آخر الأخبار

قراءة في أوراق الإصلاح العربي (5) طريق المجتمع المدني والعمل الأهلي

2005-10-7 | محمد أبو رمان قراءة في أوراق الإصلاح العربي (5) طريق المجتمع المدني والعمل الأهلي

يرى عدد من المثقفين والكتاب أنّ المشكلة الرئيسة التي تواجه محاولات الإصلاح السياسي في العالم العربي تتمثل في عدم رغبة النخب الحاكمة بالتنازل عن استفرادها بالسلطة، في ذات الوقت الذي لا تزال فيه أحزاب المعارضة والقوى السياسية المختلفة تدور في حلقة مفرغة من الخطاب الإنشائي، بعيدا عن إحداث اختراق حقيقي للحالة السياسية الراهنة، ما يدفع إلى الالتفات إلى أدوات العمل الأهلي والمدني لعل هذه الطريق تساهم في إيجاد منفذ أفضل لعملية الإصلاح السياسي، في إطار بناء فضاء عام مواز لفضاء السلطة يسمح بموارد إضافية لإدارة المجتمع والدولة.

أعيد الاعتبار للعمل الأهلي ولمفهوم المجتمع المدني على مشارف عقد التسعينيات من القرن المنصرم أمام فشل الدولة الشمولية، وصعود "ثورة الأنفوميديا"، وتراجع قدرة الحكومات والسلطات في الدول غير الديمقراطية على ضبط الأفراد والجماعات المختلفة وإمكانيات التعبير عن الذات، خاصة أن هذه الثورة وجدت طريقها سريعا في الدول العربية من خلال انتشار الانترنت والفضائيات والوسائل المختلفة للتعبير عن الآراء والأفكار السياسية.

وعلى الرغم من إصرار التقارير الدولية والفنية على وجود فجوة معلوماتية كبيرة بين العالم العربي والعالم المتقدم، فإن تلمس التحول في المجتمعات العربية بفعل ثورة الإعلام لا يخفى على أحد.

ففي أكثر المجتمعات والدول التي تعتبر محافظة، كدول الخليج العربي، أصبحت منتديات الحوار على شبكة الانترنت من أهم الوسائل للتعبير عن المواقف السياسية والجماعات الصاعدة التي لا تجد لها منبرا سياسيا رسميا للتعبير عن نفسها.

وعلى الرغم أن مؤسسات العمل الأهلي والمجتمع المدني، خاصة الجمعيات والنقابات ومراكز الدراسات والأندية، سابقة على الثورة الإعلامية الجديدة وتمتد إلى عقود، إلاّ أنها —أي ثورة المعلومات والإعلام- أعطت زخما وقوة أكبر لهذه المؤسسات، ودفعت بمؤسسات السلطة الرسمية إلى الوراء، وابتعدت الحكومات في كثير من الدول العربية عن ممارسة دورها الشمولي السابق، واستطاع المجتمع بالفعل أن يشق طريقه إلى بناء فضاء عام جديد يسمح بحركة مجتمعية لها بعد مدني وسياسي تحد من تغول الدولة على المجتمع.

المجتمع المدني والعمل الأهلي يعدان -في رؤية العديد من المثقفين والكتاب- الطريق الفضلى اليوم لبناء عملية الإصلاح السياسي المطلوب، والتي تكفل تأسيس البنية التحتية اللازمة لهذه العملية من خلال مؤسسات مدنية وأهلية قوية، تعبر عن قاعدة أكبر من الأفراد والجماعات تحول دون سيطرة الحكومات على الفضاء العام، ما يعني في المحصلة مدافعة طبيعية تدريجية ونمو جماعات وتجمعات أكبر تخلق حوارا وتفاعلا يسمح بتوطين وتكريس التقاليد والممارسة الديمقراطية، الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى نضوج قوى قادرة على إخضاع السلطة السياسية ذاتها لمنطق التحول نحو الديمقراطية.

تستند الملاحظة السابقة إلى أنه وراء فشل جهود الإصلاح السياسي في العالم العربي غياب المطالبة الاجتماعية الفاعلة بالإصلاح السياسي، ما يسمح للسلطة دوما بالتهرب من استحقاق الإصلاح والتنكيل بدعاته. لكن "المطالبة الاجتماعية" هذه لن تأتي من فراغ، فهي بحاجة إلى مؤسسات وممارسة تغذيها وتنميها، وثقافة تسندها، وأفضل ما يؤدي هذه المهمة هو العمل الأهلي والمجتمع المدني بما يؤدي لاحقا إلى وجود بنية اجتماعية وثقافية-مدنية تقلل من مخاوف الانقلاب على الديمقراطية في أية لحظة.

ضمن الاتجاه الفكري المتحمس للمجتمع وإعادة الاعتبار له ولأدواته، كالعمل الأهلي والمجتمع المدني، يبرز المفكر المصري القبطي رفيق حبيب، الذي يرى أنّ هناك ضرورة اليوم لتحرير الأمة من سيطرة الدولة، وإطلاق طاقات المجتمع وإمكاناته، وبناء المؤسسات الأهلية والمدنية. بينما يرى هشام جعفر (رئيس تحرير موقع الإسلام أون لاين على شبكة الانترنت) أن العمل الأهلي والمجتمع المدني يكفلان حل العديد من المشكلات، وأهمها توطين الممارسة الديمقراطية من خلال مؤسسات قائمة من رحم المجتمع العربي وليست مستوردة قد تثير إشكاليات فكرية عديدة.

ويصل إبراهيم غرايبة إلى أن طموح الإسلاميين بإقامة الدولة الإسلامية وانتزاع السلطة أصبح موضع سؤال حقيقي. فأي "دولة إسلامية" هذه التي يسعى إليها الإسلاميون وقد تخلت السلطة عن أدواتها، وانسحبت من مواقعها للمجتمع والمؤسسات الاقتصادية الخاصة؟!

فالمسألة لم تعد مرتبطة بالحكومة التي لم تعد اللاعب الوحيد الرئيس الذي يمتلك النفوذ والقوة في سياسات الدول، إذ هناك الشركات ومؤسسات المجتمع المدني والقوى المجتمعية المختلفة. بل يلمح غرايبة إلى أكثر من ذلك من وحي الحالة العراقية، ليقول إنه لو كان في العراق مجتمع مدني ولم يفرغ من مضمونه لصالح النخبة الحاكمة السابقة لما حصل الانهيار الخطير في المؤسسات العراقية لحظة الاحتلال. بمعنى، أن المجتمع المدني وصل إلى مرحلة أصبح فيها أقوى من الدولة ومؤسساتها الرسمية، فالمجتمع المدني هو المضمون الحقيقي للحركة الاجتماعية والثقافية، وأفضل تعبير عن قوة الأمة وضعفها.

إلاّ أن الإغراء الذي يبديه "طريق المجتمع المدني" يواجه بانتقادات شديدة من قبل فريق آخر من الكتاب والمثقفين العرب، الذين يرون أن هناك مبالغة في إمكانات المجتمع المدني والتحولات العالمية، وأن الدولة في العالم الثالث ما زالت تتحكم بالموارد الاجتماعية والسياسية. ويرى هذا الاتجاه أن القوة والسيطرة لا تزالان بأيدي الحكومات العربية، وهي قادرة في أي وقت على أن تسحب التأثير من تحت أقدام المجتمع المدني. ويدلل هذ الفريق على حججه بأن مؤسسات المجتمع المدني في كثير من الدول العربية قد استولت عليها السلطة وأفرغتها من مضمونها وجعلتها صدى لها، وهو الأمر المرشح في كثير من الدول الأخرى.

في هذا السياق، تبدو "حركة كفاية" المصرية اليوم فرس الرهان في الجدل حول دور المجتمع المدني وإمكاناته. فهذه الحركة التي انطلقت من مؤسسات المجتمع المدني ونمت داخل المجتمع المصري، تمكنت من تحقيق اختراقات كبيرة، سواء على صعيد مواجهة السلطة بأدوات مدنية وتعبيرات اجتماعية وأهلية، أم على صعيد الالتفات إلى المجتمع ودفعه إلى المطالبة بالإصلاح السياسي. والحركة تضم إلى الآن نخبا وجماعات متعددة من القضاة والمحامين والطلاب وأساتذة الجامعات والفنانين والمثقفين، وهي حركة فريدة في المجتمع العربي، وتكتسب يوما بعد يوم أدوات وممارسات جديدة تنضج بها ومعها. فإذا استطاعت "كفاية" المضي قدما وتوطين الممارسة المدنية اجتماعيا فستكون قدوة للمجتمعات العربية الأخرى، ودليلا ساطعا على صحة طريق المجتمع المدني إلى الإصلاح السياسي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر