "أصدرت كل من بريطانيا وألمانيا واليابان تحذيرا إلى رعاياها في فرنسا وطالبتهم بمتابعة وسائل الإعلام جيدا، كما فعلت من قبلها الولايات المتحدة وروسيا وأستراليا"، وتساءل الكتاب والمعلقون: هل يعقل أن تصل الأمور إلى هذا الحد؟، في حين اعتبره البعض نتيجة طبيعية لما أسموه بـ"الفشل الذريع للنموذج الفرنسي للدولة والمجتمع".

وحتى لا نغرق في تشعبات التوصيفات، هل هي ثورة أم انتفاضة أم حركة احتجاجية أم عصيان مدني وتمرد هامشي، لئلا نتورط فيما تورط فيه معلقون وكتاب آخرون بين مهول ومهون، فإن يمكن قوله الآن أن التحدي الذي تطرحه أعمال الشغب والاضطرابات الأخيرة على فرنسا عميق ولو جاء عن طريق فئات هامشية عرقيا واجتماعيا .

فاليمين واليسار كلاهما شريكان في تعميق هذا التمزق الاجتماعي، وإن كانت مسؤولية اليمين أكبر لأنه في السلطة منذ ثلاث سنوات، ولم يتحرك لعلاج هذه القضية. وعليه، فليس الأمر مرتبطا بتنظيم سياسي ولا بتوجه ديني أو عرقي، ولا حتى بحركة مطلبية تتبنى شعارات معينة. بل إن الوضع "الكارثي" الذي تدحرج إلى هذا المنحى التخريبي الخطر، لا يعكس حجم وقوة الاحتجاجات بقدر ما يكشف عن أزمة حكم وفراغ سياسي رهيب، حتى أصبح الخبراء يتحدثون عن أن نمط إدارة فرنسا في عهد شيراك يحتاج إلى إعادة نظر بسبب مظاهر خلل عميقة كثيرة في بنية الاقتصاد، وترتب عن كل هذا سخط عارم واستياء شديد، تحول بفعل التراكمات والعوامل المتداخلة والمتشعبة إلى كتلة نارية تحرق كل من يقف في وجهها. كما لا يمكن في الوقت نفسه أن نعزل ما يجري اليوم عن نتيجة الاستفتاء على الدستور الأوروبي، حيث أسقط المشروع الأوروبي مخافة تأبيد الأزمة الاجتماعية ورفضا لسياسات الحكومة اليمينية.

من المهم أن نفهم ما يجري في باريس وضواحيها، خاصة وأن الفئة التي تضرب بيد من الفوضى والتخريب ليست من جنس الطبقة العمالية التي تشكل وقود الثورات في الغالب، فئة تقتات على الوعود الكاذبة والإهمال الشامل، التسرب المدرسي، انغلاق وأزمة هوية وثقافة ونسبة بطالة تصل إلى ضعف المستوى الوطني..إنها "فئة تختزن إمكانيات الصراع الاجتماعي الموجودة خارج منظومة الإنتاج ويمثلها العاطلون عن العمل"، أو كما عبر عنها علماء الاجتماع الفرنسيون من فترة طويلة "ثورة ما بعد الحداثة"، لكن مع غياب قوى سياسية تحمل هم الأزمة الاجتماعية الاقتصادية التي كشفت عنها هذه الاضطرابات.

قد لا تخترق التناقضات المجتمعية بنية المجتمع الفرنسي، وإنما فقط هوامشه العرقية، لكن مع ذلك، ربما تكون إيذانا بنهاية عهد "متهرئ" أو بالأحرى نهاية مرحلة إدارة اليمين للجمهورية، وإن كان هذا مستبعدا، لأن اليسار الفرنسي ليس أقوى من اليمين وليس بأفضل حال منه، وفقد القدرة على التحريك والتعبئة وتوجيه الأحداث كما في أحداث 1968 مع الفارق، حيث تمكن من استيعاب قوى شبابية جديدة شكلت أساس انطلاقة "الحزب الاشتراكي الفرنسي" بقيادة فرنسوا ميتران.

ويبدو أن المسحوقين و"المبعدين اجتماعيا" كانت تنتظرهم ظاهرة تتألق يوما بعد يوم في المشهد السياسي الفرنسي اسمها "نيكولا ساركوزي"، عصفت بما تبقى لهم من أمل في الجمهورية، حيث فاجأهم بأطروحات أكثر يمينية من السياسات المتبعة..وأثبت أنه سليل تيار المحافظين في أمريكا، وربما ينوب عنهم في فرنسا، من خلال ما يظهر من توجهاته وتحديدا إضعاف دولة الرعاية والمزيد من الحرية للرأسمال والإمعان في هشاشة فرص العمل. ويبدو أنه نقل عن الأمريكيين الإستراتيجية الأمنية التي اتبعتها شرطة نيويورك في الثمانينات والتسعينات، عندما قامت حكومتها بتنفيذ سياسة أمنية صارمة حققت نجاحات هامة في ضبط الأمن وحولت قائد الشرطة التي نفذها إلى خبير عالمي!.

والمفروض أن تتحول الاضطرابات الأخيرة إلى لحظة تحول تاريخية في وعي فرنسا لمدى عمق أزمتها... بل في وعي الدول الأوروبية ككل، بما عبر عنه أحد الكتاب بـ"مشكلة ملايين المهاجرين "الجدد" في أوروبا "القديمة"".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر