آخر الأخبار

مناقشة رؤية منير شفيق: هل أميركا والصهيونية وراء أزماتنا؟ 1

2005-9-15 | محمد سليمان مناقشة رؤية منير شفيق: هل أميركا والصهيونية وراء أزماتنا؟ 1

مؤشرات الواقع العربي تتجه إلى الوراء في حالة أقرب لوصفها بالنكوص السياسي والاقتصادي والثقافي على خلاف دول العالم الأخرى التي تخطو بإصرار نحو المستقبل، أما الأمل الذي ساد في الآونة الأخيرة بإمكانية حدوث اختراق للحالة العربية الراهنة بكسر الجمود السياسي فيبدو أنه يتلاشى مع مرور الوقت وتدهور الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة العربية.

هذا النكوص والتراجع يعيد من جديد طرح الأسئلة الفكرية على هذا الواقع. وإذا كان السؤال الذي شغل العالم الإسلامي في النصف الأول من القرن العشرين هو لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ فإن إعادة طرح السؤال اليوم تقتضي تحويرا في الصياغة ليقتصر الأمر على العرب وحدهم فيصبح السؤال: لماذا تقدم العالم بينما العرب إما يراوحون مكانهم أو يسيرون إلى الوراء؟!

ثمة اتجاهات متعددة في الإجابة على السؤال السابق، وأبرزها اتجاه يسود لدى شريحة واسعة من المفكرين والسياسيين والناس يرى أن الخلل بالدرجة الأولى لا يكمن في الواقع العربي الداخلي بل في الشروط الموضوعية التي تحيط به سواء تعلّق الأمر بحالة التجزئة القطرية أو في العامل الخارجي متمثلا بالولايات المتحدة الأميركية ودور إسرائيل في المنطقة، فهذه هي العوائق الرئيسة في طريق الإصلاح والتطور والتنمية العربية، مما يستوجب البدء بمواجهة هذه التهديدات والأسئلة.

هذا الاتجاه يضم العديد من المدارس والرؤى الفكرية والسياسية ربما تختلف في المنطلقات والرؤى والغايات لكنها تتفق على موضوع العمل الخارجي أو التجزئة وفي مقدمة هذه المدارس: مدرسة التبعية وأبرز ممثليها سمير أمين المفكر اليساري المصري، والمدرسة الجهادية الجديدة (التي ترى أن أساس البلاء الداخلي هي القوة الكبرى الخارجية فحولت بؤرة صراعها من النظم الداخلية إلى الولايات المتحدة الأميركية أو من العدو القريب إلى العدو البعيد) وهناك اتجاه من المفكرين والكتّاب الإسلاميين والوطنيين والقوميين من يقدمون علة التجزئة وأولوية مواجهة العامل الخارجي كالأستاذ منير شفيق المفكر الإسلامي.

لعل أفضل ما يعبر عن رؤية شفيق هنا كتابه "التجزئة والدولة القطرية قراءة استطلاعية" (الصادر عن دار الشروق 2001)، إذ يؤكد أن الأولوية هي التصديلحالة التجزئة والانقسام العربية ومواجهة الولايات المتحدة والاحتلال الصهيوني لفلسطين. أما العمل على التنمية الاقتصادية والسياسية وبناء عملية الإصلاح والديمقراطية ومكافحة الفساد والتنمية الثقافية والمعرفية فهذه كلها عوامل ثانوية تساهم في تحسين شروط المواجهة لكنها غير كافية وغير فاعلة إذا اتجهت إلى الداخل أي قامت في إطار الحالة القطرية وبعيدا عن مسار المواجهة مع العدو الصهيوني.

ووفقا لهذه الرؤية فإن الأمل في نهضة عربية وإسلامية بدون دولة عربية واحدة (الاتجاه الجهادي يتحدث عن خلافة إسلامية) هو وهم، كما أن ميزان القوى الدولي والإقليمي متكفل بإجهاض أي تجربة قطرية ناجحة، والنهوض العربي لا بد أن يتم في سياق ميزان قوى يسمح بذلك. أما الإجابة على سؤال كيف تقدمت دول إسلامية غير عربية ودول أخرى وسارت إلى الأمام كماليزيا ودول أميركا اللاتينية والنمور الآسيوية؟فإن جواب شفيق على ذلك لا يرتبط بعوامل داخلية ذاتية بل له علاقة بـ"الاستراتيجية الدولية" التي لمتمانع من قيام تجربة ناجحة في أسيا الشرقية والجنوبية بل ربما يخدم ذلك مصالحها وصدامها مع الصين، لكنها ترفض أي مشروع نهضوي داخل المنطقة العربية.

في هذا السياق يوجه شفيق انتقادات واسعة لتقارير التنمية العربية التي تشير إلى الأزمات والأوضاع الداخلية. وفي الوقت الذي يأخذ نقد شفيق طابع معرفي يشكك في الأرقام والمعلومات الواردة فيها إلاّ أنّالغاية والهدف من هذا النقد فيما يبدو هو تركيز التقارير على الأزمات الداخلية في العالم العربي كأزمة المعرفة والحرية وإسناد الأولوية لها على حساب العوامل الخارجية التي يرى شفيق أن لها الأولوية في الواقع العربي المعاصر.

يعبر شفيق عن رؤية اتجاه فكري وسياسي عربي عريض بؤرة الاختلاف بينه وبين العديد من المفكرين والمثقفين والكتّاب العرب لا تتمثل في أقرار أو عدم إقرار دور القوى الكبرى وعامل التجزئة ووجود إسرائيل، وإنما في مدى تأثير هذه العوامل على الأوضاع العربية مقارنة بالأوضاع الداخلية من ناحية، وفيما إذا كانت هذه القضايا — من ناحية أخرى- تمثل أولويات في عملية الإصلاح والتغيير.

وفي تقديري فإن المسألة مقلوبة تماما فالهيمنة الخارجية وضعف الحالة القطرية العربية ووجود إسرائيل نتاج الضعف الداخلي والحالة العامة المتردية في العالم العربي، والفرق الشاسع بيننا وبين الغرب لا يمكن القفز عليه من خلال وحدة سياسية دون توافر الشرط الرئيس لنجاح هذه الوحدة وهي حالة الديمقراطية وحقوق الإنسان وكرامته التي تحول دون الوقوع في آفات الاستبداد والفردية والمصالح الجهوية، كما حدث مع الوحدة السورية- المصرية التي يصر الأستاذ شفيق أنّها أخفقت بسبب ميزان القوى الدولية آنذاك وليس لأسباب ذاتية مرتبطة بطبيعة التجربة.

حالة النكوص العربي الحالي لا تعود لأسباب خارجية، بل لأسباب داخلية وربما الحالة العراقية مثال واضح على ذلك، فبعيدا عن مناقشة دور الولايات المتحدة فإن العراقيين قد ارتدوا بعد زوال النظام الديكتاتوري السابق إلى انتماءاتهم الأولية والاحتكام إلى المصالح الطائفية والعرقية، ولو فرضنا اليوم خروج الاحتلال الأميركي وترك العراق لمصيره الداخلي سيحتكم الفرقاء إلى السلاح وسيكون السيناريو الراجح هو الفتنة الأهلية. وهي الحالة التي يمكن أن تنطبق على دول أخرى سيكون مصيرها التشظي عند حدوث أية زلزلة حقيقية، والسبب في ذلك ببساطة هو غياب البنية التحتية الداخلية من ثقافة مدنية وأخلاقية وفلسفة إنسانية صحيحة تدفع بالناس إلى الأمام باتجاه الدفاع عن مستقبلهم ومصالحهم.

وقد يكون التحول في السياسة الأميركية تجاه العالم العربي شاهدا آخر على القضية التي نحاجج عنها هنا، إذ كثّفت الحكومة الأميركية في الشهور الأخيرة ضغوطها على النظم العربية للمضي قدما في الإصلاح السياسي والاقتصادي. ونجم تحول كبير في دور العامل الخارجي. فماذا حدث؟ تحايلت النظم العربية على الضغوط الخارجية واستقوت بالكتاب والقوى المعادين للسياسة الأميركية لتعبئة الشارع ضدها والتشهير بالقوى الليبرالية المطالبة بالإصلاح، والنتيجة تراجع الأمل في الإصلاح بسبب ضعف المطالبة الداخلية وعدم وقوف الجماهير والناس للدفاع عن مصالحهم، الأمر الذي يعود بالأساس لضعف الثقافة السياسية والاجتماعية المدنية في العالم العربي وتغول المفاهيم الثقافية القبلية والسلطوية على حياتنا السياسية والثقافية.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر