الرئيس والمواطن والقانون

2005-11-8 | الرئيس والمواطن والقانون

دخول الرئيس مبارك على خط الدعاية المباشرة لمرشحي الحزب الوطني يضعه في خصومة مباشرة بنفس الدرجة مع بقية القوى السياسية الأخرى، وبالتالي فإن نقد الرئيس مبارك والهجوم عليه شخصيا وعلى سياساته يصبح ضرورة انتخابية وحقا مشروعا لكل مواطن وخاصة المرشحين، وهذا ما لا أظن أنه يليق به وبمنصبه، ولذلك أنا مندهش من إصرار الرئيس مبارك على احتفاظه بمنصب رئيس الحزب الوطني بما يجعله رئيسا للمصريين وخصما لنصفهم على الأقل في نفس الوقت، كذلك الدعاية الفجة التي يقدمها الرئيس لمرشحي حزبه والتي وصلت في إسفافها إلى حد توزيع عدة أطنان من الدقيق على الغلابة والفقراء لحثهم على انتخاب مرشحي الوطني وهو وضع لا يليق به أبدا، إنه سلوك تقوم به عادة المنظمات الخيرية ومنظمات التبشير الديني، أما أن يفعله رئيس جمهورية فهو عبث ينبغي أن يتوقف، لأنه مهين لجلال المنصب، ومهين لمصر الدولة والحكم.

والحقيقة أن كثيرا من سلوكيات الرئيس في السنوات الأخيرة تعطي انطباعا أن مصر تحكم وفق المزاج اللحظي للرئيس أو عاطفته وليس وفق قواعد ومؤسسات وقوانين ملزمة للحاكم والمحكوم، والكثير من التصريحات التي تصدر عنه تعطي انطباعا أنه يتمثل دور كبير العائلة الذي تقمصه الرئيس السابق أنور السادات، وهو نمط أبعد ما يكون عن الدولة الحديثة، خذ مثالا لذلك حديثه المتكرر عن أوضاع الصحافة وحنيته الكبيرة على الصحفيين وأنه يرى مهما فعل كذا وكذا من أجل رعايتهم وحمايتهم، في حين أنه لم يأمر مؤسسة واحدة بإعداد قوانين واضحة في هذا الشأن، فهو في لحظة مزاجه رائق فتكلم بطيبة، وفي لحظة أخرى مزاجه تعكر من مقال أو موقف صحفي فقلب، ونفس الأمر في الموقف من قوانين إصلاح القضاء، بل إن المضحك أنه عندما مرض الزميل الكبير الأستاذ جمال بدوي مؤخرا اتصل به وأرسل من يطمئن على صحته، في حين أنه لم يأمر أبدا بمحاسبة البلطجية الرسميين الذين سحقوا جمال بدوي في الطريق العام وأوسعوه ضربا وتنكيلا في حادثة أثارت استياء جميع الصحفيين، وحتى الآن ملف هذا الموضوع غامض.

الرئيس مبارك لا يريد أن يلزم نفسه بشيء نهائيا، في صيغة قانون أو قاعدة مؤسساتية، وإنما تكون إدارة الدولة موكولة إلى إرادته الشخصية فقط، بدون أي سقف أو قانون يحكمه أو مرجعية تلزمه، وقد آن لهذه الوضعية أن تنتهي، ليس مع مبارك شخصيا، وإنما مع رئيس الدولة أيا كان الآن أو مستقبلا، علاقة المواطن مع رئيس الدولة علاقة قانون، لا صلة لها بأبوة أو بنوة أو أخوة أو حب أو كره، وما لم يكن القانون واضحا وحاسما في ضبط العلاقة وتحديد حقوق الطرفين، فإننا سنظل نعيش في ظل دولة مستبدة وغير دستورية، مهما كان الكلام معسولا، ومهما كانت الهبات اللحظية كلاما أو سلوكا أو إجراءا سخية ومبهرة .


تم غلق التعليقات على هذا الخبر