قراءة في أوراق الإصلاح العربي (4) إشكالية العلاقة بين الثقافي والسياسي

2005-10-2 | محمد أبو رمان قراءة في أوراق الإصلاح العربي (4) إشكالية العلاقة بين الثقافي والسياسي

ناقشنا في مقالات سابقة الأثر السلبي للثقافة العربية الحالية على حركة الإصلاح العربي، بما في ذلك التراث السياسي العربي- الإسلامي، وقد تكشّف أن الموروث الثقافي بما يتضمنه من أمثال وحكم وقيم سائدة تحكم علاقة كل من العلاقة بين الفرد والمجتمع بالسلطة كلها لا تساهم في دفع الإنسان والمجتمعات العربية إلى الأمام في حركة الإصلاح بقدر ما تدفع إلى السلبية والحذر من التورط في مشاكل السياسة. وداء الحذر من السياسة لم يصب "العامة" فقط، وإنما "النخبة المثقفة" في العالم العربي كما يفصّل ذلك المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري في كتابه "العرب والسياسة: أين الخلل؟!"، إذ يرى الأنصاري أنّ هناك حالة أشبه بفقر الدم أو "الأنيميا السياسية" في علاقة العرب بالسياسة. في حين يقترب الإمام محمد عبده من جعل السياسة بمثابة "الشجرة الملعونة" إذ يقول: "أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة، ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس"!

الملاحظة السابقة خلقت جدلية بنيوية داخل الخطاب العربي المعاصر حول العلاقة بين الثقافة والسياسة، وأولوية الإصلاح؛ هل تكون للجانب السياسي أم الجانب الثقافي؟ ففي الوقت الذي يذهب فيه اتجاه عريض إلى أن الثقافة السياسية العربية هي نتاج فشل الخبرة العربية، وأن الإصلاح الثقافي مرتبط بنجاح التجربة السياسية العربية في الخروج من الآفات الحالية وتقديم نموذج صحي على صعيد الممارسة العملية الأمر الذي سينعكس على الحالة الثقافية ويساهم في إعادة الشعوب العربية إلى المشاركة السياسية الفاعلة ويزيل حالة الانقطاع التاريخي أو العلاقة المشوشة بين الإنسان والمجتمع العربي وبين السلطة.

وفي رؤية موازية للاتجاه السابق يرى اتجاه داخل الخطاب العربي أنّ ما يسمى بـ"المشكلة الثقافية" وَهْمٌ كبير وتحايل على التحديات السياسية الحقيقية التي تواجه العرب، فالمجتمعات العربية ليس لديها مشكلة ثقافية في الجانب السياسي، بل هي من أكثر الشعوب في العالم وعيا بالسياسة واستعدادا للحراك السياسي، إنما المشكلة هي مع التحديات السياسية وبالتحديد الخارجية التي تنعكس على الداخل العربي.

في المقابل، ثمة اتجاه آخر يصر على وجود المشكلة الثقافية، ويرى أنها تمثل العائق الأول في طريق الإصلاح السياسي، وأن الأولوية في الإصلاح لا بد أن تكون للجانب الثقافي بتفرعاته المتعددة، ودون إنتاج حالة ثقافية صحية داخل المجتمعات العربية فستبقى الأمراض السياسية مهيمنة، وإذا ما تخلصت الشعوب العربية من استبداد "السلطة الحالية" ستقع لاحقا في استبداد "السلطة القادمة" حتى لو كانت قادمة من حصون المعارضة، ذلكم أن جرثومة الاستبداد قابعة في ثقافتنا السياسية ذاتها على مستوى الفرد والمجتمع في آن معا.

في هذا السياق كانت رؤية محمد عبده متقدمة تاريخيا في أولوية الثقافة في عملية الإصلاح، إذ يرى أن الإصلاح السياسي يبدأ من التربية والتعليم. إلاّ أن المساهمة الأم والرئيسية في الخطاب العربي في مجال الثقافة كانت للمفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي يضع في كتابيه "شروط النهضة" و"مشكلة الثقافة" دورا محوريا في أي عملية إصلاح مطلوبة، ويرى أن شروط النهضة تتمثل بالتفاعل بين الإنسان والوقت والتراب، وتحريك الإنسان من حالة السلبية إلى الفاعلية يرتبط بالثقافة.

تنطلق مدرسة مالك بن نبي من وجود مشكلة ثقافية هي التي تمهد للاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، فوطن الاستعمار والاستبداد هو داخل الإنسان العربي في وجود القابلية للاستبداد والاستعمار، والمشكلة الحقيقية التي تواجه المجتمع العربي مع نفسه وليس مع الآخر، لذلك ينقل "بن نبي" الاشتباك إلى الداخل مع الإنسان العربي وثقافته والمجتمعات العربية وأمراضها؛ بعبارة أشمل مع "التخلف" للوصول إلى بناء شروط النهضة والتقدم التي تسمح بالخروج من النفق السياسي الحالي. ولعل القيمة الكبرى العملية لرؤية بن نبي تتمثل بتحرير السياسة من حلقة السلطة إلى مجال الأمة بأسره، وهو ما يدفع إلى الاهتمام بالمجتمعات وتنميتها وتطويرها بدلا من استنزاف الجهد في جدل سياسي يدور في حلقة مفرغة حول إصلاح السلطة والحكومات، لأنه لا إصلاح للسياسة دون إصلاح لبنيتها التحتية "المجتمعات". فالسلطة –كما يرى بن نبي- هي "مرآة المجتمع".

رؤية مالك بن نبي تعرّضت للإهمال فترة طويلة من الوقت، ولم تنل إلى الآن ما تستحقه من الدراسة والتحليل، ولعل السبب في تجاهل بن نبي داخل الخطاب العربي يعود لعدة أسباب منها اهتمام النخب والاتجاهات الفكرية العربية لمدة طويلة بالصراع السياسي المباشر سواء الداخلي (الصراع على السلطة) أم الخارجي (مع الدول الكبرى). بينما تعطي رؤية ابن نبي الأفضلية والأولوية للجانب الثقافي، وهو ما لم يرق لكثير من السياسيين والمثقفين العرب المتحمسين للسياسة وقد كانوا يعتقدون أن الشعوب العربية قاب قوسين أو أدنى من تحقيق طموحاتها خاصة مع قوة دفع الثورة الجزائرية ضد الاستعمار سابقا وخطابات عبد الناصر والثورة الإيرانية لاحقا وما رافق تلك السنين من شعارات وادعاءات وأوهام تكشف زيفها وفشلها بعد تجارب عربية مريرة، الأمر الذي دفع بالباحث اللبناني وجيه كوثراني إلى التساؤل - في مقال له مع بداية التسعينات-: "لماذا العودة إلى مالك بن نبي؟ الذاكرة والنسيان والتواصل في المشروع العربي الإسلامي".

خيبات أمل المجتمعات والشعوب العربية من السياسة ومن الأوهام التي تم تسويقها طيلة العقود السابقة، دفعت إلى العودة لمشروع الإصلاح الداخلي المرتبط ليس فقط بالسطح السياسي، بل بمقوماته وجذوره الثقافية المستمدة من المجتمع، ولعل ما يعطي قوة دفع لهذه الاتجاهات والقناعات الجديدة الحالة العراقية اليوم، إذ وجد الإنسان العربي نفسه مكشوفا ثقافيا، وهو يرى شبح الحرب الأهلية يخيم على العراق وصعود الطائفية والعرقية ليس في العراق وحده بل في مختلف دول العالم العربي، ليتبن لنا أننا فشلنا ليس في صراعنا مع الاستعمار أو الاستبداد، بل في بناء ثقافة التعايش السلمي والثقافة المدنية، وربما حتى في "إدارة حياتنا اليومية" –كما يرى محمد جابر الأنصاري-.

ومما يزكي إعادة الاعتبار للمسألة الثقافية في الإصلاح مؤشرات تقارير التنمية العربية الصادرة عن الأمم المتحدة والتي تظهر أن مواجهة الغرب لا تكمن في الجانب السياسي وإنما في الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب وفي مقدمتها الفجوة المعرفية التي تظهر حجم الضعف والتراجع في حالة العالم العربي في الوقت الذي أصبحت كل ميادين التقدم والتطور ترتبط عضويا بشروط المعرفة والثقافة والبحث العلمي.

على الرغم من إعادة الاعتبار للمسألة الثقافية في السنوات الأخيرة، إلاّ أن الاهتمام بها ما زال ضعيفا على الصعيد المعرفي، ولما تنل بعد الثقافة استحقاقها، بل إن تعريف الثقافة لا يزال ضعيفا وقاصرا في العالم العربي، باستثناء جهود مالك بن نبي التي أشرنا إليها سابقا. إلاّ أن كتاب "المسألة الثقافية من أجل بناء نظرية في الثقافة" للباحث والكاتب الشيعي السعودي زكي الميلاد ( المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 5) يمثل جهدا نوعيا متقدما في استجلاء مفهوم الثقافة وتوضيح معانيها. إذ يعرض الميلاد لرؤية مالك بن نبي للمسألة الثقافية من خلال رؤية تحليلية نقدية، كما يقدم رؤية على عزت بيجوفتش حول الفرق بين الثقافة والحضارة المبنية على الانتصار للثقافة وقيم الروح، ويعرض كذلك لرؤية توماس اليوت في تعريف العلاقة بين الثقافة والدين، ومن ثم يحاول بناء إشكال العلاقة الممكنة بين الثقافة والسياسة، والمعالم العامة لبناء نظرية في الثقافة في العالم الإسلامي.

ويمكن القول إن كتاب الميلاد وما يتضمنه من حوار ثري يمثل بحد ذاته علامة على تطور الاتجاه الفكري والسياسي العربي الذي يعيد الاعتبار لأهمية العامل الثقافي في الإصلاح السياسي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر