قراءة في أوراق الإصلاح العربي: الاتجاه شرقا.. دولة المجتمع المنتج 2

2005-9-17 | محمد أبو رمان قراءة في أوراق الإصلاح العربي: الاتجاه شرقا.. دولة المجتمع المنتج 2

ذكرتُ في مقال سابق بعنوان "نقاش في رؤية منير شفيق" أنّ تراجع الطموح بالإصلاح السياسي في الآونة الأخيرة -بعد مرحلة من التفاؤل والنشاط خلال الشهور السابقة- أدّى إلى العودة إلى أسئلة وجدالات الإصلاح مرة أخرى حول السبب في تأخر العرب وتراجعهم بينما العالم يتقدم إلى الأمام؟

وقد عرضتُ في هذا الإطار مقاربة الأستاذ منير شفيق في تحديد مكامن الخلل وأولويات الإصلاح ومقدماته. ووفقا لشفيق، فإن الاستعمار والهيمنة الغربية والوجود الصهيوني هي العوامل المسئولة عن الحالة العربية. وبالتالي، فإن أولوية الإصلاح يجب أن تبدأ بالتصدي للمشروع الصهيوني والاستعماري من ناحية، ورفض واقع التجزئة القطرية من ناحية أخرى. أما النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة، فهو وفقا لهذه المدرسة من الأمور الثانوية التي تساعد على تحسين شروط المواجهة مع الصهيونية والاستعمار، لكنها غير كافية لبناء الإصلاح العربي إذا ما بقيت البوصلة باتجاه تعزيز التجربة القطرية وعدم الخروج عليها.

إلاّ أنه منذ سنوات، بدأ الاتجاه الذي ينادي بأولوية الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة وتحسين شروط الحياة السياسية الداخلية يقوى ويشتد عوده في الخطاب العربي الجديد وداخل مختلف التيارات الفكرية المتصارعة سابقا (الإسلامية واليسارية والقومية...الخ). فقد تغلبت هذه الدعوة على كثير من المنطلقات الأيديولوجية لفرقاء السياسة والفكر العربي، وبدأنا نشهد جبهات وأحزابا متحدة من مختلف الاتجاهات، تشكل قوة ضغط على الحكومات العربية لمزيد من الإصلاحات الديمقراطية والسياسية. وقد زاد وعزز من قوة هذا التوجه انهيار المعسكر الشيوعي وتوالد مؤسسات المجتمع المدني منذ عقد التسعينيات، وتزايد نشاطها وارتفاع صوتها؛ ويمكن اعتبار حركة كفاية المصرية نموذجا واضحا في هذا السياق.

في المقابل، ونتيجة لمراوحة دعوات الإصلاح السياسي مكانها وعدم حصول تقدم ملموس في ظل تمسك النخبة الحاكمة بالسلطة، وفشل التجارب الثورية العربية في تحقيق وعودها للناس، برزت في هذا السياق مدرسة جديدة في الفكر والسياسة العربية تتجه شرقا، وتدعو إلى الاستفادة من تجربة "النمور الآسيوية" في تحقيق دولة النمو الاقتصادي بدلا من إضاعة الوقت في الصدامات السياسية والخلافات الأيديولوجية ومسألة تحديد الهوية وتأطيرها.

وفي الوقت الذي قد يبدو للبعض أن هذه المدرسة تهرب من استحقاق الإجابة عن أسئلة حيوية مرتبطة بالإصلاح، إلاّ أنها تنطلق –في الحقيقة- من معطيات الواقع التنموي العربي المتردي الذي كشفت عنه مؤخرا تقارير التنمية الإنسانية العربية الثلاثة الصادرة عن الأمم المتحدة، وتقارير التنمية البشرية على المستوى العالمي، والتي تضع الدول العربية في الصفوف الأخيرة في القائمة العالمية.

وترى هذه المدرسة أن معدلات التنمية الاقتصادية والصناعية بمثابة المحرك للإصلاح السياسي. فالإصلاح السياسي هو محصلة مصالح طبقة عريضة من الناس، ستتغير وتتطور مع مضي عجلة الاقتصاد خارج سياق الركود الحالي في مختلف المجالات.

تعبّر عن هذا الاتجاه دراسة للكاتب والباحث اللبناني الفضل شلق بعنوان "الدولة السياسية والدولة الاقتصادية: كيف نستفيد من تجربة دول آسيا الشرقية" (مجلة الاجتهاد، صيف وخريف 2002). إذ يحاول شلق في هذه الأطروحة تقديم إطار فكري لتجربة دول آسيا الشرقية، التي يرى أنها استطاعت إثبات ذاتها وبناء شرعيتها داخليا، من خلال تقديم الأولوية لمشروع النمو والتقدم الاقتصادي، والانفتاح على العالم وعلى الخبرات وعلى الحضارات، وفي ذات الوقت تضع أمام أعينها هدفا واضحا، وهو النمو والازدهار الاقتصادي والعمل على ردم الفجوة الاقتصادية بينها وبين العالم الغربي. فلم تعن دول النمور الآسيوية نفسها بالبحث عن الشرعية، لكنها صنعت شرعيتها بذاتها من خلال دولة "المجتمع المنتج"، وهي الدولة القوية. كما أنها لم تشغل نفسها بصراع الهوية والحداثة والـ"أنا" و"الآخر"، وإنما استثمرت كل وقتها في البحث عن النمو وتوفير عوامله أيا كان الاتجاه، وأعطته الأولوية على كل الجوانب الأخرى.

في ضوء هذه الرؤية، تتحول مسألة الديمقراطية من مسألة أولوية إلى موضوع يتحقق مع النمو الاقتصادي ومن نتائجه، وتتحول قضية الهوية من معطى في الماضي ودوران حول الذات وحرص عليها من الغزو الخارجي إلى مشروع تنموي تسعى الأمة إلى الوصول إليه، فتصبح الهوية "مشروعا تنمويا للإنتاج والدخول في العالم".

وعلى الرغم من الأفكار الجديدة والملفتة في رؤية شلق، إلاّ أن هناك ملاحظتين رئيستين في نقد هذا الاتجاه؛ الأولى أنه يغفل دور العامل الثقافي في التجربة الآسيوية، ومن المعروف أن أغلب الدراسات الاقتصادية والتنموية التي تناولت هذه التجربة أخذت بعين الاعتبار "الثقافة الآسيوية" ودورها، في حين أن الثقافة العربية ما زالت -بحد ذاتها- إشكالية عالقة، من خلال الصراع على الهوية وتعريف دور الإسلام في المجتمع والدولة، وهي الأسئلة التي ما زالت تشغل الفكر العربي وتستنزف كثيرا من جهوده وحواراته. وبالتالي، لا يمكن قياس حالة الثقافية الآسيوية على الثقافة العربية.

أما الملاحظة الثانية، فتتمثل في أن التركيز على الجانب الاقتصادي دون السياسي ربما يستخدم مبررا لتحايل الأنظمة العربية على الاستحقاق السياسي (الإصلاح والديمقراطية) وترحيله إلى مرحلة أخرى. وهنا، فإن من المآخذ على هذه الرؤية أنّها تفصل بين الاقتصادي والسياسي، في حين يحيل كثيرٌ من الباحثين وبعض المؤسسات الاقتصادية الدولية جزءا كبيرا من أزماتنا الاقتصادية إلى الفساد السياسي؛ مما يعني صعوبة الحديث عن إصلاح اقتصادي دون إصلاح سياسي مواز له.

لكن يبقى أن هذه الرؤية تلفت الانتباه إلى أهمية موضوع التنمية والنمو الاقتصادي في الخطاب الإصلاحي العربي، وربما تذكرنا بدرجة كبيرة بخطاب النهضة العربي في بواكير القرن الماضي، والذي جعل من التخلف "الداء" ومن النهضة الذاتية "الدواء" لكل الأمراض التي تعاني منها الشعوب العربية.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

المقداد

لا يمكن النهوض سياسياً ولا اقتصادياً في ظل هذه الانظمة الفاسدة المفسدة, لان مصالحها تصطدم بمصالحنا و تلتقي مع مصالح امريكا و اسرائيل. الشعوب العربية فاقدة للرغبة في الانتاج لانها تعرف ان اي انجاز او مكسب تتحصل عليه في عقود من الكد و التعب, تضيعه هذه الانظمة في ثواني و بالتالي تفقد الرغبة بل و القدرة على الانتاج, مثال على ذلك النظام المصري الذي باع كل شيئ حتى لم يبق الا مؤسسات الدولة فباعها هي ايضاً, ليستيقظ الشعب المصري و قد وجد نفسه على الحديدة, و ينطبق نفس الكلام على النظام السعودي, الذي يضخ البترول من ارض الجزيرة و تودع قيمته في البنوك السويسرية و الامريكية لتحريك اقتصاديات هذه الدول, على حساب صاحب المال الاصلي ابن الجزيرة الذي يعاني الفقر و العوز و البطالة و سوء الخدمات. النهضة السياسية و الاقتصادية لا يمكن ان تتم في ظل انظمة فاسدة فوق المحاسبة تمتص دمائنا و تعيش على حسابنا مقابل ان تهدر كرامتنا و تخدم مصالح الاعداء بكل تفاني, و اي تفريط في الاصلاح السياسي هو تفريط في مستقبل اجيالنا القادمة, بعد ان ثبت فشل هذه الانظمة في جميع المجالات.


mgd

اعتقد ان مانحتاجه كدول عربيه للاصلاح القومى يتمحور فى ثلاثه اشياء 1-يجب ان تتوقف الهيمنه النصرانيه واليهوديه عسكرا على الدول الاسلاميه وخاصه العربيه وذلك يكون بتسليح على الاقل ثلاث دول عربه تسليحا عسكريا متكامل لدفاع عن الامه 2- يجب ان تتوقف العنجهيه والتحدى الذى تنتهجه اسرائيل فى سياساته تجاه الامه لتكون دويله يلزم عليها الادب وتأدب مع الدول العربيه 3- اما الاصلاح الداخلى لشعوب العربيه يترك تقدير هذا الشىء للسياسات الحكوميه المتزعمه الدول العربيه من غير تدخل اجنبى لان اهل مكه ادرى بشعابهى 0