حافظ الأسد: هل وصل مشروعه العائلي إلى نقطة النهاية: أجندة التوريث ( 2 من 3 )

2005-9-17 | الطاهر إبراهيم حافظ الأسد: هل وصل مشروعه العائلي إلى نقطة النهاية: أجندة التوريث  ( 2 من 3 )

استعرضنا في الجزء الأول من موضوعنا هذا "النظرية الأمنية" التي اعتمدها حافظ أسد في حكم سورية. وبينا فيها الأسلوب الذي اتبعه في الوثوب إلى الحكم، والتصفيات القاسية التي اعتمدها لإبعاد خصومه السياسيين من البعثيين والإسلاميين. ثم كيف فوجئ بتحدي أخيه الشقيق "رفعت الأسد" له، وكيف أبعده عن الطريق، ليصفو له الجو في تمهيد الطريق لابنه "باسل" ، ثم من بعده أخيه "بشار" بعد مقتل الأول في حادث سيارة غامض.

في هذا الجزء سنبحث في "الأجندة" الصارمة التي اتبعها الأسد الأب في تهيئة المناخ لابنه بشار لكي يكون الخليفة من بعده، وهل نجح في ذلك؟.

* أجندة التوريث:

اشتملت هذه "الأجندة" على عدة نواح يمكن أن نجمل أهمها في ما يلي:

الناحية الأولى، تمثلت بإبعاد المنافسين له ولأبنائه عن الطريق، وعدم تمكينهم من إفشال خطته التي حرص على أن يطبقها تطبيقا صارما، وألا يترك لأي احتمال، مهما كانت حظوظه قليلة، -بحسب قناعته- أن يعرقل سير هذه الخطة. ولقد بينا كيف تخلى الأسد الأب عن شقيقه وساعده الأيمن "رفعت". وكيف ضرب الأسد أعداءه ومنافسيه دون شفقة أو رحمة. ورفض أي شفاعة، من داخل الحكم وخارجه، كي يخرج رفيق دربه ،"صلاح جديد" من السجن، حتى وهو على فراش المرض العضال ،الذي لم يكن يرجى معه شفاء، فلم يخرج من سجنه إلا إلى قبره. وحتى "نور الدين الأتاسي"، الذي كان رئيسا بروتوكوليا للدولة، ولم يكن يخشى منه أي إزعاج، بعد أن نسيه الناس إلا أهله، فقد لبث في السجن ربع قرن، فلم يطلق سراحه إلا قبل شهر واحد من موته.

أما الإخوان المسلمون، فبالرغم من إشادته بهم في خطابه في 23 آذار"مارس" عام198م، (بعد المظاهرات الصاخبة التي خرجت في حلب وقد قدّر عدد المشاركين فيها بأكثر من مليون)، وقوله صراحة عنهم في ذلك الخطاب، أن"لا خلاف لنا معهم إطلاقا ونحن نشجعهم" فقد ضربهم بعنف، وقامت سرايا الدفاع بقيادة "رفعت أسد" والوحدات الخاصة بقيادة "علي حيدر" بقصف وتدمير أحياء كاملة من مدينة "حماة" في شباط "فبراير" عام 1982م، وقتل من أهلها ثلاثون ألف مدني ( قدر باتريك سيل الذي أرخ لحياة حافظ أسد عدد قتلى حماة بين خمسة آلاف وخمسة عشر ألفا). وكان قبل ذلك قد أصدر المرسوم التشريعي رقم 49 لعام 198م ،الذي يقضي بإعدام كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين.

وعدا عن عشرات الآلاف الذين هُجّروا في أقطار الأرض، فإن أكثر من ثلاثين ألفا من الإخوان المسلمين وغيرهم سجنوا ،في تدمر وغيرها من سجون أجهزة الأمن، لمدد وصلت عند بعضهم لأكثر من عشرين عاما، ولا زال ما يربو على 5 من هؤلاء يقبعون في سجن "صيدنايا" الذي يحتوي على عدة طبقات، ولكنه يعتبر سجن "خمس نجوم" قياسا إلى سجن "تدمر" الرهيب.

ومن ناحية ثانية، فقد عُني الأسد الأب بإعداد الوريث إعدادا مكثفا:

وقد تمثل ذلك باستُقداِم اختصاصيين في كل علم وفن يحتاجهما الرئيس المقبل.وبشكل موازٍ فقد كان الأسد الأب يكلف الخليفة المرتقب ببعض الملفات، التي تكوّن لديه "دِرْبة" على شؤون الحكم،مثل ملف محاربة الفساد الذي استشرى في سورية خلال ثلاثة عقود، وطاول رؤساء حكومات قضى بعضهم عقدا ونصف العقد في كرسي رئاسة الحكومة، ووزراء و خلقا كثيرا ممن جاءوا إلى السلطة صعودا من مناصبهم الحزبية.

واستطرادا، فقد كانت الخطة التي اعتمدها الأسد في سورية، هي ترك المجال واسعا أمام الأعوان الكبار، لنهب المال من دوائر الدولة، وفي نفس الوقت يكون هناك من يحصي على هؤلاء أنفاسهم. فإذا نسي أحدهم نفسه وظن أنه قد ترسخ في منصبه، وفي ساعة غفلة تكلم بما لا يليق، أُخرج من أحد الأدراج،"ملف الفساد" الذي دونت فيه سرقاته وهو لا يدري ،وكان ما كان، كما حصل مع رئيس الوزراء السابق "محمود الزعبي".

ولقد كان ملف لبنان (الذي كان في عهدة نائب رئيس الجمهورية، الأستاذ عبد الحليم خدام، ثم سحب منه، ووضع بين يدي الدكتور "بشار") مجالا خصبا ليشكل له حقلا، يتدرب فيه الرئيس "المرتقب"، دون أن يتحمل تبعات الفشل، سيما أنه كان يشكل منصبا رئاسيا موازيا، يختبر الرئيس المرتقب قدراته فيه.

وقد أصر على استبعاد الأعوان الخطرين من طريق بشار:

فكما تم التخلص من "رفعت الأسد" الذي كان يعتبر نفسه الأجدر والأحق بوراثة الحكم بعد أخيه، فقد تم التخلص من قائد الوحدات الخاصة العميد "علي حيدر" الذي نُقل عنه استخفافه بتوريث "باسل" عندما كان على قيد الحياة.

ولعل العقبة الكبرى الأخيرة التي كانت تقف في طريق إفساح المجال أمام "باسل"، ومن بعده "بشار"، كانت إبعاد اللواء "علي دوبا" مدير إدارة الاستخبارات العسكرية. فقد صمد هذا الأخير في وجه كل التصفيات التي جرت لتمهيد الطريق للوريث. فهو من جهة كان لا يقل بطشا عن "رفعت الأسد" و "علي حيدر"، وبالتالي خدمة ل"حافظ الأسد".ولكنه كان الأكثر توازنا بين الثلاثة في إظهار طموحه لوراثة الحكم. ولقد تمثلت الخطوة الأولى في إبعاده عن الطريق هي ترقيته إلى رتبة العماد، وجعله نائبا لرئيس الأركان، ولكن مع بقائه على رأس إدارة الاستخبارات العسكرية. ثم تم الاستغناء عنه بهدوء في تلك الإدارة. ولا يُعرف على وجه التحديد كيف تم هذا الاستغناء، ولكنه، على كل حال، كان استغناء بدون ضجيج وليس كما حدث مع علي حيدر ورفعت الأسد.

ولا يكتمل البحث في هذه النقطة إلا بعد أن نشير إلى أن الأعوان من أهل السنة كانوا هم الأهون عند الرئيس "حافظ الأسد"، لأنه اختارهم على عينه من النوع الذي يتقلد المنصب، ولا يتطلع إلى فوق، مثل "مصطفى طلاس" وزير الدفاع الأسبق.

ولكن أين كانت الإدارة الأمريكية من هذا التوريث؟:

لقد كان الأسد الأب حريصا على إنجاز أهم بند في التوريث، وهو استمزاج رأي الإدارة الأمريكية وأخذ الموافقة على المبدأ. فقد عرض الرئيس حافظ الأسد الأمر على كلينتون في أول لقاء لهما، ولكن لم ينقل لنا أي تعليق من كلينتون على ذلك. وقد اعتبر الرئيس "حافظ الأسد" هذا السكوت موافقة.

بعد هذا الاستعراض الموجز للأجندة. هل يمكن أن نعتبر أن الرئيس الأب قد نجح في تهيئة الرئيس الابن للوراثة، من خلال الأجندة التي نفذها برؤية العصر الذي كان يعيشه؟

وهل استطاع الوريث أن يملأ الكرسي الذي شغر بموت أبيه؟ وهل انطبق حساب السوق على حساب الصندوق؟

سوف نتابع في الجزء الثالث والأخير الإجابة على هذه الأسئلة


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

حسن

معلومات عامة معروفة ليس فيها جديد